خلاف بين رئيس بلدية نيويورك وترامب بشأن نتنياهو: صراع قانوني ذو تداعيات سياسية
![[object Object] /نيويورك , ترامب , نتنياهو , المحكمة الجنائية الدولية , غزة](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/07/webangah-53e502f81a108fd4ce6003f306a6dce4b0d0fcfb6c58addf0bb64d17ecdb0b30.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن تصريحات عمدة نيويورك الأخيرة بشأن اعتقال رئيس وزراء النظام الصهيوني، بنيامين نتنياهو، فتحت ملفاً تجاوزت أبعاده الخلاف السياسي. تعود هذه القضية إلى أمر الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر 2024، والذي صدر على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم في غزة ضد نتنياهو ووزير الحرب السابق في النظام الصهيوني، يوآف غالانت.
كان ممداني، الذي تحدث سابقاً عن محاولة تنفيذ هذا الأمر، قد أعلن بعد مراجعات قانونية أن بلدية نيويورك لا تملك هذه السلطة وأن المسألة من اختصاص الحكومة الفيدرالية الأمريكية. في الوقت نفسه، أكد دونالد ترامب أن نتنياهو لن يُعتقل على الأراضي الأمريكية، مما جعل هذه القضية أحد أحدث ميادين المواجهة السياسية في الولايات المتحدة.
الآن، إلى جانب سؤال “ماذا يقول القانون الأمريكي؟”، يطرح سؤال آخر يتمثل في “ما هي الصورة التي ترسمها هذه المواجهة حول العلاقة بين القانون والسياسة والرأي العام الأمريكي تجاه حرب غزة وملف النظام الصهيوني؟”
ماذا يقول القانون الأمريكي؟
في النظام القانوني الأمريكي، تقع مسؤولية تنفيذ القوانين الجنائية الدولية واتخاذ القرارات بشأن الالتزامات الخارجية على عاتق الحكومة الفيدرالية. وليس لدى السلطات المحلية، بما في ذلك عمدة نيويورك، سلطة مستقلة لتنفيذ أمر اعتقال صادر عن المحكمة الجنائية الدولية.
لهذا السبب، أظهرت المراجعات القانونية للحكومة الحضرية لنيويورك أن البلدية لا يمكنها تنفيذ أمر اعتقال بنيامين نتنياهو، وأن هذه المسؤولية، في حال وجود أساس قانوني، تقع على عاتق المؤسسات الفيدرالية.
من وجهة نظر الخبراء، فإن هذا القيد لا ينبع بشكل أساسي من الوضع القانوني لنتنياهو، بل يعود إلى بنية الدستور الأمريكي. فبموجب هذه البنية، تعتبر السياسة الخارجية وتنفيذ الالتزامات الدولية والتعاون مع المحاكم الأجنبية من اختصاصات الحكومة الفيدرالية، ولا تستطيع الولايات أو الحكومات المحلية التصرف بشكل مستقل في هذا المجال.
من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية ولا تعترف بصلاحيات هذه المحكمة. وبالتالي، فإن أمر المحكمة ليس له قابلية للتنفيذ في حد ذاته على الأراضي الأمريكية.
يمكن ملاحظة الأساس القانوني لهذا القيد في المادة 7423 من الباب 22 من مجموعة قوانين الولايات المتحدة، والتي تعتبر جزءاً من “قانون دعم القوات الأمريكية” الذي تم إقراره عام 2002. يمنع البند “ب” من هذه المادة تعاون المحاكم والمؤسسات الولائية والمحلية مع طلبات المحكمة الجنائية الدولية، ويحظر البند “د” تسليم الأشخاص من الأراضي الأمريكية إلى هذه المحكمة. كما يمنع البند “هـ” من نفس المادة تقديم الدعم من قبل المؤسسات الفيدرالية والولائية والمحلية للمحكمة. لذلك، لا يمكن لشرطة نيويورك، بمجرد الاستناد إلى الأمر الصادر في لاهاي، اعتقال نتنياهو وتسليمه للمحكمة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها عمدة أمريكي عن تنفيذ أمر المحكمة ضد نتنياهو. فقد أعلن عبدالله حمود، عمدة ديربورن في ولاية ميشيغان، في نوفمبر 2024، أنه إذا دخل نتنياهو أو يوآف غالانت إلى حدود المدينة، فسيتم اعتقالهما، ودعا مدناً أمريكية أخرى إلى اتخاذ موقف مماثل.
ومع ذلك، لم يتم اختبار هذا الموقف عملياً لأن نتنياهو لم يدخل ديربورن ولم يتم إجراء أي اعتقال. لذلك، فإن قضية ممداني ليست أول مثال على هذا الادعاء، ولكنها واحدة من الحالات القليلة التي اعترف فيها مسؤول في البلدية صراحة بعد مراجعة قانونية رسمية بعدم امتلاكه سلطة تنفيذ الأمر.
