قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

ائتلاف ‘پکس سیلیکا’: استراتيجية أمريكا لإعادة تشكيل سلاسل التوريد المعدنية والتقنية في مواجهة الصين

أطلقت الولايات المتحدة مبادرة ‘بكس سيليكا’ في أواخر عام 2025، وهي استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء نظام بيئي تقني وصناعي لدول حليفة، سعياً لتقليل الاعتماد على الصين في سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي، بدءاً من استخراج المعادن وصولاً إلى تصنيع الرقائق وإدارة مراكز البيانات.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين قد تجاوزت في السنوات الأخيرة مجالات التجارة والتعريفات الجمركية، لتشمل السيطرة على التقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والمعادن الحيوية. فإذا كانت النفط والغاز قد شكلا أهم الموارد الجيوسياسية في العقود الماضية، فإن العناصر الأرضية النادرة مثل الغاليوم والجرمانيوم والليثيوم والتنتالوم والتنجستن والسيليكون وغيرها من المعادن الاستراتيجية قد تحولت إلى الأصول الأكثر أهمية في الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد كل نظام ذكاء اصطناعي، وكل مركز بيانات، وكل شريحة متقدمة، وكل بنية تحتية حاسوبية على سلسلة معقدة من هذه المواد.

في هذا السياق، أطلقت الإدارة الأمريكية في أواخر عام 2025 مبادرة جديدة تحت عنوان “بكس سيليكا” (Pax Silica)، تهدف إلى إنشاء نظام بيئي تقني وصناعي بين الدول المتوافقة لتقليل الاعتماد على الصين في سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي. وعلى عكس المبادرات الأمريكية السابقة مثل “شراكة أمن المعادن” (Minerals Security Partnership) التي تركز بشكل أساسي على استخراج المعادن، تشمل “بكس سيليكا” الدورة الإنتاجية بأكملها، من الاستخراج المعدني إلى تصنيع الرقائق، وإنشاء مراكز البيانات، وتحديث البنى التحتية للطاقة، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتدريب الكوادر البشرية.

ويكتسب انضمام كازاخستان إلى هذه المبادرة في يونيو 2026 أهمية خاصة من عدة جوانب. فالبلاد هي العضو الأول من آسيا الوسطى في هذا الائتلاف، ومن منظور واشنطن، يمكن أن تكون حلقة وصل بين الموارد المعدنية الضخمة في أوراسيا وسلاسل التكنولوجيا الغربية. من ناحية أخرى، يؤثر هذا التطور مباشرة على المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين في آسيا الوسطى، وهي منطقة كانت خلال العقدين الماضيين أحد أهم ساحات النفوذ الاقتصادي للصين.

ما هي “بكس سيليكا”؟

يتكون اسم “بكس سيليكا” من مفهومين؛ “بكس” (Pax) ويعني النظام أو السلام المبني على القوة، و”سيليكا” (Silica) الذي يشير إلى السيليكون وسلسلة التقنيات المعتمدة على أنواع مختلفة من أشباه الموصلات. اختيار هذا الاسم ليس عشوائياً؛ فكما أن مصطلح “باكس أمريكانا” (Pax Americana) في القرن العشرين أشار إلى النظام الاقتصادي والأمني بقيادة أمريكا، فإن “بكس سيليكا” هو محاولة لخلق نظام جديد في عالم التكنولوجيا بقيادة واشنطن.

الهدف الأساسي لهذه المبادرة هو إنشاء سلاسل توريد موثوقة (Trusted Supply Chains) لتعزيز الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي. تبدأ هذه السلسلة من استخراج المعادن، وتستمر حتى إنتاج أشباه الموصلات، وتصنيع مراكز البيانات، وتطوير البنى التحتية للطاقة، وكابلات الألياف البصرية، والحوسبة السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتصدير التكنولوجيا.

وفقاً للوثائق المنشورة، تتبع هذه المبادرة عدة محاور أساسية، تشمل: تنويع مصادر المعادن الحيوية؛ تقليل الاعتماد على الصين في تكرير ومعالجة المعادن؛ تنسيق الدول الأعضاء في السيطرة على تصدير التقنيات الحساسة؛ تطوير الاستثمارات المشتركة في صناعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي؛ إنشاء مراكز البيانات والبنى التحتية للطاقة اللازمة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي؛ والتعاون العلمي والتعليمي والبحثي في مجال التقنيات الناشئة.

دوافع تشكيل الائتلاف

لا يمكن فهم نشأة “بكس سيليكا” دون إدراك عمق المنافسة بين أمريكا والصين. على مدى عقدين، استثمرت الصين مليارات الدولارات مما مكنها من السيطرة على معظم حلقات سلسلة استخراج ومعالجة المعادن الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن العديد من هذه المواد تستخرج في دول أخرى، إلا أن الجزء الأكبر من معالجتها وتكريرها يتم في الصين.

على سبيل المثال، تمتلك الصين حصة كبيرة جداً في معالجة العناصر الأرضية النادرة مثل الغاليوم والجرمانيوم، وهي مواد ضرورية لإنتاج الشرائح المتقدمة، ومعدات الاتصالات، وأنظمة الرادار، والبنى التحتية للذكاء الاصطناعي. هذا الاعتماد دفع أمريكا، بعد تصاعد المنافسة التكنولوجية مع الصين، إلى تحويل أمن سلاسل التوريد إلى قضية أمن قومي.

في الوقت نفسه، أثارت القيود الصينية على صادرات بعض المعادن في السنوات الأخيرة، رداً على السياسات الأمريكية العدائية في مجال تصدير المنتجات التكنولوجية إلى الصين، والحرب التجارية، ودعم تايوان ضد الصين، قلقاً في واشنطن من أن بكين قد تستخدم موقعها الاحتكاري كأداة ضغط جيوسياسي. ونتيجة لذلك، استبدلت أمريكا استراتيجيتها بالاعتماد الواسع على الصين باستراتيجية “تقليل المخاطر”، و”بكس سيليكا” هي نتاج هذا التحول الاستراتيجي.

الاختلافات بين “بكس سيليكا” والمبادرات السابقة

قبل ذلك، كانت أمريكا قد سعت إلى تأمين سلاسل التوريد من خلال تحالفات مثل “شراكة أمن المعادن”، و”الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ” (IPEF)، وتعاونات مجموعة السبع. لكن “بكس سيليكا” تختلف عن هذه المبادرات في عدة نقاط أساسية:

  1. أولاً، هذه المبادرة ليست معدنية بحتة، بل هي مشروع تقني شامل.
  2. ثانياً، مشاركة القطاع الخاص والجامعات وشركات التكنولوجيا فيها أكثر وضوحاً من التحالفات التقليدية.
  3. ثالثاً، تم تصميم هذه المبادرة بمرونة، مما يسمح بجذب أعضاء جدد دون إجراءات بيروقراطية معقدة موجودة في المنظمات الدولية.
  4. رابعاً، تقدمها أمريكا كبديل للاعتماد على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين، وليس كمجرد مشروع اقتصادي.

الأعضاء وتوسع الائتلاف

عند انطلاقها، شمل الأعضاء الرئيسيون الولايات المتحدة ومجموعة من حلفائها مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والمملكة المتحدة وإسرائيل والإمارات وسنغافورة وعدد من الدول الأوروبية. وفي عام 2026، انضمت كل من الاتحاد الأوروبي وألمانيا وهولندا واليونان وإيطاليا والأرجنتين وتشيلي وبنما وكوستاريكا وكازاخستان إلى هذا الإطار أو بدأت إجراءات الانضمام.

يشير هذا التوسع واستمرار جذب الأعضاء إلى أن واشنطن تعتزم إنشاء شبكة عالمية من منتجي المعادن والتكنولوجيا ورؤوس الأموال.

