إيران تفرض إرادتها في غرب آسيا.. دول عربية ترحب بالتفاهم الأمريكي الإيراني على وقع غضب تل أبيب
![[object Object] /إيران , الولايات المتحدة , غرب آسيا , النظام الصهيوني , دول عربية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-f914ccec0eef3d47b4efc7e4acc2fe40d0fa4e4017480a11e921eadda3cc46ee.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التفاهم الأخير بين إيران والولايات المتحدة، والذي شغل عناوين الصحافة المحلية والدولية مؤخراً، لا يمثل مجرد توقف مؤقت في مسار التوترات الأخيرة، بل يجب اعتباره مؤشراً على تغيير في موازين القوى بغرب آسيا.
في حين يراقب النظام الصهيوني هذا التطور بغضب وقلق، استقبلت العديد من الدول العربية في المنطقة هذا الاتفاق بالترحيب؛ ليس لانتهاء خلافاتها مع طهران، بل لإدراكها أن أي ترتيبات مستدامة للأمن في الخليج الفارسي، والملاحة في مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، واحتواء الأزمات الإقليمية، لا يمكن أن تتحقق دون دور فاعل لإيران.
من هذا المنطلق، فإن ترحيب الحكومات العربية بوقف إطلاق النار والتفاهم بين إيران والولايات المتحدة، يعكس اعترافاً سياسياً بموقف طهران الراسخ، أكثر من كونه مؤشراً على تأييد واشنطن. لقد نجحت إيران في هذا المسار، بخلاف رغبة النظام الإسرائيلي، في فرض نفسها ليس كموضوع للضغط والإقصاء، بل كطرف رئيسي في تنظيم المعادلات الأمنية والاقتصادية للمنطقة؛ وهي حقيقة اضطر منافسوها العرب، رغم حذرهم، إلى قبولها.
وتشير النقاط التالية إلى بعض الأسباب التي دفعت دول الخليج الفارسي العربية إلى الترحيب بوقف إطلاق النار والتفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران:
1. اختلاف الحسابات العربية والصهيونية: أمن المنطقة مقابل حرب لا تنتهي
يجب فهم ترحيب الدول العربية بالتفاهم الإيراني الأمريكي من زاوية الاختلاف الجذري في حساباتها مقارنة بالنظام الصهيوني. ترى إسرائيل في هذا الاتفاق عقبة أمام مشروعها لتقويض إيران، لأن وقف الحرب وبدء العملية السياسية يحد من يد تل أبيب في مواصلة ممارساتها التعطيلية وتجاوزاتها العسكرية والأمنية.
لكن الحكومات العربية في المنطقة، وخاصة دول الخليج الفارسي، تنظر إلى الأزمة من منظور مختلف؛ فبالنسبة لها، الحرب المباشرة بين إيران والولايات المتحدة تعني تهديد الموانئ، والمصافي، وخطوط الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستثمارات الأجنبية، والاستقرار الداخلي. لذلك، بخلاف النظام الصهيوني الذي يرى في استمرار التوتر والأزمة أداة لاحتواء إيران، أدركت الدول العربية أن استمرار الأزمة لا يلغي إيران فحسب، بل يدخل المنطقة بأكملها في دوامة من انعدام الأمن يتحمل عبئها الأكبر الحكومات العربية نفسها.
2. هرمز: بوابة تحويل قوة إيران إلى واقع جيوسياسي
مضيق هرمز في هذا الاتفاق ليس مجرد بند فني يتعلق بالملاحة، بل هو رمز للقوة الجيوسياسية الإيرانية. يمر جزء كبير من نفط العالم وغازه والتجارة البحرية وأمن الطاقة عبر هذا الممر الذي تملك إيران فيه قدرة على التأثير المباشر.
هذه الحقيقة دفعت الدول العربية، حتى تلك التي سعت خلال السنوات الماضية إلى الحد من دور طهران، إلى اتخاذ موقف إيجابي تجاه التفاهم الأخير؛ لأن إعادة فتح مسارات الملاحة وتخفيف التوتر في هرمز لا يمكن أن يتم دون وجود ورضا إيران. في الواقع، أظهر هرمز أن قوة إيران لا تقتصر على المجال العسكري أو السياسي، بل تقع في نقطة التقاء الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي؛ وهو مكان لا بد لأي اتفاق مستدام فيه من الاعتراف بدور طهران.
3. قبول واقع إيران بعد فشل سياسات الإقصاء أو الاحتواء
سعت الدول العربية خلال السنوات الماضية، بالاعتماد على الدعم الأمريكي، والقرب الأمني من النظام الصهيوني، والضغط الدبلوماسي، إلى الحد من دور إيران في المعادلات الإقليمية، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن سياسة إقصاء أو احتواء طهران بالكامل قد فشلت.
لم تخرج إيران من المعادلات فحسب، بل أصبحت في لحظة الأزمة أحد الأطراف الرئيسية في تنظيم وقف إطلاق النار، وأمن هرمز، ومستقبل لبنان، وأسواق الطاقة، ومسار المفاوضات مع الولايات المتحدة. من هذا المنطلق، لا ينبغي اعتبار ترحيب العرب بالاتفاق دليلاً على الثقة الكاملة بإيران، بل يجب اعتباره اعترافاً عملياً بواقع استراتيجي، وهو أن أي بنية أمنية مستدامة في الخليج الفارسي وغرب آسيا لا يمكن تصميمها بدون إيران. وهذا هو بالضبط المكان الذي تمكنت فيه طهران من الارتقاء بموقفها من موضوع للضغط إلى طرف محدد للمعادلة.
4. الاقتصادات العربية وضرورة إنهاء الحرب
تستند المشاريع الاقتصادية الضخمة للسعودية والإمارات وقطر وغيرها من الدول العربية على فرضية مشتركة هي “الاستقرار الإقليمي”. رؤية 2030 للسعودية، ودور دبي وأبو ظبي في التمويل والتجارة العالمية، وصادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، ومسارات الطيران، والموانئ، والسياحة، وجذب الاستثمار الأجنبي، كلها تتعارض مع الحرب الطويلة وانعدام الأمن البحري. لهذا السبب، لم يكن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة مجرد تطور دبلوماسي للحكومات العربية، بل كان نوعاً من التأمين السياسي لمستقبلها الاقتصادي.
كما أظهر انخفاض أسعار النفط بعد الإعلان عن الاتفاق أن السوق العالمية قيمت هذا التفاهم كتقليل لمخاطر الحرب وعودة نسبية للنظام الاقتصادي. في ظل هذه الظروف، اضطرت الدول العربية للاختيار بين التوافق مع غضب إسرائيل وحماية مصالحها الاقتصادية؛ وكان خيارها هو الترحيب بالاتفاق وقبول دور إيران في استقرار المنطقة.
5. نهاية احتكار النظام الصهيوني لتعريف التهديد الإقليمي
من أهم رسائل التفاهم الأخير هي أن الدول العربية لم تقبل بأن تكون حساباتها الأمنية تابعة بالكامل لرؤية النظام الصهيوني. تسعى تل أبيب إلى تصوير إيران كتهديد مطلق ولا يمكن استئصاله عبر الضغط الدائم، لكن الحكومات العربية تعلم الآن أكثر من أي وقت مضى أن تحويل المنطقة إلى ساحة حرب دائمة لا يصب في مصلحة اقتصادها وأمنها القومي.
قد تكون لديهم مخاوف بشأن النفوذ الإيراني الإقليمي، لكن هذه المخاوف لا تعني بالضرورة التوافق مع استراتيجية النظام الصهيوني القائمة على الحرب. أظهر ترحيب العرب بالاتفاق أن النظام الإقليمي الجديد لم يعد بإمكانه أن يتشكل حصرياً وفقاً لرغبات تل أبيب، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار ملاحظات الدول العربية، واحتياجات الخليج الفارسي الاقتصادية، ومكانة إيران الراسخة.
6. لبنان ومحور المقاومة: قلق إسرائيلي وحسابات عربية مختلفة
البنود المتعلقة بوقف الاشتباكات في لبنان وتهدئة الجبهات الإقليمية حساسة جداً بالنسبة للنظام الإسرائيلي، لأنه يرى فيها تقييداً لحريته في العمل ضد حزب الله ومحور المقاومة. لكن بالنسبة للعديد من الدول العربية، فإن اتساع نطاق الحرب من لبنان إلى الخليج الفارسي، أو تحولها إلى معركة استنزاف بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يمثل كابوساً أمنياً.
من وجهة نظرهم، حتى لو كانت لديهم خلافات مع بعض سياسات إيران الإقليمية، فإن وقف الاشتباكات ودخول طهران في عملية تفاهم أفضل من استمرار إشعال الحرائق الذي قد يزعزع استقرار العراق وسوريا ولبنان واليمن وممرات الطاقة في وقت واحد. لهذا السبب، أظهر الاتفاق الأخير مرة أخرى أن إيران ليست لاعباً في الخليج الفارسي فحسب، بل في ملفات شرق المتوسط وأمن الشام أيضاً، وأن إقصاءها عن المعادلة غير ممكن.
7. دور الوسطاء: عودة المنطقة إلى الدبلوماسية التي تتمحور حول قبول إيران
أظهر ترحيب قطر والسعودية، ودور عمان، وتحرك الوسطاء الإقليميين الآخرين أن الدول العربية تريد الخروج من حافة الأزمة والمشاركة في تشكيل النظام ما بعد الحرب. النقطة المهمة هي أن هذه المشاركة قد تمت في إطار الحوار مع إيران، وليس في إطار إقصائها.
أصبح الوساطة الإقليمية ممكنة عندما قبلت الأطراف العربية أن تكون طهران في مركز المحادثات، وليس خارجها. وهذا التحول يمثل إنجازاً استراتيجياً لإيران، لأن المسار الدبلوماسي الجديد، بدلاً من أن يجعل إيران موضوعاً للضغط الجماعي، قد حولها إلى طرف رئيسي في التفاهم وتنظيم الاستقرار الإقليمي. بعبارة أخرى، اضطرت الدبلوماسية العربية بعد الأزمة الأخيرة إلى المرور عبر مسار الواقعية، وهي الواقعية التي تعترف بمكانة إيران.
8. فشل بناء نظام ضد إيران: قبول مقعد إيران على طاولة النظام الإقليمي الجديد
أظهر التفاهم الأخير بين إيران والولايات المتحدة أن مشروع تصميم النظام الإقليمي الذي يتمحور حول الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي وبعض الدول العربية، ولكنه يستبعد إيران، قد وصل إلى طريق مسدود. لو كانت إيران مجرد لاعب منعزل ويمكن إقصاؤه، لما ارتبط وقف إطلاق النار، وهرمز، والنفط، ولبنان، والأمن البحري، والمفاوضات النهائية باتفاق مباشر مع طهران.
لكن الواقع كان عكس ذلك، واضطرت الولايات المتحدة إلى الدخول في إطار تفاهم مع إيران، ورحبت به الحكومات العربية، لأنها أدركت أن إقصاء طهران غير ممكن وغير قليل التكلفة. من هذا المنطلق، فإن ترحيب العرب بالاتفاق هو نوع من قبول مقعد إيران على طاولة النظام الإقليمي الجديد؛ وهو نظام ربما لم يتم الانتهاء منه بعد، ولكنه لم يعد من الممكن كتابته مع تجاهل قوة إيران.
خاتمة
لا ينبغي البحث عن الانتصار الرئيسي لإيران في هذا التفاهم فقط في البنود الاقتصادية أو النفطية أو الأمنية للنص، بل يجب رؤيته على مستوى أعلى، وهو تثبيت مكانة إيران كقوة لا يمكن حل أي أزمة كبرى في غرب آسيا بدونها. يشعر النظام الصهيوني بالحنق من هذا التطور لأنه يوقف مسار الضغط الأقصى والسعي لإقصاء دور إيران.
لكن الدول العربية رحبت به لأنها أدركت أن تكلفة تجاهل إيران تفوق تكلفة التعامل مع طهران. لذلك، فإن التفاهم الحالي، أكثر من كونه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، هو مؤشر على تغيير في الموازين؛ موازين استطاعت فيها إيران أن تجبر منافسيها الإقليميين واللاعب الرئيسي من خارج المنطقة على الاعتراف بدور طهران في أمن الخليج الفارسي، واستقرار الطاقة، ومستقبل المنطقة السياسي.