ومع ذلك، فإن إعلان موقف ممداني كشف عن حقيقة مهمة، وهي وجود اختلاف حتى داخل الولايات المتحدة بين السلطات القانونية والمواقف السياسية. لذلك، على الرغم من أن القانون الأمريكي يقيد يد عمدة نيويورك لتنفيذ أمر اعتقال، إلا أن هذا لا يمنع طرح المطلب السياسي لمحاسبة المسؤولين المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
المواجهة التي كشفت الانقسام السياسي الأمريكي
يعتقد الخبراء أن قضية نتنياهو ليست مجرد نزاع قانوني، بل أصبحت أيضاً رمزاً للانقسام السياسي في الولايات المتحدة. فمن جهة، طالب زهران ممداني، مستنداً إلى الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية، بمحاسبة رئيس وزراء النظام الصهيوني، مؤكداً أن نيويورك لا ينبغي أن تستضيف أشخاصاً يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومن جهة أخرى، رفض دونالد ترامب، بدعمه الصريح لنتنياهو، أي إجراء ضده، وأكد على استمرار دعم واشنطن للنظام الصهيوني.
تعكس هذه المواجهة انقساماً أعمق في المشهد السياسي الأمريكي. على مدى الأشهر والسنوات الماضية، أصبحت الحرب على غزة أحد الموضوعات المثيرة للخلاف بين الجمهوريين وجزء من الديمقراطيين، ودعم النظام الصهيوني بلا شروط يواجه انتقادات متزايدة من الأطياف التقدمية والأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان. في مثل هذا المناخ، فإن موقف ممداني، أكثر من كونه مجرد تعبير شخصي، يعكس جزءاً من المطالب السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
يمكن ملاحظة هذا التغيير في المناخ السياسي أيضاً في الرأي العام. أظهرت أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة غالوب أن مستوى تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين قد وصل إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وبين ناخبي الحزب الديمقراطي، تجاوز لأول مرة مستوى التعاطف مع النظام الصهيوني. يشير هذا الاتجاه إلى أن حرب غزة قد غيرت نظرة جزء من المجتمع الأمريكي إلى سياسات تل أبيب.
لهذا السبب، يمكن تقييم رد فعل ترامب الحاد على مواقف ممداني على أنه محاولة للحفاظ على الخطاب التقليدي لدعم النظام الصهيوني، وهو خطاب يواجه تحديات سياسية واجتماعية أكثر من أي وقت مضى داخل الولايات المتحدة. في المقابل، تشير مواقف ممداني إلى أن قضية جرائم غزة لم تعد مجرد موضوع في السياسة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت أيضاً أحد المحاور الرئيسية للمنافسة السياسية واختلاف وجهات النظر داخل هذا البلد.
الرسالة السياسية للمواجهة: أبعد من إمكانية الاعتقال
على الرغم من أن عمدة نيويورك لا يملك سلطة اعتقال نتنياهو من الناحية القانونية، إلا أنه لا ينبغي قياس أهمية موقف ممداني بالمعايير القانونية وحدها. ففي المجال السياسي، يمكن للموقف الرسمي، حتى لو لم يؤد إلى إجراء عملي، أن يترك آثاراً تتجاوز القرار التنفيذي، ويؤثر على الرأي العام والمناخ السياسي.
أظهرت مواقف ممداني أن الدعم غير المشروط للنظام الصهيوني لم يعد يحظى بالإجماع السابق في جزء من الهيكل السياسي الأمريكي. أن يتحدث أحد الشخصيات البارزة في مدينة أمريكية صراحة عن محاسبة رئيس وزراء النظام الصهيوني، يشير إلى أن الرواية الرسمية لواشنطن حول حرب غزة تواجه تحديات خطيرة داخل هذا البلد.
في المقابل، فإن الدعم القاطع من دونالد ترامب لنتنياهو أظهر أن جزءاً مهماً من التيار المحافظ الأمريكي لا يزال يفضل أمن ومصالح النظام الصهيوني على الاعتبارات المتعلقة بحقوق الإنسان والاتهامات الموجهة في المنظمات الدولية. لهذا السبب، لم تقتصر هذه القضية على الخلاف حول تنفيذ حكم قضائي، بل تحولت إلى مواجهة بين رؤيتين حول مكانة القانون الدولي، ومسؤولية الحكومات، وطريقة التعامل مع حرب غزة.
في النهاية، حتى لو لم يتم تنفيذ أمر الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية على الأراضي الأمريكية أبداً، فإن هذه القضية تحمل رسالة واضحة: وهي أن حرب غزة والاتهامات الموجهة ضد مسؤولي النظام الصهيوني لم تعد مجرد قضية في الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءاً من النزاعات السياسية والقانونية في قلب أمريكا أيضاً.
لهذا السبب، يجب تقييم مواجهة ممداني وترامب، أكثر من كونها نزاعاً حول صلاحية قانونية، كدليل على التغيير التدريجي للمناخ السياسي وزيادة ضغط الرأي العام لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب.
