قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

تناقضات ترامب تجاه إيران: خلفيات الأزمة الاستراتيجية الأمريكية

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة من الارتباك المتزايد بشأن سياساته تجاه إيران، حيث تتناوب تصريحاته بين التهديد والتفاوض، مما يعكس أزمة في المصداقية الاستراتيجية لواشنطن.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه ما يمكن وصفه بـ “حالة ارتباك حقيقي” تجاه إيران. فبعد إعلانه عن مذكرة تفاهم من 14 بندًا، عاد ليتحدث عن نهاية التفاهم، وهو تناقض تكرر مرارًا منذ بداية “الحرب” المزعومة ضد طهران، وتعود جذوره إلى الإخفاقات المتتالية لواشنطن أمام طهران.

وفي هذا السياق، أكدت شبكة الجزيرة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية نجحت في تحدي مصداقية الولايات المتحدة كقوة عظمى عسكرية. وأظهر الهجوم الإيراني على قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة أن واشنطن قلقة أكثر من أي شيء آخر بشأن الحفاظ على مكانتها العالمية وسمعتها كقوة عسكرية عليا.

الأزمة العسكرية لواشنطن

في الواقع، تواجه واشنطن اليوم أزمة مصداقية أكثر من أزمة عسكرية. إن فشل الخيار العسكري وتراجع فعالية سياسة “الضغط الأقصى” دفعا الولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف متناقضة. القلق الرئيسي للبيت الأبيض ليس مجرد رد إيران، بل تأثير هذا الرد على مكانة الولايات المتحدة العالمية ومصداقيتها الرادعة. في مثل هذه الظروف، يبدو التغيير المستمر في لهجة ترامب، من التهديد إلى الحديث عن الاتفاق ثم العودة إلى لغة التهديد، محاولة لإخفاء فشل استراتيجي لواشنطن أمام إيران، أكثر من كونه استراتيجية واضحة.

إن القوى العظمى تعيش بما يسمى “مصداقية القوة” أكثر من عدد السفن الحربية والقاذفات والقواعد العسكرية. المصداقية هي رأس المال الذي يجعل العديد من المنافسين يتجنبون المواجهة المباشرة حتى قبل بدء الاشتباك. وبالتالي، فإن الردع يقوم على هذا التصور بالضبط: أن الطرف الآخر يعتقد أن تكلفة مواجهة الولايات المتحدة تفوق بكثير مصالحها. إذا تعرض هذا الاعتقاد للخدش، فإن جزءًا مهمًا من قوة أمريكا سيتآكل دون حتى إطلاق رصاصة واحدة.

عندما انهارت حسابات أمريكا

ما حدث خلال “الحرب” الأخيرة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كان اختبارًا لقياس مدى مصداقية الردع الأمريكي. دخلت واشنطن الميدان بتصور أن استعراض القوة سيجبر إيران على التراجع، لكن العكس هو ما حدث. لم تتراجع إيران فحسب، بل تمكنت من إيصال رسالة عبر رد مباشر مفادها أن تكلفة أي عمل عسكري ضد طهران لن تكون أحادية الجانب بعد الآن. هذا التغيير في الحسابات هو ما ألحق أكبر ضربة بالردع الأمريكي.

من هذا المنطلق، يجب النظر إلى مواقف ترامب المتناقضة. فهو يتحدث عن اتفاق يومًا، وعن نهاية الاتفاق يومًا آخر، وبعد ساعات يعود لتبني لغة التهديد. هذه التغييرات السريعة، بدلًا من أن تكون جزءًا من تكتيك محسوب، تعكس صعوبة اتخاذ القرار في ظل عدم ضمان أي من الخيارات المتاحة للنتيجة المرجوة. فالتصعيد يمكن أن يخلق تكاليف غير متوقعة للولايات المتحدة وحلفائها، بينما الانسحاب العلني يعني قبول الهزيمة. في مثل هذا المأزق، تحل التناقضات محل الاستراتيجية.

الأهم من ذلك، أن هذه الأزمة لا تقتصر على العلاقات بين طهران وواشنطن. فالحلفاء الأمريكيون يراقبون أداء واشنطن عن كثب. بالنسبة للعديد من الحكومات، يطرح السؤال نفسه: إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيق أهدافها ضد إيران، فإلى أي مدى يمكنها ضمان أمن شركائها في مناطق أخرى؟ وبالتالي، فإن المسألة ليست مجرد إيران؛ بل مصداقية الالتزامات الأمنية الأمريكية التي باتت قيد التقييم.

لماذا يتم إرسال رسائل متناقضة؟

من ناحية أخرى، يتابع منافسو الولايات المتحدة التطورات الأخيرة بدقة. كلما تضررت صورة واشنطن التي لا تقهر، زادت جرأة اللاعبين المستقلين على مقاومة الضغوط الأمريكية. لهذا السبب، فإن المعركة الرئيسية اليوم ليست في الميدان العسكري، بل في ساحة الإدراك والحسابات الاستراتيجية؛ حيث تكتسب تصورات الحكومات حول حجم القوة الأمريكية أهمية لا تقل عن القوة ذاتها.

في مثل هذا المناخ، يحاول البيت الأبيض إدارة هذا التآكل من خلال مجموعة من الرسائل المتناقضة. أحيانًا يتحدث عن التفاوض للسيطرة على جو التوتر، وأحيانًا أخرى تبرز لغة التهديد للحفاظ على صورة السلطة الأمريكية. لكن هذه التحركات المتكررة بين التهديد والاتفاق ليست دليلًا على الثقة بالنفس، بل تشير إلى صعوبة إعادة بناء المصداقية المفقودة. القوة الواثقة من فعالية أدواتها لا تحتاج إلى تغيير روايتها باستمرار.

لهذا السبب، فإن قضية أمريكا اليوم ليست مجرد خلاف مع إيران، بل تتعلق بكيفية الحفاظ على مكانتها في النظام الدولي. إذا تزلزلت القدرة الرادعة، التي تعد أهم دعامة للقوة الأمريكية، فإن عواقبها ستتجاوز قضية إقليمية وستؤثر على سلوك الحلفاء والمنافسين، بل وعلى النظام الأمني الذي تنشده واشنطن.

من هذا المنطلق، لا ينبغي تفسير التناقضات السلوكية لترامب على أنها مجرد سمات شخصية. ما نشهده هو انعكاس لأزمة أعمق في الاستراتيجية الأمريكية؛ أزمة لم تعد فيها أدوات الضغط التقليدية، من العقوبات والتهديد العسكري إلى استعراض القوة، قادرة على فرض إرادة واشنطن كما كانت في السابق. عندما تفقد أدوات القوة فعاليتها، تظهر العلامة الأولى في لغة السياسيين، وهي لغة تتأرجح يوميًا بين التهديد والمفاوضات والتراجع، وتكشف في المقام الأول عن أزمة الردع الأمريكية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى