قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

اليمن يعلن معادلة ‘الحصار مقابل الحصار’ في البحر الأحمر: تحول استراتيجي يهدد أمن الطاقة العالمي

في خطوة قد تعيد تشكيل موازين القوى في منطقة البحر الأحمر، أعلنت القوات المسلحة اليمنية بدء تطبيق معادلة ‘الحصار مقابل الحصار’، رافعةً بذلك شعار مواجهة الحصار السعودي المستمر منذ ما يقرب من اثني عشر عامًا، ومهددةً بذلك أمن الملاحة والتجارة العالمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، وبعد ما يقرب من 12 عامًا من الحصار البحري والبري والجوي الذي فرضه التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية على اليمن، والذي اعترفت به المنظمات الدولية كأحد الأسباب الرئيسية لأكبر أزمة إنسانية في العالم، يبدو أن معادلة الصراع تتجه نحو التحول.

فبعد أن استنزفت المملكة العربية السعودية، مستخدمةً تفوقها الجوي وسيطرتها على الموانئ وتقييدها لدخول البضائع والوقود، القدرات الاقتصادية والعسكرية لليمن في محاولة لإخضاع صنعاء لرغباتها، أعلنت القوات المسلحة اليمنية رسميًا بدء تطبيق معادلة “الحصار البحري ضد السعودية”. ويعتبر هذا الإعلان بمثابة انتقال للحرب من مرحلة الدفاع ضد الحصار إلى مرحلة فرض الردع المتبادل، وهو ما قد تكون له تداعيات تتجاوز نطاق الحرب اليمنية.

وفي هذا السياق، أكد يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، أن المملكة العربية السعودية تفرض حصارًا ظالمًا على الشعب اليمني وتنهب موارده منذ ما يقرب من 12 عامًا. وشدد على أن هذا الوضع لم يعد يحتمل، وأن الحصار البحري ضد السعودية سيدخل حيز التنفيذ من الآن فصاعدًا. وحذر سريع أيضًا من أن أي تصعيد في الإجراءات من قبل الرياض سيقابل بـ “تصعيد شامل” من قبل القوات اليمنية، وأن القوات المسلحة اليمنية مستعدة لكافة السيناريوهات.

نهاية عصر الردع الأحادي

ما يميز هذا الإعلان عن العديد من البيانات السابقة هو محاولة اليمن الواضحة لتغيير قواعد الردع. ففي السنوات الأولى للحرب، كانت السعودية تتمتع بموقع عسكري وبحري متفوق، وكانت تعتقد أنها قادرة على إدارة الحرب عبر الحصار الاقتصادي والغارات الجوية دون تحمل تكاليف باهظة. لكن التجربة في السنوات الأخيرة أظهرت أن صنعاء استطاعت تدريجيًا تطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة والبحرية، وتوسيع نطاق عملياتها من عمق الأراضي السعودية إلى البحر الأحمر والممرات المائية الاستراتيجية.

في الواقع، تقوم الاستراتيجية اليمنية الجديدة على مبدأ أنه إذا تعرض اقتصاد الشعب اليمني وحياته للضغوط بسبب الحصار، فلا ينبغي لاقتصاد وأمن الطاقة السعودي أن يكون بمنأى عن تداعيات الحرب. وهذا هو المنطق الذي يشير إليه يحيى سريع بـ “الحصار مقابل الحصار”؛ معادلة تنقل تكاليف الحرب من طرف واحد إلى الطرفين.

الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر

لا يعتبر البحر الأحمر مجرد مساحة مائية، بل هو أحد أهم شرايين التجارة العالمية. نسبة كبيرة من التجارة بين آسيا وأوروبا، وصادرات الطاقة من الدول العربية، وعبور ناقلات النفط تتم عبر هذا المسار. وأي انعدام للأمن في هذه المنطقة يؤثر مباشرة على تكاليف النقل البحري، وأسعار تأمين السفن، وسوق الطاقة العالمي.

