قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

أمريكا تسيطر على عائدات نفط فنزويلا بعد تدخل عسكري

كشفت وكالة ‘مهر’ الإخبارية الإيرانية أن التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا عام 2026 لم يقتصر على تغيير النظام، بل أتاح لواشنطن السيطرة على صادرات النفط وإيراداته، مما أثار تساؤلات حول حوكمة ثروات البلاد الوطنية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التدخل العسكري الأمريكي العدواني في فنزويلا في 3 يناير 2026، والذي أسفر عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، لم يكن مجرد تدخل سياسي وعسكري ضد سيادة البلاد، بل مهد الطريق لنهب واشنطن وسيطرتها على صادرات النفط، ومسارات تحويل الإيرادات، بل وحتى كيفية وصول كاراكاس إلى ثروتها الوطنية.

تتحدث إدارة دونالد ترامب الآن عن بيع مليارات الدولارات من نفط فنزويلا، بينما تظل آلية الاحتفاظ بهذه الإيرادات وإنفاقها غامضة، ولا تقدم حتى الجهات الرقابية الأمريكية صورة واضحة عنها.

من وجهة نظر الخبراء، فإن ما تبرره واشنطن بادعاء تنظيم اقتصاد فنزويلا، تحول عمليًا إلى نموذج من التدخل، حيث تضع القوة الخارجية، بعد إزالة الهياكل السياسية لدولة ما، تحت سيطرتها أيضًا تدفق إيراداتها الاستراتيجية، مما يفرغ مفهوم السيادة الوطنية من الداخل.

كيف سيطرت أمريكا على إيرادات فنزويلا النفطية؟

لم تقتصر التطورات في فنزويلا عام 2026 على التغييرات السياسية فحسب، بل أصبحت نقطة انطلاق لسيطرة أمريكا على أهم مصادر ثروة البلاد. وفقًا لتقارير منشورة، استحوذت واشنطن، بعد اتخاذ إجراءات عدائية ضد حكومة كاراكاس، على مسار صادرات نفط فنزويلا، وأنشأت آلية لمرور الإيرادات الناتجة عن مبيعات النفط، بدلاً من دخولها مباشرة إلى خزينة البلاد، عبر قنوات مالية تحت إدارة ورقابة أمريكية. وصف منتقدون هذا المسار بأنه مثال على نهب الموارد الطبيعية لدولة مستقلة بعد تدخل خارجي.

في استمرار لهذا الاتجاه، أصدرت الحكومة الأمريكية تراخيص خاصة سمحت لبعض شركات النفط التجارية الكبرى بالعمل في صادرات نفط فنزويلا، واستحوذت على إدارة مبيعات جزء كبير من نفط البلاد. في الوقت نفسه، أعلن ترامب أن عائدات بلغت أكثر من 13 مليار دولار قد تحققت من مبيعات نفط فنزويلا؛ وهي إيرادات، حسب ادعائه، تم الحصول عليها بعد وضع الأصول النفطية لفنزويلا تحت السيطرة الأمريكية. هذه التصريحات طرحت أبعادًا مالية لهذه الآلية علنًا لأول مرة.

تزامنت الزيادة في السيطرة الأمريكية على صادرات النفط مع اتجاه تصاعدي في إنتاج نفط فنزويلا. تشير الإحصاءات المنشورة إلى أن الإنتاج اليومي للبلاد زاد من حوالي 820 ألف برميل في يناير 2026 إلى حوالي مليون و 230 ألف برميل في يونيو 2026. هذه الزيادة في الإنتاج، على الرغم من أنها زادت من قدرة التصدير، لم تعنِ عودة عائدات النفط إلى حكومة فنزويلا، لأن الجزء الأكبر من الإيرادات الناتجة عن هذه الزيادة في الإنتاج تمت إدارته في آلية مالية صممتها أمريكا.

بهذه الطريقة، ما يُطرح ظاهريًا كزيادة في الإنتاج وازدهار صادرات نفط فنزويلا، رافقه عمليًا نقل السيطرة على تدفق عائدات النفط من كاراكاس إلى واشنطن. لذلك، لم تعد القضية الرئيسية مجرد كمية النفط المنتجة أو قيمة صادراتها، بل يطرح السؤال: في يد أي جهة تقع الثروة الناتجة عن الموارد الطبيعية لفنزويلا، ومن يقرر كيفية إنفاقها؟

غموض مصير عائدات النفط؛ إلى أين تذهب مليارات الدولارات من نفط فنزويلا؟

على الرغم من أن الحكومة الأمريكية تدعي أن السيطرة على مبيعات نفط فنزويلا تمت بهدف تنظيم صناعة الطاقة في البلاد، إلا أن ما يلفت انتباه المراقبين أكثر من أي شيء آخر هو الافتقار إلى الشفافية بشأن مكان الاحتفاظ بإيرادات هذه الصادرات وكيفية إنفاقها.

لم تنشر واشنطن حتى الآن تقريرًا شاملاً عن المبلغ الدقيق لإيرادات النفط، وحسابات مكان الاحتفاظ بهذه الموارد، وكيفية تخصيصها؛ وهي قضية واجهت انتقادات حتى داخل أمريكا من بعض المراكز البحثية وممثلي الكونغرس.

وفقًا لوثائق وتقارير منشورة، أنشأت إدارة ترامب، بموجب الأمر التنفيذي رقم 14373، آلية مالية خاصة لإدارة الأصول النفطية لفنزويلا. في إطار هذه الآلية، تم تحويل الإيرادات الناتجة عن مبيعات النفط أولاً عبر حسابات خارج فنزويلا، ثم تم نقل إدارتها إلى حسابات تحت تصرف وزارة الخزانة الأمريكية. في بعض الأحيان، تم إدارة جزء من هذه الموارد عبر حساب في قطر، لكن لم يتم نشر أي تقرير عام حتى الآن حول تفاصيل المعاملات، أو الأرصدة، أو كيفية إنفاق هذه الموارد.

لا تقتصر الشكوك على الحسابات المالية فقط. تشير التقارير المقدمة إلى الكونغرس الأمريكي إلى أن بعض المسؤولين لم يكونوا على دراية دقيقة بكمية الموارد المتبقية في هذه الحسابات.

في الوقت نفسه، لم تنشر واشنطن حتى الآن نصوص الاتفاقيات المبرمة مع شركات النفط والبنوك والوسطاء التجاريين، بينما تلعب هذه الشركات نفسها دورًا رئيسيًا في مبيعات نفط فنزويلا. استمرار نشاط شركات مثل “ترافيجورا” و “فيتول”، التي لديها سجل في قضايا فساد مالي، زاد من نطاق هذه الشكوك.

في ظل هذه الظروف، فإن القضية لا تقتصر على السيطرة على إدارة عائدات النفط الفنزويلي، بل إن غياب أي آلية شفافة لمراقبة مليارات الدولارات من الثروة الوطنية لفنزويلا يثير هذا السؤال: هل يمكن إدارة موارد دولة مستقلة دون مساءلة عامة وخارج نطاق رقابة مؤسساتها القانونية؟

هذا الغموض نفسه حول قضية نفط فنزويلا قد تجاوزت كونها مجرد قضية اقتصادية، وحولتها إلى أحد أكثر الأمثلة جدلاً في نزاع حول ملكية ومراقبة الموارد الطبيعية في النظام الدولي.

نموذج أمريكا الجديد للسيطرة على الموارد الاستراتيجية؛ نهب النفط أم إعادة تعريف السيادة؟

لا يمكن تحليل قضية نفط فنزويلا فقط في إطار خلاف سياسي بين واشنطن وكاراكاس. ما يحدث اليوم في هذه البلاد أصبح اختبارًا لقياس أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وهو “السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية”.

يؤكد هذا المبدأ، الذي تم ترسيخه في قرارات الأمم المتحدة منذ الستينات، أن لكل شعب الحق في اتخاذ القرارات بشأن موارده الطبيعية واستخدام الإيرادات الناتجة عنها في مسار التنمية الوطنية. ومع ذلك، فإن المسار الجاري حاليًا في فنزويلا يظهر أن السيطرة الفعلية على موارد بلد ما، دون نقل رسمي للملكية، يمكن أن تخرج عن نطاق سلطة حكومته.

في هذا السياق، لا يعد النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة لممارسة القوة الجيوسياسية. من خلال الاستيلاء على مسار التصدير، والشبكات المالية، والتراخيص التجارية، وآلية تحصيل عائدات النفط، وضعت أمريكا عمليًا سلسلة قيمة صناعة النفط الفنزويلي تحت نفوذها.

في ظل هذه الظروف، لا يؤدي حتى زيادة إنتاج النفط بالضرورة إلى تعزيز القدرة الاقتصادية لحكومة فنزويلا، لأن الإيرادات الناتجة عن هذا الإنتاج، قبل أن تُستخدم في إعادة بناء اقتصاد البلاد، تتم إدارتها في آليات خارجة عن سيطرة المؤسسات الوطنية الفنزويلية.

لهذا السبب، يعتقد العديد من المحللين أن شكلاً جديدًا من الهيمنة على الموارد الطبيعية آخذ في الظهور، والذي يعتمد، أكثر من احتلال الأراضي، على السيطرة على تدفق الإيرادات والأدوات المالية.

عواقب هذا المسار لا تقتصر على حدود فنزويلا. إذا أصبح هذا النموذج سلوكًا قابلاً للتكرار، فإن أي بلد يمتلك موارد استراتيجية قد يواجه خطر نقل السيطرة الفعلية على ثروته الوطنية في ظروف الأزمة السياسية أو الضغط الخارجي؛ وضع يتم فيه الاحتفاظ بالملكية القانونية للموارد للبلد صاحب المورد، ولكن سلطة البيع، وتحصيل الإيرادات، وحتى اتخاذ القرارات بشأن كيفية إنفاقها، تقع في يد الجهات الخارجية.

يمكن لمثل هذا المسار أن يواجه مفهوم الاستقلال الاقتصادي بتحدٍ خطير، ويوسع اعتماد الدول من المستوى العسكري والسياسي إلى مجال الموارد الحيوية والإيرادات الوطنية. من هذا المنظور، فإن ادعاء كسب 13 مليار دولار من مبيعات نفط فنزويلا ليس مجرد إعلان رقم اقتصادي، بل هو رمز لنقل سلطة استغلال ثروة أمة إلى قوة خارجية.

عندما تتمكن دولة ما، بعد التدخل، من إدارة صادرات الموارد الاستراتيجية لدولة أخرى، وتحصيل إيراداتها، واتخاذ القرارات بشأن كيفية تخصيصها، فإن القضية لم تعد مجرد نفط فنزويلا، بل إن مبدأ سيادة الدول على الموارد الوطنية وحدود التدخل في النظام الدولي تواجه تحديًا أساسيًا؛ تحديًا ستؤثر عواقبه على مستقبل العديد من الدول ذات الموارد الاستراتيجية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى