الغموض يكتنف وفاة جيفري إبستين وتشكيك واسع يسيطر على الرأي العام الأمريكي
![[object Object] /جيفري إبستين , الغموض في الوفيات , قضية الاتجار بالجنس , إهمال أمني أمريكي , انعدام الثقة بالمؤسسات](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/02/webangah-24c8fcb6fce96ca83058b76c1caa29060c30db13179155e1562249e8173837fe.jpg)
وأعادت موجة جديدة من نشر الوثائق المرتبطة بالقضية في عام 2025 إحياء الجدل حول شبكة علاقاته المعقدة واحتمالية وجود أطراف متورطة أخفت الحقيقة.
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن جيفري إدوارد إبستين، المستثمر الأمريكي الذي برز في الأوساط المالية والسياسية بنيويورك منذ الثمانينات، صعد إلى عالم إدارة ثروات المليارديرات رغم افتقاره إلى شهادة جامعية كاملة، متحولاً من معلم للرياضيات إلى شخصية مؤثرة في وول ستريت.
لقد أتاحت له علاقاته المتشعبة مع شخصيات سياسية وأكاديمية واقتصادية بارزة بناء شبكة واسعة من المعارف، لكن الشهرة العالمية طغت عليها التهم الثقيلة بالاتجار بالجنس واستغلال القاصرات. وفي عام 2019، أعلن المدعون الفيدراليون أن إبستين أدار شبكة لاستغلال الفتيات دون السن القانونية مستخدماً نفوذه وثروته على مدى سنوات عديدة.
لا تنحصر أهمية قضية إبستين في جرائمه الشخصية فحسب؛ فالقائمة الطويلة للمرتبطين به عبر السنوات حوّلت القضية إلى اختبار حقيقي للنظام القضائي والسياسي الأمريكي. واعتقد الكثيرون أن محاكمته العلنية قد تكشف عن طبقات خفية من علاقات القوة والثروة، لكن وفاته المفاجئة في السجن الفيدرالي بمستوطنة مانهاتن أوقفت هذا المسار، تاركة وراءها موجة من التساؤلات بدلاً من الإجابات.
في صباح العاشر من أغسطس 2019، أعلن مسؤولو السجن العثور على إبستين ميتاً في زنزانته الانفرادية. وأقر التقرير الرسمي لمصلحة الطب الشرعي أن سبب الوفاة هو الانتحار، مدعياً أنه استخدم ملاءة شنق بها نفسه. إلا أن الأسئلة بدأت تثار منذ اليوم الأول؛ فإبستين كان قد أقدم على محاولة انتحار سابقة قبل أسابيع من وفاته وكان من المفترض أن يخضع لمراقبة خاصة وفقاً للوائح. ومع ذلك، وجد نفسه وحيداً في ليلة موته، كما أن الحارسين المكلفين بتفقد الزنزانة بانتظام تقاعسا عن أداء واجبهما.
كشفت التحقيقات اللاحقة أن كاميرات المراقبة في أجزاء من السجن كانت معطلة، مما حال دون الحصول على تسجيلات كاملة لتلك الليلة. وتمت ملاحقة الحارسين لتقديمهما تقارير كاذبة، لكنهما تجنبا عقوبات صارمة لاحقاً بموجب اتفاق قضائي. هذه السلسلة من الإخفاقات الأمنية دفعت العديدين إلى اعتبار فرضية الانتحار غير كافية، وطرح احتمال تورط عوامل أخرى.
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد ضغط الرأي العام وإقرار قانون الشفافية الخاص بوثائق إبستين، تم الكشف عن جزء من المستندات الجديدة. وقد استقطبت تقارير تتحدث عن إعادة فحص لقطات كاميرات المراقبة انتباه وسائل الإعلام مجدداً. ووفقاً لهذه التقارير، شوهد جسم بلون مميز في الردهة المؤدية إلى الزنزانة الانفرادية عند الساعة 10:39 مساء التاسع من أغسطس 2019. وكان المسؤولون الرسميون قد أكدوا سابقاً عدم دخول أي شخص إلى تلك المنطقة في تلك الفترة الزمنية تحديداً.
أوضح مسؤولو وزارة العدل أن هذه اللقطة قد تكون لأحد الموظفين أو سجين آخر، لكن الغموض حول هوية هذا الشخص لا يزال قائماً. وساهم التباين الزمني بين رؤية هذا الجسم وإعلان الوقت التقريبي لوفاة إبستين في تصعيد الشكوك. ورغم عدم نشر أي دليل قاطع يثبت تورط شخص آخر، فإن التناقض بين الرواية الأولية والمعلومات المستجدة قد أضعف الثقة العامة بشكل متزايد.
أكد تقرير المفتش العام لوزارة العدل وقوع سلسلة من الأخطاء الجسيمة في إدارة السجن. فقد أُخرج إبستين من وضع المراقبة الخاصة خلافاً للوائح، كما لم تتم عمليات التفتيش التي كان يجب أن تتم كل نصف ساعة، وتبين لاحقاً أن بعض السجلات الموثقة كانت غير صحيحة. ونُظر إلى نقص الموظفين وتكليفهم بعمل إضافي إجباري كجزء من المشاكل الهيكلية في السجن. ومع ذلك، يرى الكثيرون أن تفسير هذه الأخطاء على أنها مجرد إهمال بسيط غير كافٍ؛ إذ كان إبستين أحد أهم السجناء الفيدراليين في ذلك الوقت، وكانت حساسية قضيته تستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية. هذا التباين بين أهمية الملف ومستوى الرقابة هو ما أدى إلى ولادة هذه الشكوك الواسعة.
في أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، نشرت وزارة العدل الأمريكية ملايين الصفحات من الوثائق المتعلقة بقضية إبستين بموجب قانون الشفافية الجديد. وشملت هذه المستندات رسائل بريد إلكتروني ومذكرات وجزءاً من الوثائق القضائية. وأعاد نشر هذا الكم من المعلومات أسماء شخصيات سياسية واقتصادية إلى واجهة الإعلام، وأحيا النقاش حول مدى علم أو تورط بعض الأفراد. وعلى الرغم من أن الكثير من هذه المستندات كان متاحاً للمحاكم بشكل محدود سابقاً، إلا أن النشر العام أعاد الرأي العام إلى السؤال الأساسي: هل كانت وفاة إبستين مجرد انتحار بسيط، أم أن هناك شبكة أوسع متورطة منعت الكشف الكامل عن الحقيقة؟
أصبحت قضية إبستين رمزاً لانعدام الثقة في المؤسسات السلطوية الأمريكية. وبالنسبة لجزء من المجتمع، تمثل وفاته قبل المحاكمة دليلاً على فشل النظام في تقديم إجابات. وبالنسبة لمجموعة أخرى، يعني غياب الدليل القاطع على القتل قبول الرواية الرسمية، لكن حتى في خضم ذلك، يبقى التساؤل حول التقصير الأمني الواسع النطاق مطروحاً. ولفتت القضية أيضاً الانتباه العالمي إلى قضية الاتجار بالجنس واستغلال الأطفال. وأكدت المنظمات المدنية والمدافعون عن حقوق الإنسان على ضرورة ألا يتم تهميش معاناة الضحايا بالتركيز فقط على الأبعاد السياسية للقضية. وقد كافحت عشرات النساء اللاتي تعرضن للاعتداء في سن المراهقة لسنوات من أجل سماع أصواتهن، وأدت وفاة إبستين إلى تعقيد مسار حصولهن على العدالة.
بعد مرور سنوات على وفاة جيفري إبستين، لا تزال قضيته تبدو مفتوحة. فكل موجة جديدة من نشر الوثائق تخلق أسئلة جديدة بدلاً من إنهاء الشكوك. ورغم أن الرواية الرسمية بالانتحار لا تزال الأساس القانوني للقضية، فإن مجموعة من الثغرات الأمنية، والتناقضات الموثقة، والأهمية السياسية لعلاقات إبستين، منعت الرأي العام من الاقتناع الكامل. وطالما لم تتم الإجابة على جميع الإبهامات بشفافية وتوثيق، ستبقى قضية إبستين ليست مجرد قضية جنائية، بل رمزاً لأزمة الثقة في نظام العدالة وهياكل السلطة في الولايات المتحدة.
