موج حرارية حصدت أرواحاً في فرنسا: المستشفيات والملاجئ امتلأت بالجثث
![[object Object] /فرنسا , موجة حر , وفيات , كبار السن , تغير المناخ](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-99eeb393cb18a8de81a91adc6ab3d472cca3ced5b18352da085b7f06583d37b8.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، شهدت فرنسا موجة حر شديدة تجاوزت فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية في العديد من المناطق، وسجلت درجات حرارة ليلية قياسية، مما حول الأزمة إلى مأساة إنسانية. وتشير التقديرات الأولية للهيئة الوطنية للصحة العامة الفرنسية إلى تسجيل ما لا يقل عن ألف وفاة إضافية على المعدل الطبيعي خلال ثلاثة أيام فقط، وهو رقم من المتوقع أن يرتفع مع اكتمال شهادات الوفاة، لا سيما في المنازل ودور رعاية المسنين.
ووفقاً لتقرير يورونيوز، بلغت شدة الوفيات حد امتلاء مشارح باريس، وتواجه شركات خدمات الدفن نقصاً خطيراً في المساحات المخصصة لحفظ الجثث. وقد تم نقل بعض الجثث إلى مشارح في مدن مثل شارتر ومناطق أخرى حول العاصمة، وحتى السعات المؤقتة التي أنشأتها البلدية والمستشفيات لم تتمكن من تخفيف الضغط الحالي بالكامل.
يثير هذا الوضع تساؤلاً جدياً حول سبب مواجهة دولة متقدمة مثل فرنسا، رغم تجربتها المأساوية مع موجة الحر في عام 2003، مرة أخرى مثل هذا العدد من الوفيات والاضطرابات في البنية التحتية جراء الحرارة الشديدة؟
من الليالي الحارقة إلى بنى تحتية غير كافية: عوامل أدت إلى فتك موجة الحر
لا يمكن تفسير الوفيات الواسعة النطاق لموجة الحر الحالية في فرنسا بالوصول إلى 40 درجة مئوية فقط. ففي العديد من دول العالم، تتجاوز درجات الحرارة هذا الرقم، ولكن حجم الخسائر البشرية يعتمد بشكل كبير على شدة الحرارة، ومدتها، وظروف الليل، والتركيبة السكانية، وجودة المباني، ومدى استعداد النظام الصحي والاجتماعي. وتعد أزمة فرنسا نتيجة تزامن عوامل مناخية وسكانية وبنيوية متعددة.
أ) استمرار الحرارة والليالي الحارة جداً: أدى ارتفاع درجات الحرارة لعدة ليال متتالية إلى حرمان الجسم من فرصة التعافي. يضع هذا الوضع ضغطاً مستمراً على القلب والكلى والجهاز التنفسي، وهو أخطر بالنسبة لكبار السن والمرضى المزمنين من يوم منفرد بدرجة حرارة أعلى.
ب) شيخوخة السكان والأمراض المزمنة: 85% من الوفيات المسجلة كانت لأشخاص فوق سن 65 عاماً. إن انخفاض قدرة الجسم على تنظيم درجة الحرارة، والشعور الأقل بالعطش، وأمراض القلب والجهاز التنفسي، وتناول بعض الأدوية، تجعل كبار السن أكثر عرضة للجفاف وفشل الكلى والسكتات الدماغية وضربات الشمس.
ج) العزلة وضعف شبكة الرعاية الاجتماعية: توفي العديد من الضحايا في منازلهم في عزلة تامة. قد لا يتمكن المسن الذي يعيش وحيداً من تأمين الماء، أو الوصول إلى مكان بارد، أو طلب المساعدة. وبالتالي، فإن غياب الزيارات المنتظمة من قبل العائلة والجيران والخدمات الاجتماعية يمكن أن يحول وضعاً يمكن السيطرة عليه إلى الموت.
د) المباني غير المتناسبة مع الحرارة الشديدة: تم بناء جزء كبير من المنازل في فرنسا للحفاظ على الدفء في الشتاء، وليس لطرد الحرارة في الصيف. أدت الشقق المكتظة، والطوابق العلوية، والعليات، والتهوية المحدودة، وامتصاص الحرارة من قبل الجدران إلى بقاء بعض المنازل دافئة وخطيرة حتى بعد غروب الشمس.
هـ) محدودية الوصول إلى التبريد: لا تمتلك معظم المنازل والمدارس في فرنسا مكيفات هواء، كما أن تبريد المستشفيات ودور رعاية المسنين ليس كاملاً في جميع الأقسام. أدى التركيز التقليدي على العزل والقلق بشأن استهلاك الكهرباء وآثار المكيفات البيئية إلى الحد من انتشار أنظمة التبريد، في حين كشفت الحرارة الجديدة عن الحاجة إلى التبريد المستهدف في المراكز الحساسة.
و) الجزيرة الحرارية في باريس: يمتص الأسفلت والخرسانة وكثافة المباني ونقص الظل حرارة النهار ويطلقونها ليلاً. نتيجة لذلك، لا تنخفض درجات الحرارة في بعض أحياء باريس بما يكفي ليلاً، ويبقى سكان المنازل الصغيرة وغير المجهزة بالتهوية معرضين لضغوط الحرارة لساعات طويلة.
ز) عدم كفاية الاستعدادات البنيوية: أظهر امتلاء مشارح باريس ونقل الجثث إلى المدن المجاورة أن القدرة الطارئة لم تكن متناسبة مع الزيادة المفاجئة في الوفيات. هذه المسألة ليست سبباً للوفيات، ولكنها مؤشر واضح على الفجوة بين التحذيرات الرسمية والاستعدادات العملية للمستشفيات وخدمات الدفن والإدارة الحضرية.
ح) فشل التحذير بدون دعم عملي: لا يمكن لجميع الأشخاص تطبيق توصيات مثل البقاء في المنزل وشرب الماء وتقليل النشاط. المنزل بدون تهوية، أو بيئة العمل في الهواء الطلق، أو عدم قدرة المسن على تلبية احتياجاته اليومية، يجعل تحذير الأرصاد الجوية محدود الأثر بدون مراكز تبريد، وزيارات ميدانية، ودعم اجتماعي.
بشكل عام، لم تكن موجة الحر في فرنسا قاتلة بسبب درجات الحرارة البالغة 40 درجة مئوية فحسب، بل بسبب تلاقي الحرارة المستمرة مع الشيخوخة، والعزلة، والبيئة الحضرية غير الملائمة، ونقص التبريد، وعدم كفاية الاستعدادات.
لماذا كانت وفيات فرنسا أكثر من دول أوروبا الأكثر حرارة؟
شملت موجة الحر الأخيرة جزءاً كبيراً من أوروبا، ووصلت درجات الحرارة في دول مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان إلى 40 درجة مئوية أو أعلى في العديد من المناطق.
في مناطق من إسبانيا، وصلت درجات الحرارة حتى إلى حوالي 44 درجة مئوية. ومع ذلك، بلغت الوفيات الأولية المرتبطة بالحرارة في إسبانيا 327 حالة، مقارنة بحوالي ألف وفاة إضافية في فرنسا. وعلى الرغم من أن طريقة حساب الرقمين ليست متطابقة، فإن هذا الاختلاف يشير إلى أن ارتفاع درجة الحرارة لا يؤدي بالضرورة إلى المزيد من الوفيات، وأن جودة الإجراءات الوقائية تلعب دوراً حاسماً.
تنفذ إسبانيا برنامجاً وطنياً لمكافحة الحرارة منذ عام 2004، وقسمت البلاد إلى 182 منطقة صحية-جوية. لكل منطقة، يتم إصدار تحذير بناءً على درجة حرارة مرتبطة بزيادة فعلية في الوفيات في تلك المنطقة، وليس مجرد حد ثابت في جميع أنحاء البلاد. التنبؤات لمدة ثلاثة أيام، والمراقبة اليومية للوفيات، والتنسيق مع الخدمات الاجتماعية، يتيح التعرف على كبار السن والمرضى المزمنين والأشخاص الوحيدين قبل وصول موجة الحر.
تمتلك إيطاليا أيضاً نظام إنذار لمدة ثلاثة أيام في 27 مدينة كبيرة، وأثينا، بالإضافة إلى فتح مساحات عامة باردة، عينت مسؤولاً خاصاً لمكافحة الحرارة.
ربطت هذه الدول تحذيرات الأرصاد الجوية بإجراءات مثل الاتصال بالأشخاص المعرضين للخطر، وتأهب المراكز العلاجية، وتغيير ساعات العمل، وتوجيه الناس إلى مناطق آمنة. ميزتهم الرئيسية ليست الحصانة ضد الحرارة، بل التحويل الأسرع للتنبؤات الجوية إلى تدخلات محلية وموجهة.
أنشأت فرنسا أيضاً خطط إنذار ورعاية بعد كارثة عام 2003، لكن الأزمة الأخيرة أظهرت أن الحلقة التنفيذية لهذا النظام لا تزال ضعيفة. يشير الارتفاع بنسبة 40% تقريباً في الوفيات في المنازل ووفاة عدد كبير من كبار السن الوحيدين إلى أن الاتصال والزيارات ونقل الأفراد المعرضين للخطر لم تتم على النطاق المطلوب. لذلك، يجب البحث عن الفرق الرئيسي في الفجوة بين «الإعلان عن التحذير» و «تقديم المساعدة العملية للأشخاص المعرضين للخطر».
دروس 2003 وآفاق مستقبلية: ما الذي يجب على فرنسا فعله؟
خلفت موجة الحر في عام 2003، التي أسفرت عن حوالي 15 ألف ضحية في فرنسا، مراجعة واسعة النطاق لنظام الإنذار ورعاية المسنين وتأهيل المراكز العلاجية. ومع ذلك، أظهرت الأزمة الأخيرة أن جزءاً من تلك الإصلاحات قد ضعفت بمرور الوقت، أو أنها غير كافية للظروف المناخية الجديدة.
يشير امتلاء المشارح، ووفاة عدد كبير من كبار السن في منازلهم، ونقص أماكن التبريد إلى أن تجربة عام 2003 لم تتحول بعد إلى نظام مستقر وعملي بالكامل لمواجهة موجات الحر الشديدة.
من وجهة نظر الخبراء، يجب على فرنسا على المدى القصير، تجاوز مجرد التوصيات العامة لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر. وإنشاء قائمة دقيقة لكبار السن والأشخاص الوحيدين، والاتصال اليومي بهم وزياراتهم، ونقل الأفراد المعرضين للخطر إلى مراكز تبريد، وتعزيز قدرات المستشفيات ودور رعاية المسنين والمشارح، وتقييد العمل في الهواء الطلق خلال ساعات الذروة الحرارية، هي إجراءات يمكن أن تقلل الوفيات بشكل مباشر. يكون تحذير الأرصاد الجوية فعالاً عندما يؤدي إلى تدخل ميداني ودعم حقيقي.
على المدى المتوسط، يجب أن تتكيف المباني والمدن الفرنسية مع واقع الصيف الأكثر حرارة. يمكن أن يؤدي التركيب المستهدف لأنظمة التبريد في المستشفيات والمدارس ودور رعاية المسنين، إلى جانب العزل المناسب، والمظلات، والتهوية الطبيعية، والأسطح الباردة، وتوسيع المساحات الخضراء، إلى تقليل الاعتماد على مكيفات الهواء مع حماية الأرواح في الوقت نفسه. يجب أن يتجاوز النقاش السياسي حول تكييف الهواء الثنائية البسيطة «مكيف الهواء أو البيئة» إلى التبريد المستهدف، منخفض الاستهلاك، والعادل.
على المدى الطويل، ستضطر فرنسا إلى اعتبار موجة الحر ليست حادثاً استثنائياً، بل جزءاً من مناخها المستقبلي. إن إصلاح معايير البناء، وإعادة تصميم الأحياء المكتظة، وزيادة مرونة شبكة الكهرباء، وتخصيص ميزانية دائمة للتكيف المناخي، كلها أمور ضرورية.
السؤال الرئيسي بعد هذه الأزمة هو ما إذا كانت الحكومة الفرنسية ستكتفي بالإجراءات المؤقتة مرة أخرى، أم أنها ستستخدم هذه المرة تجربة عام 2003 وأزمة عام 2026 لإعادة بناء نظامها الصحي ومدنها وسياساتها الداعمة بشكل حقيقي؟
