قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

الحرب على إيران تدفع ترامب نحو أدنى مستويات شعبية قبل انتخابات التجديد النصفي

كشفت أحدث استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة عن تراجع حاد في شعبية الرئيس دونالد ترامب، حيث أصبحت الحرب المستمرة مع إيران عبئاً سياسياً واقتصادياً ثقيلاً، مما يهدد مستقبل الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الحرب التي شنتها الإدارة الأمريكية بهدف إظهار القوة، واستعادة الردع، وتعزيز موقع دونالد ترامب الداخلي، أصبحت الآن أحد أكبر التحديات السياسية للرئيس الأمريكي. فما كان يُفترض أن يقدّم صورة عن قوة واشنطن وقيادة ترامب الحازمة في السياسة الخارجية، يكشف اليوم أكثر من أي شيء آخر عن تكاليفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة. وكلما طال أمد الحرب ضد إيران، ظهرت آثارها أكثر في استطلاعات الرأي، والرأي العام، والمستقبل السياسي للحزب الجمهوري، بدلاً من أن تكون حاسمة في ميدان المعركة.

قبل أقل من مائة يوم من الانتخابات النصفية الأمريكية، تُظهر أحدث استطلاعات الرأي الموثوقة أن ترامب يواجه أصعب فترة سياسية له منذ عودته إلى البيت الأبيض، وهي ظروف يرى فيها العديد من المحللين الأمريكيين أنها نتيجة متزامنة للحرب الفاشلة مع إيران، وزيادة التكاليف الاقتصادية، والاستياء المتزايد للمجتمع الأمريكي من أولويات الحكومة.

تراجع شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها

تُظهر نتائج أحدث استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك انخفاض نسبة تأييد أداء دونالد ترامب إلى 32%، وهو رقم يُعد من أدنى مستويات شعبية الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة. في الوقت نفسه، أعلن استطلاع لشبكة سي إن إن أن شعبية الرئيس الأمريكي لا تتجاوز 34%.

ولعل الأهم من هذه الأرقام هو رد الأمريكيين على سؤال رئيسي: هل يركز ترامب على القضايا الصحيحة؟ في استطلاع كوينيبياك، اعتقد 29% فقط، وفي استطلاع سي إن إن 27% فقط من المشاركين أن الرئيس يتبع الأولويات الصحيحة. بعبارة أخرى، يعتقد حوالي سبعة من كل عشرة أمريكيين أن الحكومة تسلك مساراً خاطئاً.

ويؤكد كريس هايز، المحلل الأمريكي المعروف، في إشارة إلى هذه النتائج، أن الحزب الجمهوري يواجه “مشكلة حقيقية” عشية الانتخابات. ووفقاً له، فإن ترامب يتمتع الآن بشعبية أقل حتى من فترة ما بعد أحداث السادس من يناير، وأصبحت الحرب الطويلة مع إيران أحد الأسباب الرئيسية لهذا الانحدار.

حرب خلقت أزمة بدلاً من إظهار القوة

تصورت إدارة ترامب أن الدخول في حرب مع إيران يمكن أن يؤدي، كما حدث في بعض المراحل التاريخية، إلى زيادة الدعم الشعبي للرئيس. لطالما حاول الرؤساء الأمريكيون الاستفادة من النجاحات العسكرية لتعزيز مواقعهم الداخلية، لكن هذه المرة اختلفت المعادلة.

لم تؤد الحرب ضد إيران إلى انتصار سريع ومنخفض التكلفة كما كان يتوقع البيت الأبيض، بل تحولت إلى صراع استنزافي تتزايد تكاليفه يوماً بعد يوم على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي. أدت زيادة التكاليف العسكرية، والضغط على ميزانية الحكومة، والقلق من اتساع نطاق الحرب، واستمرار الهجمات المتبادلة، والآفاق غير الواضحة لنهاية الصراع، إلى اعتبار جزء كبير من الرأي العام الأمريكي هذه الحرب ليست ضرورة أمنية، بل عبئاً إضافياً على اقتصادهم وحياتهم اليومية.

بالتزامن مع استمرار الحرب، أصبحت الضغوط الاقتصادية أيضاً أحد أهم هموم المجتمع الأمريكي. التضخم، وارتفاع تكلفة المعيشة، والقلق بشأن المستقبل الاقتصادي، وتخصيص مليارات الدولارات لمواصلة العمليات العسكرية، جعلت العديد من المواطنين الأمريكيين متشككين في أولويات الحكومة.

في ظل هذه الظروف، يتوقع الناخبون من الحكومة أن تركز مواردها على السيطرة على التضخم، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وحل المشاكل الداخلية، بدلاً من السعي وراء استعراض القوة العسكرية في الشرق الأوسط.

لهذا السبب، لم تعد الحرب الإيرانية بالنسبة للعديد من الأمريكيين مسألة سياسة خارجية فحسب، بل أصبحت قضية تؤثر بشكل مباشر على معيشتهم ومستقبلهم الاقتصادي.

فشل استراتيجية “العلم الوطني”

أحد الحسابات التقليدية للسياسيين الأمريكيين هو أن المجتمع يتحد حول الرئيس في أوقات الحرب، وتتضاءل الخلافات السياسية، وهي ظاهرة تعرف في الأدبيات السياسية الأمريكية بـ “التجمع حول العلم الوطني”.

لكن نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر أن هذا النمط لم يتحقق في حرب إيران. لم يزد الدعم الشعبي لترامب فحسب، بل أصبحت استمرار الحرب أحد أهم عوامل تراجع شعبيته.

يشير هذا التطور إلى أن المجتمع الأمريكي، على عكس بعض الحروب السابقة، يرى أن هذا الصراع يفتقر إلى إنجاز واضح ويحمل تكاليف باهظة. من وجهة نظر العديد من الناخبين، لم تتمكن الحكومة من تقديم تفسير مقنع لأهداف هذه الحرب وتكاليفها وموعد نهايتها.

لا يمثل انخفاض شعبية ترامب تحدياً شخصياً للرئيس فحسب، بل يمكن أن تكون له تداعيات واسعة على الحزب الجمهوري.

مع بقاء أقل من مائة يوم على الانتخابات النصفية، سيضطر العديد من المرشحين الجمهوريين إلى التنافس في بيئة أصبح فيها أداء الحكومة والحرب الإيرانية محوراً رئيسياً للدعاية الانتخابية.

إذا استمر الاتجاه الحالي، فمن المرجح أن يحاول الديمقراطيون جعل الحرب وتكاليفها الاقتصادية وتراجع شعبية الحكومة المحور الأهم للمنافسة الانتخابية، وهو ما يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على تشكيل الكونغرس المستقبلي وقدرة الحكومة على دفع أجندتها.

عودة تكاليف الحرب إلى واشنطن

كانت إحدى سمات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية خلال العقود الماضية هي محاولة إبقاء عواقب الحرب بعيدة عن داخل البلاد. طالما سعت واشنطن إلى إدارة الحروب خارج حدودها ونقل تكاليفها المباشرة إلى مناطق أخرى.

لكن الحرب الأخيرة أظهرت أنه على الرغم من أن ميدان المعركة يبعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأمريكية، فإن تداعياتها السياسية والاقتصادية تعود مباشرة إلى واشنطن. اليوم، لم يعد ميدان المعركة الرئيسي في الشرق الأوسط فحسب، بل يتشكل أيضاً في الرأي العام الأمريكي والفضاء السياسي لهذا البلد.

في الواقع، فإن التكاليف التي كان من المفترض أن تبقى خارج حدود الولايات المتحدة، عادت الآن إلى البيت الأبيض في شكل انخفاض شعبية الرئيس، وزيادة الاستياء الاجتماعي، وصعوبة مسار الجمهوريين في الانتخابات.

ترامب أمام اختيار صعب

يواجه الرئيس الأمريكي الآن مفترق طرق هام. استمرار الحرب يمكن أن يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة ويسرّع وتيرة انخفاض شعبيته. من ناحية أخرى، قد يُفسّر الانسحاب أو التحرك نحو خفض التوتر على أنه تراجع عن شعارات ترامب الانتخابية من قبل جزء من مؤيديه. ومع ذلك، تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الرأي العام الأمريكي، أكثر من أي وقت مضى، يرغب في خفض تكاليف الحرب والتركيز على حل المشاكل الداخلية.

من هذا المنظور، لم تعد الحرب ضد إيران مجرد ملف سياسة خارجية، بل أصبحت متغيراً حاسماً في المعادلات الداخلية الأمريكية. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد لا تكون أكبر تكلفة لهذه الحرب في ميدان المعركة، بل في صناديق الاقتراع والمستقبل السياسي لدونالد ترامب والحزب الجمهوري، حيث يمكن أن تؤثر نتيجتها على مسار السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية في السنوات المقبلة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى