أمريكا في ‘لحظة السويس’.. هل الحرب الإيرانية بداية تراجع الهيمنة الأمريكية؟
![[object Object] /أمريكا , إيران , الهيمنة الأمريكية , الدولار , أزمة السويس](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-8f5c46f83d48e3d70b86fa07a06828b47e0f4e6e5445b365c21743d617612386.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، في الأيام الأخيرة، أصبح مصطلح “لحظة السويس الأمريكية” أحد أكثر المفاهيم تداولاً في وسائل الإعلام والمحافل التحليلية الغربية. يعتقد عدد من المحللين أن نتائج الحرب الإيرانية الأمريكية، بغض النظر عن نتيجتها العسكرية، قد تترك نفس الأثر على المكانة العالمية لواشنطن كما تركته أزمة السويس عام 1956 على الإمبراطورية البريطانية.
لفهم هذه المقارنة، يجب العودة أولاً إلى أزمة السويس. في عام 1956، بعد تأميم قناة السويس من قبل جمال عبد الناصر، غزت بريطانيا وفرنسا مصر بمشاركة إسرائيل. كان هدفهم استعادة السيطرة على القناة والحفاظ على مكانة القوى الاستعمارية الأوروبية. لكن على عكس توقعات لندن وباريس، لم تدعم الولايات المتحدة هذه العملية.
لحظة السويس لحلف الناتو
في تحليل بقلم هارولد جيمس، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، كتب مشروع Syndicate أن أزمة السويس كانت النقطة التي أدرك فيها العالم أن بريطانيا لم تعد قادرة على إدارة النظام الدولي بشكل مستقل عن واشنطن. أجبرت الضغوط المالية الأمريكية والتهديد ضد الجنيه الإسترليني لندن في النهاية على التراجع، ومنذ ذلك الحين أصبح مصطلح “لحظة السويس” رمزًا لبداية تراجع قوة عالمية.
اليوم، يعتقد بعض المحللين الغربيين أن واشنطن نفسها تواجه تجربة مماثلة. جادلت مجلة The Spectator في تقرير بعنوان “لحظة السويس لحلف الناتو” بأن الحرب مع إيران كشفت الفجوة بين القدرة الحقيقية للولايات المتحدة والصورة التي تقدمها عن قوتها. وفقًا لمؤلفي التقرير، تمامًا كما كشفت أزمة السويس عن قيود بريطانيا، فإن المواجهة مع إيران قد تكشف عن قيود الهيمنة الأمريكية.
في البعد الاقتصادي، هناك مؤشرات مهمة. يعتقد نيكولاس نئوس، محلل الشؤون الجيوسياسية والمالية، أن نسبة الدين العام الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي قد وصلت إلى مستويات تذكر بوضع القوى المتراجعة. وحذر من أنه لأول مرة منذ عقود، تجاوزت تكاليف خدمة ديون الحكومة الأمريكية ميزانية الدفاع في البلاد؛ وهو وضع يثير الشكوك حول قدرة واشنطن على الحفاظ على دورها العالمي.
تكمن أهمية هذه المسألة في أن العديد من الإمبراطوريات قد تآكلت ماليًا قبل هزيمتها العسكرية. واجهت بريطانيا أيضًا مشاكل اقتصادية واسعة النطاق قبل أزمة السويس، وهذا قلل من قدرتها على المقاومة ضد الضغوط الأمريكية.
تآكل الثقة العالمية بالدولار
يعتقد لوك جروهمان، استراتيجي أسواق مالية معروف، أن المعركة الرئيسية بين إيران والولايات المتحدة لا تحدث بالضرورة في الميدان العسكري. ويؤكد في تحليلاته أن القوة الحقيقية للولايات المتحدة تستند إلى مصداقية الدولار وسوق ديونها. من وجهة نظر جروهمان، إذا لم تستطع واشنطن ضمان أمن ممرات الطاقة الحيوية، فإن الثقة العالمية بالدولار ستتآكل تدريجيًا، وسيكون هذا ضربة أكبر بكثير من أي هزيمة عسكرية.
في هذا السياق، حذر راي داليو، مؤسس شركة Bridgewater وأحد أشهر المستثمرين في العالم، من أن التوترات في مضيق هرمز يمكن أن تتحول إلى “لحظة سويس للدولار”. يعتقد داليو أن مكانة العملات العالمية تعتمد في المقام الأول على الثقة الدولية، وأن أي شكوك حول قدرة الولايات المتحدة على حماية شرايين الطاقة العالمية يمكن أن تسرع من وتيرة ابتعاد الدول عن الدولار.
في البعد العسكري أيضًا، يتحدث بعض المحللين عن القيود المتزايدة على الولايات المتحدة. كتبت صحيفة Middle East Eye في تقرير بقلم شون ماثيوز أن واشنطن اضطرت إلى نقل جزء من أنظمتها الدفاعية المتقدمة وقواتها من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط لمواجهة التهديدات الناجمة عن الحرب مع إيران. وفقًا لهذا المحلل، فإن مثل هذا الإجراء يدل على أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إظهار القوة في مناطق متعددة من العالم في وقت واحد كما كانت في العقود الماضية.
هذا التقييم يشبه إلى حد كبير وضع بريطانيا بعد أزمة السويس؛ عندما اضطرت لندن تدريجيًا إلى تقليل وجودها العسكري الواسع في شرق السويس ومناطق أخرى من العالم.
علامة أخرى هي سلوك حلفاء الولايات المتحدة. عبر التاريخ، غالبًا ما يصاحب تراجع القوى العظمى زيادة في استقلال حلفائها. تظهر التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الغربية أن بعض الدول الأوروبية والآسيوية فضلت خلال الأزمة الأخيرة التفاوض مباشرة مع إيران بشأن أمن الطاقة والملاحة، ولم تنتظر مبادرة واشنطن. يعتبر بعض المحللين هذا الاتجاه مؤشرًا على انخفاض ثقة الحلفاء في قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الدولية.
من ناحية أخرى، أفادت شبكة CBS News أن الحكومة الأمريكية اضطرت في بعض مراحل الأزمة إلى تبني نهج أكثر مرونة تجاه صادرات النفط الإيرانية للسيطرة على أسعار الطاقة في السوق المحلية. على الرغم من وجود وجهات نظر مختلفة حول أبعاد هذه السياسات، إلا أن هذا الأمر يدل على أن تطورات الشرق الأوسط لا تزال قادرة على التأثير بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي المحلي.
الخلاصة
في النهاية، جادلت صحيفة الغارديان في أحد مقالاتها بأن المشكلة الرئيسية ليست فقط نتيجة حرب أو أزمة، بل التآكل التدريجي لرواية “القوة العظمى التي لا تقهر” الأمريكية. وبحسب الصحيفة، تدخل القوى العظمى مرحلة التراجع عندما لم تعد قادرة على إقناع الآخرين بقدرتها على تشكيل النظام العالمي.
بناءً على ذلك، لا يمكن الجزم حتى الآن بأن الحرب الإيرانية الأمريكية كانت “لحظة السويس” لواشنطن؛ لكن لا شك أن هذا الصراع أثار نقاشًا جادًا في الأوساط الفكرية الغربية حول قيود القوة الأمريكية، ومستقبل الدولار، واستمرارية هيمنة هذه الدولة؛ نقاش قد يستمر لسنوات وتتضح آثاره تدريجيًا على النظام الدولي.
