قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

لماذا تكرر أمريكا استراتيجيتها الفاشلة ضد كوبا؟

تستمر الولايات المتحدة في اتباع سياسات الضغط والحصار ضد كوبا لأكثر من ستة عقود دون تحقيق تغيير سياسي أو تقليص الفجوة بين البلدين، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذا النهج.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، في نصف الكرة الغربي، لا يوجد ملف يعكس استمرار سياسة الضغط والحصار والتدخل الأمريكي في مصير دولة مستقلة مثل ملف كوبا؛ وهي سياسة لم تؤدِ، رغم أكثر من ستة عقود من العقوبات والمواجهة، إلى التغيير السياسي الذي تسعى إليه واشنطن، ولم تتمكن من تقليص الفجوة بين البلدين.

التهديد الجديد من قبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ضد هافانا وتأكيده على ضرورة تغيير الوضع الراهن في كوبا، يشير إلى أن واشنطن قد عادت مرة أخرى إلى منطق الإكراه القديم؛ وهو منطق يفضل الضغط الاقتصادي على الدبلوماسية ويضع تحديد المصير من الخارج قبل حق الشعب الكوبي في اختيار مساره السياسي.

من وجهة نظر المراقبين، فإن تكرار هذا النهج، أكثر من كونه مؤشرًا على استراتيجية جديدة، يعكس عجز واشنطن عن التحرر من سياسة ظهرت آثارها الإنسانية والإقليمية والجيوسياسية مرارًا وتكرارًا.

التدخلات التاريخية وتكرار استراتيجية تغيير النظام الفاشلة

النزاع بين واشنطن وهافانا لا يعود إلى ثورة عام 1959 فحسب. فقد اعتبرت الولايات المتحدة كوبا جزءًا من دائرة نفوذها منذ بداية استقلال كوبا. وسمح «تعديل بلات» لواشنطن بالتدخل في الشؤون الداخلية لكوبا؛ وهو نهج حد من سيادة هذا البلد وترسخ لديه تصور بأن التوجه السياسي لهافانا يجب أن يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة.

بعد الثورة، تغيرت الأدوات، لكن منطق التدخل بقي. الضغط على المصافي، قطع حصة السكر، الحصار الاقتصادي، عملية خليج الخنازير، وبرامج التخريب، كلها تم متابعتها بهدف إضعاف أو تغيير النظام في كوبا. ومع ذلك، كانت لهذه الإجراءات نتائج عكسية؛ فقد ترسخ النظام الثوري، وأصبح المناخ الداخلي أكثر أمنًا، واقتربت هافانا أكثر من الاتحاد السوفيتي.

حتى ستة عقود من العقوبات لم تتمكن من إيجاد الهيكل السياسي الذي تريده واشنطن في كوبا. في المقابل، أتاحت الضغوط الخارجية للحكومة الكوبية تفسير المشاكل الداخلية في إطار التهديد الأمريكي، وجعلت المقاومة ضد واشنطن جزءًا من شرعيتها السياسية.

على الرغم من كل ذلك، تصر الولايات المتحدة على تكرار هذه السياسة؛ لأن ملف كوبا لا يخضع فقط لحسابات السياسة الخارجية. نفوذ التيارات المتشددة في فلوريدا، والاعتبارات الانتخابية، والإرث التاريخي للهيمنة على أمريكا اللاتينية، زادت من تكلفة التراجع عن العقوبات بالنسبة للحكومات الأمريكية. في مثل هذا المناخ، فإن كل فشل لا يعتبر دليلاً على عدم فعالية السياسة، بل نتيجة عدم كفاية الضغط، والحل المقترح هو المزيد من العقوبات والتهديدات.

الحصار الاقتصادي؛ الضغط على الحكومة أم نقل التكلفة إلى المجتمع؟

إدراج شركة النفط الحكومية الكوبية (CUPET) في قائمة العقوبات الأمريكية ليس مجرد تقييد لمؤسسة حكومية. هذه الشركة تلعب دورًا محوريًا في استيراد وتكرير وتخزين وتوزيع الوقود؛ وبالتالي فإن تعطيل أنشطتها يؤثر بشكل مباشر على إنتاج الكهرباء، والنقل، والمستشفيات، والزراعة، وحفظ المواد الغذائية. وقد أظهرت الانقطاعات الواسعة للكهرباء الأخيرة أن الضغط على قطاع الطاقة في بلد يعاني من نقص الوقود وتقادم شبكة الكهرباء، سرعان ما يتحول إلى أزمة اجتماعية.

يتجلى تناقض سياسة واشنطن بشكل أوضح عندما تدعي الولايات المتحدة في الوقت نفسه دعم القطاع الخاص في كوبا. فقد عملت الشركات الأمريكية في الأشهر الأولى من العام على تأمين الوقود للشركات الخاصة الكوبية، لكن نقل وتخزين هذا الوقود كان بالضرورة يعتمد على البنية التحتية التي تديرها CUPET.

