ماذا نعرف عن مبدأ مونرو؟ الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا وخطف رئيسها يكشف عودة الوثيقة الأكثر إثارة للجدل
![[object Object] /مبدأ مونرو , الولايات المتحدة , فنزويلا , دونالد ترامب , القانون الدولي](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/01/webangah-521ea75ffe55e5432642f9decf64f3543f361504ceb90bee1061a5a42c626b68.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا وخطف رئيسها، رغم تصويره كإجراء أمني، يكشف في مستواه الأعمق عن عودة صريحة لواشنطن إلى واحدة من أقدم وأكثر وثائق سياستها الخارجية إثارة للجدل. الوثيقة التي استشهد بها ترامب علناً ووصفها بأنها “نسخة محدثة” من مبدأ مونرو، تمثل اعترافاً صريحاً بإحياء منطق الإمبراطورية في العالم المعاصر، وهو المنطق الذي تأسس النظام القانوني لما بعد الحرب العالمية الثانية لاحتوائه.
أعلن مبدأ مونرو عام 1823 من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك جيمس مونرو، وكان رداً على تنافس القوى الأوروبية حول مستعمرات القارة الأمريكية. لكن ما بدأ كـ”تحذير لأوروبا” تحول تدريجياً إلى أداة لتبرير الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية. اليوم، يشير استشهاد ترامب بهذا المبدأ لتبرير احتلال فنزويلا إلى أن الولايات المتحدة لم تتجاوز هذا المنطق فحسب، بل تطبقه بشكل أكثر صرامة وعنفاً من قبل.
في ديسمبر 1823، أعلن جيمس مونرو في خطابه السنوي أمام الكونغرس أن القارة الأمريكية لم تعد مجالاً شرعياً للاستعمار أو تدخل القوى الأوروبية. في المقابل، التزمت الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأوروبا. كان هذا الإعلاء ظاهرياً قائماً على مبدأ الفصل بين المجالات، لكنه حمل رسالة واضحة: الولايات المتحدة ترى نفسها الوصي السياسي على نصف الكرة الغربي.
تحول مبدأ مونرو من موقف دفاعي إلى سياسة عدوانية مع توسع الاقتصادي والعسكري الأمريكي. لم يعد المبدأ يعني “إبعاد أوروبا”، بل “احتكار الولايات المتحدة” لمصير دول أمريكا اللاتينية. هذا التحول مهد الطريق لتدخلات واشنطن اللامتناهية، وحول أمريكا اللاتينية إلى مختبر للانقلابات والاحتلالات والعقوبات.
في عام 1904، أضاف الرئيس ثيودور روزفلت ما عُرف بـ”تعديل روزفلت” إلى المبدأ، معلناً حق الولايات المتحدة في التدخل المباشر في دول أمريكا اللاتينية لمنع تدخل أوروبا. بهذا، قدمت واشنطن نفسها كشرطي للمنطقة. هذا المنطق تشكل بعد أزمة ديون فنزويلا عامي 1902 و1903، عندما حاصرت عدة دول أوروبية فنزويلا لاستخلاص ديونها. تدخلت الولايات المتحدة ليس دفاعاً عن سيادة فنزويلا، بل لإقصاء المنافسين الأوروبيين.
طوال القرن العشرين، لم يُهمل مبدأ مونرو بل جرى تحديثه. خلال الحرب الباردة، أطاحت واشنطن بحكومات منتخبة بدعوى “مكافحة الشيوعية”، ودعمت الديكتاتوريات، وشنت حروباً بالوكالة. كل هذه الإجراءات شرعنتها واشنطن بمبدأ مونرو.
ما حدث في فنزويلا في يناير 2026 يمثل ذروة هذا المسار التاريخي. لم يعلن ترامب ضمنياً فحسب، بل صراحةً أن العملية العسكرية ضد فنزويلا تمت في إطار مبدأ مونرو. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، قائلاً إن الولايات المتحدة “ستدير فنزويلا” لضمان انتقال سلطة “آمن” برأيه.
من منظور القانون الدولي، لا مكان لمبدأ مونرو. فهو سياسة أمريكية أحادية الجانب لا يمكن أن تنتهك المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. لكن المشكلة تكمن في أن واشنطن لا تشعر بالالتزام بهذه المبادئ. عندما تفرض واشنطن عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية وفي نفس الوقت تعتقل رئيس دولة أخرى بالقوة، يتضح أن القانون الدولي في نظرها أداة انتقائية.
عودة مبدأ مونرو في شكل عمليات عسكرية له عواقب تتجاوز فنزويلا. هذا الإجراء يرسخ قاعدة خطيرة تسمح للقوى الكبرى بتجاهل الحدود وإسقاط الحكومات استناداً إلى مصالحها. إذا استمر هذا المنطق دون تكلفة، لن يبقى هناك ما يسمى بالنظام الدولي، بل “نظام القوة” حيث يمكن لأي قوة مسيطرة أن تكتب نسختها الخاصة من مبدأ مونرو.
استشهاد ترامب بمبدأ مونرو هو علامة على تراجع النظام الليبرالي أكثر من كونه دليلاً على القوة. فالقوة التي تلجأ إلى وثائق القرن التاسع عشر بدلاً من القانون الدولي تعترف فعلياً بأنها لم تعد قادرة على تبرير هيمنتها بقواعد مشتركة. فنزويلا اليوم هي مسرح هذا العودة الخطيرة، لكن الجمهور الحقيقي هو العالم كله. إذا أصبح مبدأ مونرو أساساً للعمل مرة أخرى، فلن يتراجع بأمريكا اللاتينية فحسب، بل بالنظام العالمي بأكمله إلى عصر حل فيه القوة محل القانون، وهذا ربما يكون أوضح علامة على دخول العالم عصر “ما بعد القانون الدولي”.
