قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

الکيان الصهيوني يقرّ اعتبار ‘محرقة الأرمن’.. دوافع سياسية خلف القرار

أقرّ کابينته رسمياً اعتبار أحداث عام 1915 في عهد الإمبراطورية العثمانية ‘إبادة جماعية للأرمن’، بعد سنوات من التردد بسبب اعتبارات سياسية وعلاقات مع أنقرة، في خطوة تثير تساؤلات حول دوافعها وتداعياتها.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، صادق کابينته في جلسته الأسبوعية، يوم الأحد 7 تیر/ 28 يونيو، على اقتراح وزير خارجية الکيان الصهيوني، غيديون ساعر، بالاعتراف الرسمي بأحداث عام 1915 في عهد الإمبراطورية العثمانية “إبادة جماعية للأرمن”؛ ونص القرار أيضاً على إدانة أي إنكار أو تقليل أو تحريف لهذه الأحداث.

أعلن ساعر فور انتهاء الاجتماع عن المصادقة على اقتراحه، مشيراً إلى أن القرار سيُرسل إلى الكنيست للتصويت عليه وإقراره في مرحلة لاحقة.

جاء هذا القرار في ظل امتناع الکيان الصهيوني عن الاعتراف الرسمي بهذه الحادثة خلال السنوات الماضية، بسبب اعتبارات تتعلق بعلاقاته مع تركيا وجمهورية أذربيجان، ولم تفلح محاولات مماثلة في الكنيست في السابق.

يتزامن القرار الجديد مع تصاعد التوترات بين تل أبيب وأنقرة، وتزايد انتقادات الحكومة التركية لجرائم الکيان الصهيوني في غزة، وردود الفعل السلبية الفورية من باكو، مما يطرح تساؤلات حول العوامل التي دفعت الکيان الصهيوني إلى تغيير موقفه في هذه المرحلة، وما هي التناقضات التي يحملها هذا التحول مع سياسته السابقة، وما هي تداعياته على العلاقات الإقليمية؟

أسباب ودوافع إسرائيل للاعتراف بإبادة الأرمن

أ. استخدام ملف الأرمن كأداة ضغط ضد تركيا

يعتقد الخبراء أن الدافع الأهم لهذا القرار هو زيادة الضغط السياسي والمعنوي على أنقرة. فالکيان الصهيوني، وإدراكاً منه لحساسية الحكومة والرأي العام التركيين تجاه وصف أحداث 1915 بـ”الإبادة الجماعية”، قد فعّل ملفاً تاريخياً يمكن أن يستهدف مصداقية تركيا الدولية وروايتها الرسمية. وبالتالي، فإن هذا الإجراء لا يعدو كونه أداة في الصراع السياسي الدائر مع أنقرة، أكثر من كونه قراراً أخلاقياً.

ب. رد انتقامي على مواقف أردوغان

جاءت المصادقة على هذا الاقتراح في أعقاب تصاعد الهجمات اللفظية والسياسية من رجب طيب أردوغان ضد بنيامين نتنياهو، وإدانته لأعمال الکيان الصهيوني العدوانية في غزة. تسعى تل أبيب، من خلال طرح قضية الأرمن، إلى إخراج تركيا من موقع الناقد للسلوك الحالي للکيان الصهيوني، ودفعها إلى موقف الدفاع عن أداء الإمبراطورية العثمانية التاريخي.

ج. تحويل انتباه الرأي العام عن غزة

يبرز الکيان الصهيوني قضية إبادة الأرمن في وقت يواجه فيه ضغوطاً دولية شديدة بسبب قتل المدنيين على نطاق واسع والملفات الحقوقية المرتبطة بجرائم غزة. فتفعيل ملف تاريخي ضد تركيا يمهد الطريق لتغيير الأجندة الإعلامية ونقل جزء من الاهتمام من الجرائم الجارية في غزة إلى أحداث وقعت قبل أكثر من قرن.

د. إعادة بناء الوجه الأخلاقي المشوه للکيان الصهيوني

قدم المسؤولون الصهاينة هذا القرار على أنه واجب أخلاقي ودفاع عن الحقيقة التاريخية، وهو ادعاء يتناقض مع صمت تل أبيب لعقود طويلة بشأن هذه الحادثة. يسعى الکيان الصهيوني، بوضعه نفسه في موقع المدافع عن الضحايا والمعارض لإنكار الإبادة الجماعية، إلى استعادة شرعيته الأخلاقية التي فقدها بعد حرب غزة.

هـ. تقليل قيمة العلاقات مع تركيا في حسابات تل أبيب

في الفترات التي كانت فيها العلاقات العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية بين تركيا والکيان الصهيوني في أعلى مستوياتها، كانت تل أبيب تمنع المصادقة على مثل هذه المقترحات. إن انخفاض التعاون الثنائي، ووقف التبادلات التجارية من قبل تركيا، وتصاعد المواجهة الإقليمية، جعلت تكلفة استخدام ملف الأرمن بالنسبة للکيان الصهيوني أقل من ذي قبل.

و. إرسال رسالة تهديد لأنقرة

من وجهة نظر المراقبين، فإن هذا القرار ليس مجرد رد على مواقف تركيا السابقة، بل هو أيضاً تحذير بشأن استمرار الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية من جانب أنقرة. من خلال هذا الإجراء، أظهر الکيان الصهيوني أنه مستعد، في حال استمرار المواجهة، لتحويل أكثر القضايا التاريخية والهوياتية حساسية لتركيا إلى أداة ضغط دبلوماسي ودعائي.

سوابق وتناقضات نهج الکيان الصهيوني تجاه إبادة الأرمن

اتخذ الکيان الصهيوني على مدى العقود الماضية موقفاً مزدوجاً يعتمد على المصلحة بشأن أحداث عام 1915. فقد أيد العديد من المسؤولين والنواب الصهاينة والمؤسسات الداخلية في الكيان مراراً الاعتراف بإبادة الأرمن، لكن الحكومات المتعاقبة امتنعت عن تحويل هذه المواقف إلى سياسة رسمية. وحتى في عام 2016، اعترفت لجنة التعليم والثقافة والرياضة في الكنيست بهذه الحادثة بوصفها إبادة جماعية، لكن هذا الإجراء لم يؤدِ إلى تصويت نهائي في قاعة البرلمان واعتراف رسمي من الحكومة.

كان السبب الرئيسي لهذا التردد ليس الغموض التاريخي، بل اعتبارات سياسية واستراتيجية. فما دامت العلاقات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية لتل أبيب مع أنقرة ذات أهمية، كانت حكومات الکيان الصهيوني تمنع تقدم مقترحات الاعتراف، حرصاً على عدم الإضرار بالعلاقات مع تركيا.

منذ بداية العقد الثاني من الألفية، أصبحت العلاقات الاستراتيجية مع جمهورية أذربيجان، خاصة في مجالات الطاقة والأمن، عاملاً آخر لاستمرار هذا الصمت، واحتلت حساسية باكو تجاه هذه القضية مكانة خاصة في حسابات تل أبيب.

كما كشف سلوك المسؤولين الصهاينة عن هذه الازدواجية. فقد تحدثوا أحياناً في خطاباتهم أو تعليقاتهم الشخصية عن معاناة الأرمن، لكنهم عند اتخاذ قرار رسمي، كانوا يقدمون اعتبارات العلاقات الخارجية على ادعاء المسؤولية الأخلاقية. وحتى تصريحات بنيامين نتنياهو في عام 2025 بشأن الاعتراف بهذه الحادثة، كانت موقفاً شخصياً ولا تعني تغييراً في السياسة الرسمية للحكومة أو المصادقة عليها في الكنيست.

لذلك، فإن قرار الكنيست الحالي، أكثر من كونه نهاية لفراغ أخلاقي، يظهر الطبيعة الأداتية لسياسة الکيان الصهيوني؛ نفس الملف الذي تم تجاهله في فترة العلاقات الجيدة مع تركيا وأذربيجان، تحول الآن في ذروة المواجهة مع أنقرة إلى واجب أخلاقي.

وسيكون الاختبار الحقيقي لهذا الادعاء هو التصديق النهائي في الكنيست والتزام تل أبيب به بعد التغيير المحتمل في العلاقات مع تركيا؛ لأنه في حال تعليق القرار أو التراجع عنه، سيتضح أن الذاكرة التاريخية للأرمن تظل بالنسبة للکيان الصهيوني ليست مبدأ ثابتاً، بل أداة خاضعة للموازنات السياسية.

التداعيات الإقليمية والسيناريوهات المستقبلية

أولى تداعيات هذا القرار هي تفاقم الصدع بين أنقرة وتل أبيب، ونقل الخلافات بين الطرفين من مجال غزة والمنافسات الإقليمية إلى ساحة التاريخ والهوية الوطنية. ترى تركيا في هذا الإجراء ليس موقفاً تاريخياً مستقلاً، بل جزءاً من الحرب السياسية التي يشنها الکيان الصهيوني ضدها، ويمكنها في المقابل زيادة الضغوط الدبلوماسية والإعلامية والقانونية على تل أبيب. وبهذه الطريقة، يتحول ملف الأرمن إلى قضية جديدة في صراع كان سابقاً يركز على حرب غزة، وتطورات سوريا، وتوازن القوى الإقليمي.

كما يضع هذا القرار علاقات الکيان الصهيوني مع جمهورية أذربيجان قيد الاختبار. فقد عارضت باكو، وهي من أقرب حلفاء تركيا وشريكة تل أبيب في الأمن والطاقة، بسرعة القرار وطالبت بمراجعته.

يواجه الکيان الصهيوني الآن تناقضاً واضحاً؛ فمن ناحية، يسعى إلى الضغط على تركيا باستخدام ملف الأرمن، ومن ناحية أخرى، لا يريد المخاطرة بتعاوناته الاستراتيجية مع جمهورية أذربيجان.

في المقابل، قد يوفر هذا القرار ظاهرياً فرصة لتقارب تل أبيب ويريفان، لكن العلاقات الوثيقة للکيان الصهيوني مع باكو ودعمها العسكري لجمهورية أذربيجان، ستمثل عائقاً أمام بناء ثقة مستدامة مع أرمينيا.

علاوة على ذلك، فإن دخول تل أبيب في هذا الملف يمكن أن يزيد من صعوبة مسار التطبيع الهش للعلاقات بين تركيا وأرمينيا؛ لأن إعادة تسييس أحداث 1915، ستجعل الأجواء الداخلية في البلدين أكثر حساسية وتقلل من إمكانية الحوار المباشر.

سيعتمد المصير النهائي لهذا القرار على سلوك الکيان الصهيوني في المرحلة التالية. فإذا تمت المصادقة على القرار في الكنيست وظل قائماً حتى بعد التغيير المحتمل في العلاقات مع تركيا، يمكن الحديث عن تغيير رسمي في سياسة تل أبيب. أما إذا توقف مسار التصديق أو تم تهميش القضية مع انخفاض التوترات، فسيتضح أن معاناة الأرمن التاريخية قد تحولت مرة أخرى إلى أداة مؤقتة لخدمة المصالح السياسية للکيان الصهيوني. في كلتا الحالتين، يشير توقيت سلوك تل أبيب وسوابقه إلى أن ادعاء الواجب الأخلاقي، أكثر من كونه تعبيراً عن مبدأ ثابت، هو تابع للحسابات المتغيرة والصراعات اليومية في المنطقة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى