إدارة ترامب تعود إلى ضغوط اقتصادية قديمة ضد إيران وسط تشكيك الخبراء
![[object Object] /إيران , الولايات المتحدة , ترامب , عقوبات , ضغوط اقتصادية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/08/webangah-518737c2e156a8f088fde9660eed7e706a930345e29a9a38b08dce3edae793fb.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، يرى خبراء أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، بعد ستة أشهر من بدء الحرب، لا تمثل استراتيجية جديدة بل عودة إلى مسار قديم لم يفلح في إخضاع طهران. فبينما بدأت إدارة دونالد ترامب الحرب باعتقاد أن الضغط العسكري سيحقق تسليماً سريعاً، فإن الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة أعاد العقوبات والضغوط الاقتصادية إلى صدارة السياسة الأمريكية.
يمثل هذا التحول أحد أبرز مؤشرات المأزق الاستراتيجي لواشنطن أمام إيران. ففي بداية الحرب، ركزت تصريحات إدارة ترامب على تحقيق نصر سريع وفرض الإرادة الأمريكية، مع توقع إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على قبول مطالب واشنطن. لكن طول أمد النزاع واستمرار المقاومة الإيرانية كشفا أن المعادلات لم تسر كما هو مخطط لها في واشنطن.
ويدعو ترامب الآن إلى «أشد العمليات الاقتصادية» ضد إيران، وهي سياسة تهدف إلى الضغط على الاقتصاد الإيراني من خلال استهداف الشبكات المالية والشركات والحكومات ومسارات النفط والعملات وحتى تسجيل السفن.
لكن السؤال الجوهري يطرح نفسه: إذا كان الضغط العسكري لم ينجح في إجبار إيران على الاستسلام، فلماذا تتوقع واشنطن أن تكرار سياسة اقتصادية مطبقة منذ عقود سيؤدي إلى نتيجة مختلفة؟
العودة إلى سياسة مجربة سابقاً
تقرير شبكة CGTN الصينية حول استراتيجية ترامب الجديدة يركز على هذا الشك بالضبط. تؤكد هذه الوسيلة الإعلامية، في تحليلها لـ«الحرب الاقتصادية لترامب ضد إيران»، أن العديد من الإجراءات الأمريكية الجديدة هي في الواقع استمرار لسياسات تم تنفيذها في السنوات الماضية.
على مدى عقود من العقوبات، أنشأت إيران شبكات مختلفة لمواجهة القيود المالية والتجارية. وبالتالي، فإن العقوبات الجديدة لا تمثل بالضرورة أداة جديدة، بل في كثير من الحالات زيادة في شدة استخدام أداة قديمة.
حتى لو تمكنت هذه الضغوط من فرض تكاليف على الاقتصاد الإيراني، فإن المشكلة الأساسية للولايات المتحدة تظل قائمة: نجاح العقوبات سياسياً يتطلب تغيير سلوك الطرف الآخر. وحتى الآن، لا توجد أدلة واضحة على أن زيادة الضغط الاقتصادي وحده يمكن أن يجبر طهران على قبول مطالب واشنطن.
روبرت مالي، الممثل الأمريكي السابق لشؤون إيران، حذر بدوره من هذا المنطق تحديداً. ووصف فكرة أن «إذا لم ينجح الضغط الاقتصادي، فإن المزيد من الضغط الاقتصادي سينجح بالتأكيد» بأنها خادعة ومغالطة.
تكتسب هذه التصريحات أهميتها لأن الانتقادات لسياسة ترامب لا تأتي فقط من معارضين خارجيين، بل يشكك أيضاً بعض الخبراء والشخصيات السياسية الأمريكية في فعالية هذا النهج.
المزيد من العقوبات لا يعني بالضرورة المزيد من النتائج
تعتبر لورا روزن، الصحفية الأمريكية، العقوبات الجديدة بمثابة إجراء لإظهار أن واشنطن لا تزال تفعل شيئاً لتجنب اللجوء مرة أخرى إلى التصعيد العسكري.
إذا كان هذا التفسير صحيحاً، فيجب النظر إلى «الحرب الاقتصادية» التي يشنها ترامب على أنها محاولة لإدارة مأزق، وليس مبادرة استراتيجية. مأزق لا يمكن فيه لأمريكا تحقيق أهدافها العسكرية بسهولة، ولا ترغب في قبول الهزيمة أو الاعتراف بقيودها.
في مثل هذه الظروف، يبدو الضغط الاقتصادي أداة أقل تكلفة من الحرب المباشرة. لكن هذه الأداة ليست بلا تكلفة.
حذر السيناتور الديمقراطي الأمريكي جاك ريد من أن إيران مؤثرة في سوق الطاقة العالمي ولن تصمت أمام الضغط الشديد. ويرى أن زيادة الضغط على طهران قد يؤدي إلى ردود فعل إقليمية.
تسلط هذه النقطة الضوء على أحد التناقضات الأساسية في سياسة ترامب. تسعى واشنطن إلى زيادة تكلفة الضغط على إيران، لكن إيران بدورها يمكنها نقل جزء من هذه التكلفة إلى أمريكا وحلفائها والأسواق العالمية. ونتيجة لذلك، فإن الضغط الاقتصادي ليس بالضرورة طريقاً أحادي الاتجاه.
التهديد ضد الصين؛ الحلقة الأضعف في استراتيجية ترامب
إحدى المشكلات الرئيسية لسياسة ترامب الجديدة هي مسألة تنفيذها الفعلي على المستوى الدولي. هددت واشنطن بمعاقبة الدول والمؤسسات التي تساعد إيران في المجالات المالية والنفطية والتجارية. لكن تنفيذ مثل هذه السياسة يصبح ممكناً فقط إذا تمكنت أمريكا من إقناع الشركاء الاقتصاديين الكبار لإيران بالتعاون.
في هذا الصدد، أعرب آرنولد برنارد، المحلل الفرنسي، عن شكه في إمكانية التنفيذ الفعلي للعقوبات ضد الصين. ويذكر أن أمريكا حاولت سابقاً استهداف بعض مصافي التكرير الصينية التي تشتري النفط الإيراني، لكن رد فعل بكين والتكاليف المحتملة لمعاقبة المؤسسات المالية الصينية الكبرى جعلت التنفيذ الجاد لهذه السياسة صعباً.
تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة. فالقضية الأولى هي عقوبات إيران، ومحاولة فرضها على الصين قضية مختلفة تماماً. إذا اضطرت واشنطن لتنفيذ سياستها الجديدة إلى استهداف البنوك والمؤسسات المالية الصينية الكبرى، فإن المسألة لن تعود مجرد «ضغط على إيران»، بل قد تتحول إلى أزمة اقتصادية ومالية بين أكبر قوتين في العالم.
لهذا السبب، فإن مزاعم «أشد العمليات الاقتصادية» تصطدم بالواقع عندما تريد أمريكا تنفيذ تهديداتها.
تهديدات جوفاء أم بداية أزمة جديدة؟
وصف السفير الأمريكي السابق في الأراضي المحتلة تهديدات ترامب بأنها «ضجيج وهراء» في الغالب، وقال إن الأدوات المتاحة لهذا الإجراء قليلة ولا يمكن استخدامها دون تحمل إجراءات انتقامية ضد أمريكا.
وفي الوقت نفسه، أكد أنه حتى لو كانت تهديدات واشنطن جادة، فإن إيران مستعدة لتحمل التكاليف والضغوط، ولديها أدوات يمكن استخدامها لفرض تكاليف على أمريكا وشركائها والاقتصاد العالمي. هذا التصريح يسلط الضوء على حقيقة مهمة: الضغط على إيران لا يحدث في فراغ. إيران ليست مجرد اقتصاد خاضع للعقوبات؛ بل هي دولة ذات موقع طاقوي مهم، وجغرافيا استراتيجية، وشبكة من العلاقات الإقليمية. وكلما زاد الضغط الأمريكي، زاد احتمال الرد بالمثل، وهذا ما يمكن أن يزيد من تكاليف سياسة ترامب.
شبكة CNN تعترف بحرب استنزاف
أكدت شبكة CNN في تحليلها للاستراتيجية الجديدة لترامب أن نجاح الحرب الاقتصادية ضد إيران يتطلب شهوراً أو حتى سنوات من الضغط المستمر ودعم الصين وأوروبا ودول المنطقة. ربما تكون هذه النقطة هي الفرق الأهم بين وعود ترامب الأولية والوضع الحالي.
الحرب التي كان من المفترض أن تكون سريعة، طالت. والضغط العسكري الذي كان من المفترض أن يجبر إيران على الاستسلام، وصل إلى طريق مسدود. والآن، السياسة التي كان من المفترض أن تحل محل الحرب، تتطلب نفسها عملية استنزاف تمتد لسنوات. هذه الفجوة بين الوعد والواقع هي نقطة الضعف الأهم في سياسة ترامب تجاه إيران.
في بداية الحرب، تحدثت واشنطن عن تغيير سريع في المعادلات؛ أما اليوم، فيتم الحديث عن ضغط مستمر لأشهر بل لسنوات لتحقيق أهداف اقتصادية. هذا التغيير في الخطاب يشير بحد ذاته إلى مدى ابتعاد الحسابات الأمريكية الأولية حول قدرة وإرادة إيران عن الواقع.
سياسة جديدة أم اعتراف بالفشل؟
في النهاية، لا يمكن تحليل سياسة ترامب الاقتصادية الجديدة بمعزل عن نتيجة الحرب العسكرية. لو نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها العسكرية، لما كان هناك داعٍ أساساً لإعلان «عملية اقتصادية» واسعة وجديدة. العودة إلى عقوبات أشد في الظروف الحالية تشير إلى أن الأداة العسكرية لم تحقق النتيجة السياسية المتوقعة لواشنطن.
بالطبع، يمكن للعقوبات أن تفرض تكاليف على إيران وتزيد الضغط على الاقتصاد وسوق الطاقة. لكن فرض تكلفة اقتصادية يختلف عن تحقيق انتصار سياسي.
يجرب ترامب الآن نسخة طبقتها إدارات أمريكية متعددة قبلها ضد إيران. العقوبات الواسعة، أقصى درجات الضغط، التهديد الثانوي، ومحاولة قطع ارتباط إيران بالاقتصاد العالمي، كلها أمور جربت مراراً.
لذلك، فإن القضية الرئيسية ليست ما إذا كانت أمريكا يمكنها زيادة الضغط؛ بل يمكنها ذلك. القضية هي ما إذا كان هذا الضغط المتزايد يمكنه تحقيق الهدف الذي فشلت فيه الضغوط العسكرية؟ يبدو أن واشنطن، بعد ستة أشهر، لم تعد باستراتيجية جديدة، بل بنسخة أشد من نفس السياسة القديمة؛ سياسة جربت لعقود لكنها لم تنجح في إخضاع إيران. بهذا المعنى، فإن «الحرب الاقتصادية» التي يشنها ترامب، أكثر من كونها علامة على قوة أمريكية جديدة، يمكن أن تكون علامة على تضييق خياراتها أمام إيران؛ تكرار لنفس الضغط الذي كان من المفترض أن يجبر طهران على الاستسلام، لكنه الآن، بعد الفشل في الميدان العسكري، أصبح الأداة الرئيسية لواشنطن مرة أخرى.