لهذا السبب، إذا تمكن اليمن من تحويل تهديده إلى إجراءات عملية، فلن يتم استهداف السعودية فقط، بل ستدخل معادلات أمن البحر الأحمر بأكملها مرحلة جديدة. حتى بدون التوقف الكامل لحركة السفن، فإن زيادة المخاطر الأمنية يمكن أن تدفع شركات الشحن والتأمين إلى تغيير مساراتها أو زيادة التكاليف، وهو ما سيشكل ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا على الرياض وحلفائها.

انتقال الحرب من الأرض إلى الاقتصاد

السمة المهمة لهذا التطور هي انتقال ساحة المعركة بشكل أكبر من الجغرافيا العسكرية إلى المجال الاقتصادي. أظهرت تجربة الحروب المعاصرة أن الصراعات تصل إلى نقطة الردع عندما يشعر الطرف الآخر بأن التكاليف الاقتصادية للحرب تفوق فوائدها.

أنفقت السعودية مليارات الدولارات على الحرب اليمنية على مدى السنوات الماضية، لكنها في الوقت نفسه سعت إلى الحفاظ على أمن صادرات النفط والموانئ والممرات التجارية الخاصة بها. الآن، إذا دخل هذا المكون أيضًا إلى ساحة المواجهة، فإن تكلفة استمرار الحرب بالنسبة للرياض ستزداد بشكل ملحوظ.

الردع الشبكي لمحور المقاومة

لا يمكن تحليل إعلان الحصار البحري السعودي بمعزل عن التطورات الأوسع في المنطقة. فخلال السنوات الأخيرة، سعى اللاعبون في محور المقاومة إلى إنشاء نوع من الردع الشبكي بالاعتماد على مواقعهم الجيوسياسية؛ ردع مبني على التشتت الجغرافي وتعدد نقاط الضغط.

يعتبر اليمن، بإشرافه على باب المندب وجزء مهم من البحر الأحمر، أحد أهم حلقات هذه الشبكة. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي تصعيد للتوتر في المنطقة يمكن أن يؤثر على عدة مسارات استراتيجية في وقت واحد؛ مسألة تعقد حسابات الطرف الآخر العسكرية والاقتصادية.

من هذا المنطلق، فإن التحرك الأخير لصنعاء ليس مجرد قرار عسكري، بل هو جزء من عملية أصبحت فيها السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية أحد أهم أدوات الردع في غرب آسيا.

المعادلات الإقليمية الجديدة

تظهر التطورات الأخيرة أن الحرب اليمنية لم تعد مجرد أزمة داخلية أو حتى مواجهة ثنائية بين صنعاء والرياض، بل أصبحت جزءًا من التنافسات الجيوسياسية في غرب آسيا. تزداد أهمية هذا التطور عند تحليله جنبًا إلى جنب مع مكونات القوة الإقليمية الأخرى. من وجهة نظر العديد من المراقبين، كلما زادت قدرة اللاعبين الإقليميين على التأثير على شرايين التجارة والطاقة الحيوية، زادت تكلفة أي عمل عسكري أو ضغط خارجي.

في هذا الإطار، يمكن اعتبار التحرك اليمني الأخير بمثابة مؤشر على تشكل مرحلة جديدة من الردع الإقليمي؛ مرحلة لا تحدد فيها المعادلات فقط بالسيادة الجوية أو القدرة العسكرية التقليدية، بل أصبحت أمن الممرات المائية، وخطوط الشحن، وصادرات الطاقة، والاقتصاد العالمي جزءًا من ساحة الردع.

إذا استمر هذا الاتجاه، فإن غرب آسيا سيدخل فترة لن تقتصر فيها أي مغامرة عسكرية ضد اللاعبين الإقليميين على ساحة المعركة فحسب، بل يمكن أن تؤثر تداعياتها على شبكة التجارة والطاقة بأكملها في المنطقة. من هذا المنطلق، يجب تقييم إعلان “الحصار مقابل الحصار” على أنه أكثر من مجرد تهديد عسكري، بل هو مؤشر على تغيير في موازين الردع وبدء فصل جديد من المنافسة الجيوسياسية في المنطقة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى