سباق أوروبي لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت عبر تشريعات تقييد استخدام منصات التواصل

وبحسب المكتب الاقتصادي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تتسابق الدول الأوروبية لسن قوانين تحمي الأطفال من ما وصفه البعض بـ «الغرب المتوحش الرقمي»، ويأتي هذا التحرك بعد إقرار المشرعين الفرنسيين قانونًا يحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال دون سن الخامسة عشرة، وتعهد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بحماية أطفال بلاده من الأضرار المترتبة على استخدام هذه المنصات.
ويؤكد الخبراء أن قضاء ساعات طويلة في تصفح المحتوى الضار يؤثر سلبًا على أدمغة المستخدمين الأصغر سنًا، ما يؤدي إلى ظهور اضطرابات القلق ومخاطر صحية أخرى، مما يضطر الحكومات الأوروبية إلى التدخل التشريعي.
وفي هذا السياق، صرح بول أو ريختر، العضو المنتدب في مركز بروغل للأبحاث ومقره بروكسل، لـ دويتشه فيله، بأن «التركيز المكثف على القاصرين يرجع إلى تزايد خطر تعرضهم لأضرار طويلة الأمد، نظرًا لأن نموهم المعرفي لا يزال قيد التطور. وهناك أبحاث عديدة تشير إلى وجود ارتباط وثيق بين استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمشكلات المتعلقة بالصحة النفسية».
من جهتها، أبدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، دعمها لفرض قيود عمرية على مستوى الاتحاد الأوروبي، مقتدية بالقانون الأسترالي الجديد الذي حدد سن السادسة عشرة كحد أدنى لاستخدام هذه المنصات، لكن يظل التحدي قائماً حول كيفية تطبيق مثل هذا الحظر ومدى فعاليته عمليًا.
الدول الأوروبية التي تدرس حظر الشبكات الاجتماعية على الأطفال
في فرنسا، من المقرر إحالة مشروع القانون الذي يدعو إلى منع من هم دون سن الخامسة عشرة إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه.
وفي إسبانيا، من المتوقع أن يوافق مجلس الوزراء على حظر وصول من هم دون سن السادسة عشرة، وإضافة هذا البند إلى مشروع قانون قيد الدراسة في البرلمان الإسباني.
كما تدرس دول أوروبية أخرى فرض حظر على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن السادسة عشرة أو الخامسة عشرة من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي أواخر عام 2025، قررت الدنمارك حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال عبر الإنترنت وتوفير إطار عمل أفضل لحياتهم الرقمية؛ حيث أعلنت الكتل السياسية الدنماركية، بموجب اتفاق متعدد الأحزاب، عن ضرورة حظر الوصول إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي، لكن لم يتم تفعيل أي قانون بهذا الشأن حتى الآن.
إيطاليا قدمت أيضًا مشروع قانون في برلمانها لفرض قيود على شبكات التواصل، بما في ذلك استهداف المؤثرين من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة.
ووفقًا لمسؤول رفيع تحدث لوكالة رويترز، فإن اليونان «قريبة جدًا» من فرض حظر مماثل.
أما البرتغال، فقد قدمت مؤخرًا تشريعًا يتطلب موافقة الوالدين لتمكين الأطفال دون سن السادسة عشرة من الوصول إلى محتوى شبكات التواصل الاجتماعي.
النمسا تدرس أيضًا فرض حظر على شبكات التواصل، بينما بدأت المملكة المتحدة مشاورات في هذا الشأن.
في غضون ذلك، أوصى ممثلو البرلمان الأوروبي في نوفمبر الماضي بفرض حظر شامل على شبكات التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء أوروبا لمن هم دون سن السادسة عشرة، واقترحوا في الوقت نفسه السماح لمن تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عامًا بالوصول إلى هذه المنصات بشرط الحصول على موافقة الوالدين.
الهوية الرقمية الموحدة للتحقق من عمر المستخدمين
إحدى الأفكار المطروحة لغرض التحقق من العمر هي تطبيق هوية رقمية على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وأوضح ريختر أن «الهوية الرقمية للاتحاد الأوروبي تُعَد أداة تهدف إلى التحقق من عمر المستخدم دون تعريض بياناته الشخصية للخطر. تتيح هذه الأداة للأفراد تأكيد أنهم تجاوزوا سنًا معينًا رقميًا دون الحاجة إلى مشاركة أي معلومات شخصية إضافية مثل تاريخ الميلاد الدقيق أو الاسم أو العنوان أو رقم التعريف، مما يسهل تطبيق القيود العمرية الرقمية».
الاتحاد الأوروبي وحده القادر على دفع المنصات الإلكترونية لإحداث تغييرات نظامية
أبدى الاتحاد الأوروبي دعمه للعصر الرقمي، لكنه حذر الأعضاء من انتهاك «قانون الخدمات الرقمية» (DSA) الخاص به، والذي يلزم شركات التكنولوجيا بتقليل المخاطر المتعلقة بالخوارزميات وتأثيرها على القاصرين.
وقال توماس ريجنير، المتحدث باسم مفوضية التكنولوجيا، للصحفيين: «إن قانون الخدمات الرقمية ومفوضية الاتحاد الأوروبي هما الجهتان الوحيدتان القادرتان على فرض التزامات إضافية على المنصات ذات الحجم الكبير».
وأشار ريختر إلى أن الدول الأعضاء أبدت إحباطها، حيث ترى أن الاتحاد الأوروبي غير قادر على فرض قوانينه بفعالية على شركات التكنولوجيا الأجنبية، وخاصة تلك التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها.
في غضون ذلك، وصف إيلون ماسك، مالك شبكة «إكس» الاجتماعية، رئيس الوزراء الإسباني بأنه «مستبد وخائن للشعب الإسباني» بعد إعلانه عن خطط لحظر شبكات التواصل على الأطفال. وقد حاول ماسك تصوير التنظيمات الأوروبية المتعلقة بتوفير مساحات آمنة عبر الإنترنت على أنها محاولة لكبح حرية التعبير الرقمي.
وأكد خبير فرنسي أنه «حان الوقت لكي تستثمر دول الاتحاد الأوروبي بشكل جماعي في بدائل أوروبية» لمنصات التواصل الاجتماعي غير الأوروبية، مضيفًا: «نحن رهائن للشركات الأمريكية الكبرى؛ إما هي أو لا وجود لحياة رقمية».
ووفقًا لتقرير دويتشه فيله، نوقشت هذه الفكرة بين الخبراء على أمل أن تتوافق منصة أوروبية بشكل أفضل مع اللوائح والقيم المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
