إسرائيل تكثف خطواتها في الضفة الغربية لترسيخ سيادتها الفعلية
![[object Object] /الضفة الغربية , إسرائيل , الاستيطان , القانون الدولي , الأراضي المحتلة](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/02/webangah-d5c8fd19577fff725ce02396670d18ea52e11e48b77ee945fc873d5fd5113684.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التحولات التي شهدتها الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة تُعد من أبرز التغييرات السياسية والقانونية في المنطقة منذ اتفاق أوسلو. إن القرارات التي اتخذتها إسرائيل، بدءاً بفتح المجال لتملك الأراضي لصالح المستوطنين، مروراً بنقل صلاحيات بلدية الخليل، وصولاً إلى بدء تسجيل وتسوية الأراضي رسمياً في المناطق المصنفة “ج”، لا تُمثل مجرد إجراءات إدارية، بل هي حلقات جديدة ضمن مسار طويل يهدف إلى ترسيخ السيادة الإسرائيلية الفعلية على الجزء الأكبر من الضفة الغربية.
تأتي هذه التطورات في وقتٍ انصب فيه تركيز الرأي العام العالمي بشكل أساسي على قطاع غزة عقب عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 والحرب الواسعة الدائرة هناك، مما قلل من اهتمام وسائل الإعلام بالضفة الغربية. وقد أتاح هذا الفراغ في الاهتمام الدولي لإسرائيل فرصة لتنفيذ خطوات هيكلية قد تكون لها عواقب أعمق وأكثر استدامة من التحولات العسكرية قصيرة المدى.
من أبرز التغييرات، نقل نسبة كبيرة من صلاحيات إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية من الهيكل العسكري إلى مؤسسات سياسية داعمة للاستيطان. ففي إطار اتفاق تم عقده عام 2022، تم نقل مسؤوليات واسعة في مجالات التخطيط العمراني، ومنح التراخيص، والإشراف على البناء، من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى هيكل سياسي. ويُعد هذا التغيير، من الناحية القانونية والإدارية، خطوة نحو تجاوز وضع “الاحتلال المؤقت” باتجاه نوع من الإدارة الدائمة.
منذ عام 1967، كانت الضفة الغربية تُدار تحت سيادة عسكرية كاملة. ولكن مع التفويض التدريجي للصلاحيات لمؤسسات مدنية إسرائيلية، أصبح الخط الفاصل بين الاحتلال العسكري وممارسة السيادة المدنية أقل وضوحاً. ويُشكل مثل هذا التغيير دلالة على تحول طبيعة الوجود الإسرائيلي في هذه الأرض.
يُعد قرار المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي ببدء عملية تسجيل وتسوية الأراضي رسمياً في المنطقة “ج” نقطة تحول في هذا المسار، حيث توقف هذا الإجراء منذ عام 1967. وقد أُعلن حالياً أنه سيتم تسجيل جزء من أراضي هذه المنطقة كـ”أملاك إسرائيل” في غضون سنوات قليلة. والمعنى العملي لهذا الإجراء هو أن الأراضي التي لا يستطيع الملاك الفلسطينيون تقديم مستندات رسمية ومحدثة لها، قد تُسجل كأملاك إسرائيلية.
تشغل المنطقة “ج” نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وكان من المقرر تحديد وضعها في مفاوضات نهائية بموجب اتفاق أوسلو. ولكن بعد مرور ثلاثة عقود، لم تسفر المفاوضات النهائية عن نتيجة، بل إن إجراءات تجري حالياً قد تحول هذا الوضع المؤقت إلى واقع دائم.
من منظور القانون الدولي، تُعتبر الضفة الغربية أرضاً محتلة، ولا يحق للقوة القائمة بالاحتلال إحداث تغييرات جوهرية في نظام ملكية الأراضي. ومع ذلك، استناداً إلى تفسير خاص للقوانين في الحقبة العثمانية والانتداب البريطاني، قامت إسرائيل على مدى عقود بإعلان أجزاء واسعة من المنطقة “ج” كأراضٍ حكومية أو مناطق عسكرية. إن التسجيل الرسمي للأرض ينقل هذا الوضع من مستوى السيطرة الفعلية إلى مستوى التثبيت القانوني، وهو إجراء سيكون من الصعب للغاية التراجع عنه.
بالتزامن مع بدء عملية تسجيل الأراضي، تم أيضاً إلغاء القيود المتعلقة ببيع الأراضي للإسرائيليين. فقد تم التخلي عن القوانين التي كانت تمنع بيع الأراضي لغير العرب في عهد الحكم الأردني، والتي كانت تحتفظ بمعلومات الملاك بسرية. ونتيجة لذلك، أصبح بالإمكان الوصول إلى أسماء وبيانات الملاك، وتم تسهيل الطريق لشراء مباشر أو عبر وسطاء.
في ظل مواجهة الفلسطينيين لضغوط اقتصادية، وقيود على التنقل، وصعوبات واسعة في الحصول على تراخيص بناء، يمكن أن يؤدي فتح سوق الأراضي إلى انتقال تدريجي للملكية. وقد لا يتم هذا الانتقال عبر المصادرة العلنية، بل من خلال آليات قانونية ومالية، وهو مسار يبدو قانونياً في ظاهره، ولكنه عملياً يؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية والملكية في المنطقة.
تُعد التطورات في مدينة الخليل مثالاً واضحاً لهذه التغييرات. فالمدينة، منذ عام 1997، قُسمت إلى جزأين بموجب بروتوكول خاص. ونقل صلاحيات البلدية في محيط الحرم الإبراهيمي إلى الإدارة المدنية التابعة لإسرائيل، يُقلل عملياً من دور البلدية الفلسطينية في أجزاء من المدينة. ومن المقرر أيضاً تشكيل هيئة بلدية مستقلة لإدارة شؤون المستوطنين، وهيئة تدير الخدمات والتخطيط دون الاعتماد على الآليات الفلسطينية.
مثل هذا الهيكل يُنشئ نظاماً مزدوجاً: إطار قانوني وإداري للمستوطنين بدعم كامل، وإطار محدود للفلسطينيين. وتشير تجارب السنوات الماضية إلى أن القيود على منح التراخيص للفلسطينيين وهدم المنازل التي تفتقر للتراخيص، بالتزامن مع توسع المستوطنات، قد أدت إلى تغيير تدريجي في النسيج البشري للمنطقة.
ما يحدث في الخليل قد يكون نموذجاً لمناطق أخرى، نموذجاً تُنتزع فيه السيطرة البلدية، والخدمات العامة، والتخطيط المكاني تدريجياً من يد المؤسسات الفلسطينية.
كان من المفترض للسلطة الفلسطينية، التي تشكلت بموجب اتفاق أوسلو، أن تكون مقدمة لتأسيس دولة مستقلة. ولكن مع نقل صلاحيات رئيسية في مجالات الأرض والتخطيط العمراني، تتحدّ قدراتها الاستراتيجية أكثر فأكثر. في سيناريو تبقى فيه السيطرة على الأرض والموارد في يد إسرائيل، وتتولى السلطة مجرد إدارة الشؤون السكانية، فإن مفهوم السيادة سيختفي عملياً.
في مثل هذا الإطار، قد يمتلك الفلسطينيون مؤسسات إدارية ووثائق هوية منفصلة، لكنهم لن يمتلكوا السلطة الفعلية على الأرض. هذا الوضع يعيد تعريف دور السلطة: مؤسسة مسؤولة عن الخدمات وإدارة السكان، دون سيطرة على الأرض، الحدود، أو الموارد.
على المستوى الدولي، لا يزال الحديث يدور حول إقامة دولة فلسطينية وضرورة العودة للمفاوضات. وقد اعترفت بعض الدول بدولة فلسطين العام الماضي، لكن هذه الإجراءات لم تتمكن من وقف المسار الميداني. والفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والوقائع المتشكلة على الأرض تتعمق يوماً بعد يوم.
إذا تم تثبيت المنطقة “ج”، وهي العمود الفقري الجغرافي للضفة الغربية، رسمياً ضمن الملكية الإسرائيلية، فإن الأراضي المتبقية للدولة المستقبلية ستقتصر على مجموعة من المناطق المنفصلة. وفي مثل هذه الحالة، تضعف فرص تشكيل دولة ذات اتصال إقليمي متواصل وسيادة حقيقية أكثر فأكثر.
إن تحولات الضفة الغربية ليست مجرد مسألة داخلية، بل لها تداعيات إقليمية أيضاً. فالعديد من خطط تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية ارتبطت بالتقدم في مسار تشكيل دولة فلسطينية. وإذا استمر مسار تثبيت الملكية وتوسع المستوطنات، ستزداد الضغوط الشعبية في دول المنطقة، وسيصبح المجال السياسي للتعاون العلني أضيق. وفي النهاية، فإن ما يجري اليوم في الضفة الغربية هو أكثر من مجرد سلسلة قرارات إدارية. هذا المسار يمكن أن يغير معادلة الأرض والسكان بطريقة تجعل العودة إلى إطار أوسلو أو تحقيق دولة فلسطينية مستقلة أمراً بالغ الصعوبة. وإذا استمر هذا المسار دون عوائق، فستتحول الضفة الغربية تدريجياً من أرض متنازع عليها إلى فضاء ذي سيادة إسرائيلية راسخة، وستدخل القضية الفلسطينية مرحلة أكثر تعقيداً وتكلفة.
مع ذلك، فإن مصير هذا المسار ليس حتمياً. فالتحولات السياسية الإقليمية، والتماسك الداخلي الفلسطيني، ومدى التحرك الدبلوماسي للفاعلين الدوليين، يمكن أن يؤثر على المستقبل. ولكن ما هو واضح هو التغيير التدريجي لقواعد اللعبة؛ تغيير قانوني وإداري يرسم واقعاً جديداً على الأرض في ظل صمت دولي نسبي.