لماذا انضمام كازاخستان إلى “بكس سيليكا” مهم؟

تعتبر كازاخستان من أكبر حاملي احتياطيات المعادن الاستراتيجية في العالم. تمتلك البلاد احتياطيات كبيرة من اليورانيوم، والكروم، والتنجستن، والموليبدينوم، والنحاس، والزنك، والمنغنيز، والعناصر الأرضية النادرة، وغيرها من المواد المطلوبة في الصناعات المتقدمة.

جغرافياً، تعد كازاخستان حلقة وصل بين أوروبا وشرق آسيا، وتقع في وسط ممرات النقل الأوراسية. هذه الميزة جعلت كلاً من الصين وأمريكا تعتبرانها شريكاً مهماً في سلاسل التوريد المستقبلية.

في البيان الرسمي للحكومة الكازاخستانية، تم التأكيد على أن البلاد تسعى للخروج من دور مجرد مصدر للمواد الخام، والانتقال نحو معالجة المعادن، وإنتاج ذي قيمة مضافة عالية، وإنشاء مراكز بيانات، وتطوير الصناعات المتقدمة، والمشاركة في البحث والتطوير.

لذلك، لا يمكن اعتبار انضمام أستانا إلى “بكس سيليكا” مجرد خطوة اقتصادية. هذا القرار يندرج في إطار السياسة الخارجية متعددة الأطراف لكازاخستان، التي تبتعد تدريجياً عن روسيا وتندمج بشكل كبير في الهياكل الأوروبية والأمريكية.

الدافع الأول هو جذب الاستثمار الأجنبي. يتطلب تطوير صناعات معالجة المعادن وصناعات أشباه الموصلات رأس المال والتكنولوجيا الغربية، وهو ما يمكن أن تسهله “بكس سيليكا”. الدافع الثاني هو نقل التكنولوجيا. تسعى كازاخستان إلى الدخول في سلسلة إنتاج البطاريات، وأشباه الموصلات، ومعدات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تصدير الخامات. العامل الثالث هو تنويع الشركاء الأجانب. على الرغم من أن الصين ستظل شريكاً اقتصادياً كبيراً لكازاخستان، إلا أن قادة البلاد يميلون إلى عدم الاعتماد المفرط على أي قوة، والسعي إلى تحقيق توازن بين أمريكا وأوروبا والصين وروسيا. العامل الرابع هو تطوير الاقتصاد الرقمي. تعتبر الحكومة الكازاخستانية الذكاء الاصطناعي أحد الأركان الأساسية لبرنامج التنمية الوطنية، وتعتبر “بكس سيليكا” فرصة لإنشاء مراكز بيانات، وتدريب متخصصين، وتطوير منظومة الابتكار.

كما لا ينبغي نسيان الأهمية الجيوسياسية لعضوية كازاخستان في “بكس سيليكا”. لدخول كازاخستان في هذه المبادرة تداعيات جيوسياسية كبيرة. أولاً، تحصل أمريكا لأول مرة على موطئ قدم رسمي في شبكة التكنولوجيا في آسيا الوسطى. ثانياً، يوضح هذا التحرك أن المنافسة الأمريكية الصينية قد امتدت من شرق آسيا إلى آسيا الوسطى أيضاً.

بالنسبة لواشنطن، كازاخستان ليست مجرد منتج للمعادن، بل يمكن أن تصبح مركزاً لمعالجة المواد الأولية، بل ومستضيفاً للبنى التحتية المتعلقة باقتصاد الذكاء الاصطناعي. وهذا من شأنه أن يزيد من قدرة السلاسل الغربية على تقليل اعتمادها على الصين.

رد الفعل الصيني المحتمل

حتى الآن، كان رد بكين الرسمي والمفصل على انضمام كازاخستان إلى “بكس سيليكا” محدوداً، ولكن بالنظر إلى سياسات الصين المعروفة، يمكن طرح عدة سيناريوهات محتملة:

  1. أولاً، من المحتمل أن تعتبر الصين هذه المبادرة جزءاً من سياسة احتواء تقدمها في مجال التكنولوجيا؛ حيث إن المسؤولين الأمريكيين يطرحون بوضوح هدف تقليل الاعتماد على الصين.
  2. ثانياً، من المتوقع أن تسعى بكين إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع كازاخستان بشكل أكبر. فقد استثمرت الصين مليارات الدولارات في البنى التحتية والسكك الحديدية والطاقة والمناجم في كازاخستان في السنوات الماضية، ومن المحتمل أن تحاول الحفاظ على جاذبية التعاون معها من خلال تقديم استثمارات وقروض ومشاريع جديدة.
  3. ثالثاً، من المرجح أن تسرع الصين من تطوير قدراتها في المعالجة الداخلية، وكذلك الاستثمار في دول أخرى، للحفاظ على تفوقها في سوق المعادن.
  4. رابعاً، قد تستخدم بكين الأدوات الدبلوماسية للتأكيد على أن دول آسيا الوسطى لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للمنافسة بين القوى الكبرى.

محددات “بكس سيليكا”

على الرغم من الأهداف الطموحة، فإن نجاح هذه المبادرة غير مضمون. يتطلب إنشاء سلاسل توريد جديدة استثمارات بمليارات الدولارات، ونقل للتكنولوجيا، وتدريب للقوى العاملة، ويتطلب وقتاً طويلاً. العديد من الدول، بما في ذلك كازاخستان، لا تزال لديها علاقات اقتصادية عميقة مع الصين ولا ترغب في الاختيار بين واشنطن وبكين.

علاوة على ذلك، لا تزال الصين تمتلك قدرات لا منافس لها في معالجة المعادن، وإنتاج المعدات الصناعية، وسلاسل الإنتاج الضخمة، والتي يصعب استبدالها على المدى القصير. بالإضافة إلى ذلك، فإن كازاخستان ودول آسيا الوسطى الأخرى تشعر بالاستياء من أن أمريكا وأوروبا، خلال العقد الماضي، لم تكن مهتمة سوى باستخراج المواد الخام، ولم تبذل جهوداً جادة لنقل التكنولوجيا المتقدمة إلى هذه البلدان. إذا شعرت هذه الدول أن “بكس سيليكا” لا تحدث تغييراً في هذا الاتجاه، وأن أمريكا لن تحدث تغييراً جدياً في سياساتها المعدنية، فإن “بكس سيليكا” ستظل مقتصرة على كازاخستان ولن تحظى باستقبال من دول أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز.

بشكل عام، يمكن اعتبار تحالف “بكس سيليكا” أحد أهم المبادرات الجيو-اقتصادية لأمريكا في عصر الذكاء الاصطناعي. هذه المبادرة لا تتعلق بالمعادن فقط، بل هي محاولة لإعادة تشكيل سلسلة القيمة الكاملة للاقتصاد الرقمي، من المنجم إلى الشريحة، ومن مراكز البيانات إلى نماذج الذكاء الاصطناعي. الهدف الرئيسي هو تقليل اعتماد الدول المتوافقة على الصين، وإنشاء شبكة من الشركاء الموثوقين في مجال التقنيات الاستراتيجية.

في المقابل، من المرجح أن تقيم الصين هذا التطور كجزء من اتجاه أوسع لاحتوائها، وستسعى إلى تعميق تعاونها الاقتصادي والاستثمار في آسيا الوسطى للحفاظ على نفوذها. لذلك، لا ينبغي النظر إلى “بكس سيليكا” كمجرد اتفاقية تكنولوجية؛ بل ينبغي اعتبارها أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي بين أمريكا والصين في العقد المقبل؛ وهي منافسة قد تحدد نتيجة سلاسل التكنولوجيا العالمية والاقتصاد الرقمي لسنوات طويلة، وفشل أو نجاح أمريكا في هذا المجال سيبطئ أو يسرع وتيرة الهيمنة الصينية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة ويبانقاه الإخبارية

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى