قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

مجلس حکام الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتبنى قراراً ضد إيران وسط انقسامات

صوّت مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالح قرار اقترحته الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية ضد البرنامج النووي الإيراني، وسط مخاوف من تسييس القضية النووية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، اعتمد مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم الأربعاء، قراراً مقترحاً من قبل الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ضد برنامج إيران النووي السلمي. وقد مر القرار في المجلس بتصويت 21 صوتاً مؤيداً، و10 أصوات ممتنعة، و3 أصوات معارضة.

وعلى الرغم من أن واضعي هذا القرار حاولوا تقديمه في قالب مطالب فنية وتنظيمية، إلا أن تركيبة الأصوات أظهرت عدم تشكل إجماع حاسم ضد إيران، وأن تمريره تم في أجواء خلافية وهشة ومتأثرة بالضغوط السياسية الغربية.

تكمن أهمية هذا القرار، أكثر مما في نصه من ادعاءات متكررة ضد إيران، في رسالته السياسية والقانونية، حيث وضع مجلس الحكام، بدلاً من التركيز على الهجمات العدوانية للولايات المتحدة والنظام الصهيوني على المنشآت النووية السلمية الخاضعة للضمانات في إيران، الضغط مرة أخرى على طهران.

من هذا المنطلق، يمكن اعتبار القرار الجديد مؤشراً آخر على ابتعاد الوكالة عن الاحترافية الفنية وانغماسها في دوامة العمل السياسي، وهي دوامة لا تساعد في حل الخلافات ولا في إعادة بناء الثقة بين إيران والوكالة.

العمل السياسي بغطاء فني؛ قلب مسؤولية الأزمة

يأتي القرار الجديد لمجلس الحكام، ظاهرياً، بلغة فنية وتنظيمية وتقصي، لكن محتواه يشير إلى أن القضية الأساسية تتجاوز مجرد خلاف فني بين إيران والوكالة.

سعى واضعو القرار إلى التركيز على مسائل مثل تقديم معلومات حول المنشآت المتضررة ووضع المواد النووية، لإيهام بأن الأزمة الحالية هي نتاج سلوك إيران، بينما الواقع الميداني شيء آخر.

من وجهة نظر المراقبين، فإن الظروف التي تلقي بظلالها اليوم على التعاون التنظيمي لم تنشأ في فراغ، بل هي نتيجة مباشرة للهجمات العدوانية للولايات المتحدة والنظام الصهيوني على المنشآت النووية السلمية الخاضعة للضمانات في إيران.

من هنا، تتضح الطبيعة السياسية للقرار. فبدلاً من أن يوضح مجلس الحكام أولاً موقفه من الانتهاك الصارخ للمبادئ الأساسية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقواعد السلامة والأمن النووي، غيّر المشكلة ووجّه الضغط نحو إيران.

في مثل هذا الإطار، يُطلب من طهران التصرف في ظل ظروف غير عادية كما لو كانت ظروفاً عادية؛ وكأن المنشآت لم تتعرض للهجوم، والتهديدات العسكرية لم تستمر، وأمن المفتشين والمواد والبنى التحتية النووية لم يواجه قيوداً خطيرة.

يعتقد الخبراء أن هذا النهج هو نوع من قلب المسؤولية؛ لأنه بدلاً من أن توضع الدول المهاجمة وأنصارهما السياسيون في موقف المساءلة، توضع إيران، كدولة تعرضت منشآتها الخاضعة للضمانات للهجوم، في موقع الاتهام. هذا المنظور لا يساعد على حل الخلافات التنظيمية، بل ينقل إلى طهران رسالة مفادها أنه حتى التعاون الواسع والطويل الأمد مع الوكالة لا يمكن أن يمنع الاستخدام السياسي للآليات الفنية.

لهذا السبب، لا يمكن اعتبار القرار الجديد مجرد نص تنظيمي. هذا المستند هو في الواقع استمرار للمسار الذي تُستخدم فيه اللغة الفنية لتغطية الأهداف السياسية. عندما تتجاهل الوكالة مصدر الأزمة وتطالب إيران وحدها، فإنها عملاً بدلاً من لعب دور محايد، تلعب في ملعب داعمي الضغط؛ وهو مسار لن تكون نتيجته شفافية أكبر، بل تعميق انعدام الثقة وتصعيب التعاون المستقبلي بين إيران والوكالة.

أزمة مصداقية الوكالة؛ مؤسسة احترافية أم أداة ضغط غربية؟

يجب أن تكون الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأصل مؤسسة فنية ومستقلة وتعتمد على معايير تنظيمية واضحة. تظل مصداقية مثل هذه المؤسسة محفوظة إذا تعاملت مع جميع الأعضاء بمعيار واحد وأبقت قراراتها بعيدة عن الضغوط السياسية.

مع ذلك، فإن سلوك مجلس الحكام في القضية الإيرانية الأخيرة قد أبرز تساؤلاً ملحاً: هل لا تزال الوكالة تعتمد على مهمتها الاحترافية أم أنها تتحرك تحت ضغط عدد قليل من القوى الغربية؟

يشير صمت الوكالة أو تجاهلها للهجمات العدوانية على المنشآت النووية السلمية الخاضعة للضمانات في إيران، إلى نقطة الضعف الأكبر في مصداقية هذه المؤسسة. عندما تتعرض منشأة تخضع لإشراف الوكالة للهجوم، فإن التوقع الطبيعي هو أن تتخذ هذه المؤسسة موقفاً واضحاً على الأقل من منظور السلامة والأمن النووي والحفاظ على نظام الضمانات، لكن مجلس الحكام، بدلاً من التركيز على هذا الانتهاك الصارخ، وجه الضغط مرة أخرى نحو إيران، وهذا السلوك زاد من الشكوك حول استقلالية الوكالة.

هذا الوضع لا يعكس فقط خلافاً سياسياً بين إيران وبعض الدول الغربية. القضية الأهم هي أن الاستخدام الأدواتي للوكالة يستنزف ثقة الدول الأعضاء في الآليات الفنية والقانونية لهذه المؤسسة.

إذا شعرت دولة ما، حتى بعد استهداف منشآتها الخاضعة للضمانات، أنها تواجه ضغوطاً سياسية بدلاً من الدعم القانوني والفني، فمن الطبيعي أن تتغير نظرتها للتعاون مع الوكالة. ولهذا السبب، فإن القرار الأخير، أكثر مما استهدف مصداقية إيران، كشف عن فجوة في مصداقية مؤسسة كان من المفترض أن تكون حكمًا فنيًا محايدًا.

الدبلوماسية تحت وطأة الضغط؛ ما هو رد إيران؟

إن تصويت مجلس الحكام على القرار الجديد، على الرغم من أنه لا يعني الإحالة الفورية للقضية الإيرانية إلى مجلس الأمن، إلا أنه يمكن سياسياً أن يخلق نقطة ضغط جديدة في مسار تفاعل طهران مع الوكالة. تكمن أهمية هذا القرار في أنه يربط الفضاء الفني بين إيران والوكالة، أكثر من أي وقت مضى، بالحسابات السياسية للولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث، ويقلل من إمكانية إدارة الخلافات عبر المسار الهادئ والقانوني والتنظيمي.

من وجهة نظر طهران، فإن القضية الرئيسية هي أن الغرب يحاول إعادة تعريف تداعيات الهجمات العدوانية على المنشآت النووية الخاضعة للضمانات في إيران، وكأن إيران مسؤولة عن الوضع الحالي، وليس الدول التي عطّلت بجرائمها العسكرية ظروف التعاون التنظيمي العادية.

تستند المواقف الرسمية الإيرانية أيضاً إلى هذا التصور؛ فقد اعتبر ممثلية الجمهورية الإسلامية الإيرانية في فيينا القرار سياسياً وفارغاً من المهنية المتوقعة من مؤسسة فنية، وأكدت أن الحديث عن الدبلوماسية لا معنى له بدون الحد الأدنى من حسن النية.

وقد حمّل ممثل إيران الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، رضا نجفي، واضعي القرار مسؤولية تداعياته، مؤكداً أن إيران، مع التزامها بتعهداتها الدولية، لن تتردد في الدفاع عن سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية وحقوقها الأصيلة.

على المستوى الاستراتيجي، يمكن أن يكون رد إيران متعدد الطبقات؛ بدءاً من الاحتجاج الرسمي وخفض مستوى بعض التعاونات التي تتجاوز الالتزامات التنظيمية، وصولاً إلى مراجعة طريقة الوصول، والإدارة الدقيقة للمعلومات التنظيمية السرية، وتقييد التعاونات التي تعتبرها طهران طوعية أو لبناء الثقة، بالإضافة إلى زيادة الضغط الدبلوماسي على الوكالة لتحديد مسؤولية الهجمات على المنشآت الخاضعة للضمانات.

كما قد تقوم إيران، في إطار حقوقها، بتفعيل جزء من قدراتها النووية السلمية كأداة موازنة في مواجهة الضغط السياسي الغربي؛ وهو إجراء لا يهدف إلى الخروج عن إطار الالتزامات، بل إلى منع تحويل التعاون مع الوكالة إلى أداة ضغط أحادي الجانب.

من هذا المنظور، فإن قرار مجلس الحكام، أكثر من كونه طريقاً لحل الخلافات، يزيد من خطر استنزاف الثقة بين إيران والوكالة. عندما لا تتخذ مؤسسة يجب أن تكون حافظة للمعايير الفنية والحياد التنظيمي موقفاً واضحاً في مواجهة الهجمات العدوانية على المنشآت الخاضعة لإشرافها، وفي الوقت نفسه تطالب إيران بلغة الضغط، فمن الطبيعي أن تتعرض مصداقيتها المهنية للتشكيك.

لذلك، فإن الرسالة الأساسية لهذا القرار ليست تعزيز الدبلوماسية، بل التحذير من مسار يمكن فيه للسياسة أن تحل محل الحوار الفني، وأن تستنزف الثقة المتبقية، وأن تحمل مسؤولية تداعيات المواجهة على عاتق الدول التي تسعى إلى تغيير موقع المعتدي والضحية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى