حلف شمال الأطلسي ينسحب من العراق.. هل هو تمويه لاستمرار الوجود الأمريكي؟
![[object Object] /الناتو , العراق , الولايات المتحدة , الوجود العسكري , الشرق الأوسط](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/02/webangah-2121018840947e990dd0ba3d105fe2fe3cfeeb94b0eb831b3cfd2e60c6a5388a.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الضغوط الأمريكية على حلف شمال الأطلسي لإنهاء مهمته في العراق خلال الأشهر المقبلة، تأتي تحت ذريعة “تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الدفاع الأوروبي”. لكن هذه الرواية تتناقض مع حقيقة أن المنطقة لا تزال تعد واحدة من أهم ساحات النفوذ الأمريكي، في ظل تصاعد التوترات مع إيران.
المهمة التي بدأها الناتو في العراق عام 2018، والتي قُدّمت تحت شعار “مهمة تدريب واستشارة لدعم المؤسسات الأمنية ومنع عودة تنظيم داعش”، لم تكن مقنعة للكثير من العراقيين حتى الآن. فمنذ عام 2003، واجه وجود القوات الأجنبية المسلحة في العراق معارضة شعبية وسياسية مستمرة، اعتبرها الكثيرون احتلالاً.
إن المعارضة الشعبية والسياسية العراقية لوجود قوات أجنبية، سواء تحت مظلة الناتو أو الولايات المتحدة أو أي اسم آخر، كانت ثابتة دائماً. فالقوات الأجنبية لم تدخل العراق بطلب من الشعب، وليست لديها جداول زمنية واضحة للخروج، بل دائمًا ما كانت تبرر وجودها بأسباب مختلفة، وتثبت نفوذها على المجالات الأمنية والاستخباراتية، منتهكة بذلك سيادة العراق.
إن الادعاء بأن مهمة الناتو تقتصر على “التدريب ومكافحة الإرهاب” يتناقض مع طبيعة الوجود العسكري الغربي. فوجود قواعد عسكرية متقدمة، وأنظمة مراقبة، وطائرات، وشبكات تنسيق أمني عميقة، يشير بوضوح إلى دور يتجاوز مجرد تدريب القوات المحلية.
ويُرجح أن يكون الوجود الأطلسي في العراق غطاءً دولياً لأنشطة استخباراتية وعسكرية تخدم في المقام الأول مصالح الولايات المتحدة. فالعراق، بفضل موقعه الجغرافي، يعتبر نقطة مثالية لرصد وجمع المعلومات والتأثير على التوازنات الإقليمية. أما الحديث عن مكافحة داعش، فهو مجرد غطاء سياسي لإقناع الرأي العام والمحافل السياسية العراقية.
بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للعراق، يثار السؤال حول سبب ضغط واشنطن لإنهاء مهمة الناتو. فالخروج الكامل، خاصة في ظل احتمال المواجهة المباشرة مع إيران، لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة، بل يضعف قدرتها على المراقبة وممارسة الضغط. الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو إعادة هيكلة وتغيير شكل الوجود بدلاً من الانسحاب الحقيقي.
من المرجح أن تسعى واشنطن إلى إلغاء الغطاء متعدد الجنسيات للناتو، واستبداله بوجود أقل بروزاً وأكثر مرونة وصعوبة في التتبع، عبر القوات الخاصة أو أشكال غير رسمية أخرى. هذا الإجراء قد يقلل الضغوط السياسية الداخلية في العراق، مع الحفاظ على الموقع الاستراتيجي، وتصعيب استهداف القواعد الكبيرة.
فالقواعد الثابتة التي تضم قوات متعددة الجنسيات يمكن استهدافها بسهولة في الاشتباكات الواسعة. وفي المقابل، يتيح الوجود المحدود وغير المعلن مجالاً أكبر للمناورة، ويقلل من التكاليف البشرية والسياسية. وقد يكون هذا الانسحاب خطوة وقائية لإعادة التموضع والتغيير قبل مرحلة أكثر توتراً.
استمرار وجود الناتو يمنح القوى المعارضة للحضور الأجنبي سبباً واضحاً ومباشراً. وإزالة هذا الوجود (حتى لو كان ظاهرياً فقط) قد يخفف من حدة الغضب الشعبي إلى حد ما، بينما تبقى أدوات النفوذ الحقيقية بأشكال أقل وضوحاً. فالسيطرة على عدد قليل من النقاط الأمنية أو الاستخباراتية الرئيسية كافٍ.
وتشير التجربة الطويلة منذ الغزو الأمريكي إلى أن الشعارات المعلنة غالباً ما لم تكن سوى ستار يخفي الأهداف الحقيقية. وما يحدث الآن لا يبدو نهاية للحضور الغربي في العراق، بل هو تغيير في شكله وأدواته. وقد تقلل واشنطن من حضورها العلني، لكنها على الأرجح لن تتخلى عن موقع يُعد من أهم القواعد في غرب آسيا.