إن فرض عقوبات على هذه الشركة أغلق عمليًا المسار الذي كان من المفترض أن ينقذ القطاع الخاص من نقص الطاقة؛ أي أن السياسة التي تم تقديمها تحت عنوان دعم رواد الأعمال، حرمت هؤلاء رواد الأعمال أنفسهم من أدوات العمل.

يمتد نطاق هذا الضغط أيضًا إلى ما وراء حدود الولايات المتحدة. فإن وضع شركة في قائمة العقوبات الخاصة بوزارة الخزانة، يعرض البنوك وشركات التأمين وشركات الشحن والموردين الخارجيين لخطر قطع الوصول إلى السوق والنظام المالي الأمريكي.

ونتيجة لذلك، فإن العديد من الجهات الفاعلة غير الأمريكية تتخلى عن التعامل مع كوبا. من هذا المنظور، لا تفرض واشنطن ضغوطًا على هافانا فحسب، بل تؤثر عمليًا أيضًا على القرارات الاقتصادية لدول ثالثة، متأثرة بقوانينها الداخلية؛ وهي قضية واجهت مرارًا معارضة واسعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد تصاعد هذا الضغط في الوقت الذي أقرت فيه كوبا مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية غير المسبوقة، بما في ذلك السماح للبنوك الخاصة بالعمل، والتجارة الخارجية المباشرة، وزيادة مشاركة المستثمرين غير الحكوميين. ولكن هذه الإصلاحات لا يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي دون الوصول إلى البنوك ورأس المال والتأمين والطاقة. وبهذه الطريقة، فإن العقوبات، بدلاً من تعزيز بيئة الإصلاح، تزيد من تكلفتها، وتنقل رسالة مفادها أن الانفتاح الاقتصادي، حتى لو أدى إلى التغيير السياسي الذي تريده واشنطن، فلن يكون كافيًا.

الآثار الإقليمية والجيوسياسية؛ الضغط على كوبا وتضعيف النفوذ الأمريكي

من منظور استراتيجي، كوبا ليست مجرد جار صغير للولايات المتحدة في البحر الكاريبي؛ بل أصبحت اختبارًا رمزيًا لنفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. ولهذا السبب، فإن الاستقلال السياسي لهافانا واستمرار نظام لا يتوافق مع رغبات واشنطن، يعتبران تحديًا للنظام الإقليمي في حسابات الولايات المتحدة. التهديدات الأخيرة بشأن احتمال التدخل تنقل هذه الرسالة إلى الحكومات الأخرى في أمريكا اللاتينية بأن الخلاف السياسي مع واشنطن قد يقابل بضغوط اقتصادية أو عزلة أو حتى تهديد عسكري.

مع ذلك، فإن هذا الاستعراض للقوة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة نفوذ الولايات المتحدة. فالضغط على كوبا يعيد إحياء حساسية تاريخية لدى دول المنطقة تجاه التدخل الأجنبي ومنطق «دائرة النفوذ»، ويزيد من حافز الحكومات الأكثر استقلالًا لتنويع علاقاتها.

المعارضة الواسعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لحصار كوبا تشير إلى أن واشنطن تواجه، في الدفاع عن هذه السياسة، عزلة دبلوماسية أكثر من هافانا. كما اعتبر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة حصار الوقود تهديدًا لحقوق الشعب الكوبي الأساسية؛ وهو انتقاد يضعف مصداقية ادعاءات الولايات المتحدة بدعم الشعب الكوبي.

يعتقد بعض الخبراء أن النتيجة الأكثر أهمية هي توفير مساحة أكبر للصين. فبكين، في مواجهة ما تسميه التدخل الأجنبي، دعمت صراحة سيادة كوبا، وفي الوقت نفسه أصبحت أحد المصادر الرئيسية للتكنولوجيا ورأس المال في قطاع الطاقة في هذا البلد. وقد أتاحت المساعدة الصينية في تطوير أكثر من ألف ميغاوات من الطاقة الشمسية، إمكانية تقليل اعتماد هافانا النسبي على استيراد الوقود. ونتيجة لذلك، فإن السياسة التي تم تصميمها لعزل كوبا وتقليل نفوذ منافسي الولايات المتحدة، تجعل بكين عمليًا شريكًا أكثر ضرورة لهذا البلد.

لذلك، فإن القضية الرئيسية لم تعد مستقبل النظام في كوبا فقط، بل التكلفة التي تدفعها واشنطن للحفاظ على مصداقية هيمنتها الإقليمية. قد يحقق استمرار الضغط مكاسب انتخابية في السياسة الداخلية الأمريكية، ويخلق صورة عن الحزم، ولكنه على المستوى الاستراتيجي، يقلل من ثقة دول أمريكا اللاتينية، ويزيد من نفوذ الصين، ويحول أزمة كوبا من خلاف ثنائي إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى.

تكرر الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية لأنها تعتبر التراجع عنها قبولًا لقيود على نفوذها، ولكن المفارقة النهائية تكمن هنا؛ فإصرارها على إظهار القوة في كوبا، ينهك تدريجيًا نفس القوة والنفوذ الذي تسعى واشنطن للحفاظ عليه.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى