الجزائر وفرنسا.. جدل الذاكرة التاريخية حول إرث الاستعمار
![[object Object] /الجزائر , فرنسا , الاستعمار , الذاكرة التاريخية , تاريخ](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/07/webangah-b1acabd826fae9ae1dbc5164a59bda09fe7ea4e5534829590e4240f1d7fd06d3.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن عدد ضحايا فترة الاستعمار الفرنسي الملف الشائك للذاكرة التاريخية بين باريس والجزائر إلى الواجهة مجدداً. ورغم مرور أكثر من ستة عقود على استقلال الجزائر، لا يزال هذا الملف أحد العوائق الرئيسية أمام التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين.
في رسالة بمناسبة الذكرى السنوية لاستقلال الجزائر في الخامس من يوليو، أعلن تبون أن الشعب الجزائري دفع ثمناً باهظاً خلال 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي، وأن عدد الضحايا في تلك الفترة بلغ 5 ملايين و630 ألف شخص. وأشار الرئيس الجزائري، في معرض حديثه عن “سياسة الأرض المحروقة” والمجازر الجماعية والقمع الواسع، إلى أن الاستعمار الفرنسي كان أحد أحلك الفترات في التاريخ المعاصر للجزائر.
احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 وظلت تحت سيطرتها حتى عام 1962. وبعد حرب تحرير دامية استمرت سبع سنوات بين جبهة التحرير الوطني الجزائري والقوات الفرنسية، تمكنت الجزائر من تحقيق استقلالها. وتعتبر حرب استقلال الجزائر، التي اندلعت عام 1954، إحدى أهم الأزمات الاستعمارية في القرن العشرين، ولم يؤدِ انتهاؤها إلى استقلال الجزائر فحسب، بل إلى تغيير في نهج فرنسا تجاه إمبراطوريتها الاستعمارية.
على الرغم من مرور عقود على نهاية الاستعمار، لا تزال قضية “الذاكرة التاريخية” من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين باريس والجزائر. وقد طالبت الحكومة الجزائرية مراراً بقبول فرنسا الرسمية للمسؤولية عن جرائم حقبة الاستعمار، لكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة امتنعت حتى الآن عن تقديم اعتذار رسمي وقبول المسؤولية القانونية الشاملة.
في السنوات الأخيرة، اعترفت فرنسا ببعض الأحداث التاريخية المحددة، بما في ذلك مذبحة الجزائريين في 17 أكتوبر 1961 في باريس وقمع احتجاجات 8 مايو 1945 في سطيف وقالمة. ومع ذلك، لا تزال باريس تفرق بين “الاعتراف بالأحداث التاريخية” و”قبول مسؤولية الاستعمار”، وهو نهج لا تراه الجزائر كافياً.
الخلاف حول الماضي الاستعماري ليس مجرد قضية تاريخية بين البلدين، بل له أبعاد سياسية وجيوسياسية أيضاً. فقد سعت الجزائر في السنوات الأخيرة، من خلال التأكيد على هويتها الوطنية واستقلالها السياسي، إلى تعزيز مكانتها الإقليمية في شمال أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. في المقابل، تسعى فرنسا، التي تربطها علاقات تاريخية واقتصادية وأمنية واسعة مع دول شمال أفريقيا، إلى الحفاظ على علاقاتها ومنع تفاقم الأزمات المرتبطة بالماضي الاستعماري.
تُظهر الأزمات الدورية في العلاقات الفرنسية الجزائرية أن قضية الاستعمار ليست مجرد قضية ماضية بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية، بل لا تزال تشكل جزءاً من خطابها السياسي والهوياتي في تفاعلها مع القوى الأوروبية. وفي الواقع، فإن النزاع بين باريس والجزائر حول تاريخ الاستعمار هو انعكاس للتغير التدريجي في موازين القوى بين أوروبا والدول الأفريقية، وجهود هذه الدول لإعادة تعريف علاقاتها على أسس المساواة والسيادة الوطنية.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري جزءاً من اتجاه أوسع تطلب فيه الدول الأفريقية إعادة النظر في إرث الاستعمار وتشكيل شكل جديد من العلاقات مع القوى الاستعمارية السابقة. وهو اتجاه قد يؤثر بشكل كبير على مستقبل العلاقات الفرنسية الأفريقية.
باحث في الشؤون القانونية الفرنسية
