أفغانستان وإيران وآسيا الوسطى: سباق على إعادة تشكيل ممرات الترانزيت الأوراسية
![[object Object] /أفغانستان , آسيا الوسطى , إيران , ترانزيت , ممرات تجارية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/08/webangah-80cefcbe3f62e08ad1aac16f1395424caceaf0415d4bf4b968cddd6b63c5fc36.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التحولات الأخيرة في أفغانستان تشير إلى تغير في مكانة البلاد على الساحة الإقليمية. فبعد عقود من التركيز على قضايا الأمن والإرهاب والتطرف والهجرة وتهريب المخدرات، اكتسبت أفغانستان بعداً جديداً لأهميتها الجيوسياسية: دورها المحتمل كعقدة ترانزيت تربط آسيا الوسطى بجنوب آسيا، وصولاً إلى الممرات المؤدية إلى المحيط الهندي.
تسعى أفغانستان لتصبح مركزاً جديداً للاتصالات الترانزيتية في منطقة أوراسيا، ونقطة ربط بين آسيا الوسطى وجنوب القارة. ولتحقيق ذلك، تعتمد كابل لغة التعاون الاقتصادي والترانزيت والطاقة والأمن لتعزيز تفاعلها مع دول آسيا الوسطى، وبالتالي تحسين موقعها السياسي. وقد بلغت التجارة الأفغانية مع دول آسيا الوسطى حوالي 2.7 مليار دولار في عام 2025، وتستهدف كابل زيادتها إلى 10 مليارات دولار خلال ثلاث إلى أربع سنوات.
لهذا التطور أهمية بالغة لإيران، فإذا تشكلت شبكات الترانزيت الجديدة في أفغانستان وآسيا الوسطى، يمكن لإيران أن تحتل موقعاً محورياً في أهم الممرات البديلة، أو أن تخسر جزءاً من قدرتها لصالح منافسيها الإقليميين في حال فشلها في تطوير بنيتها التحتية ودبلوماسيتها الترانزيتية. القضية الأساسية لطهران لا تتعلق بأفغانستان فحسب، بل بالتنافس على المسار الذي سترتبط عبره آسيا الوسطى بالمياه الحرة، وجنوب آسيا، والخليج الفارسي، والقوقاز، وأوروبا.
أفغانستان: من دولة عازلة إلى دولة رابطة
تمنح جغرافية أفغانستان موقعاً فريداً. فهي تقع بين آسيا الوسطى وجنوبها، ويمكنها الاتصال بالخليج الفارسي وبحر عمان عبر إيران. وبالتالي، فإن تطوير شبكات النقل في أفغانستان يمكن أن يغير وضعها من دولة حبيسة إلى دولة رابطة.
في قمة ترمذ التي عقدت في يونيو الماضي في طشقند، عاصمة أوزبكستان، نوقشت مشاريع الربط بين أفغانستان وآسيا الوسطى ليس فقط كخطط ثنائية، بل كجزء من عملية ربط منطقتين فرعيتين كبيرتين في آسيا. لا تهدف هذه المشاريع فقط إلى منح آسيا الوسطى وصولاً إلى جنوب القارة والمحيط الهندي، بل تطرح أيضاً إمكانية حركة البضائع من جنوب آسيا باتجاه آسيا الوسطى، وبحر قزوين، والقوقاز، وأوروبا.
هذا التطور مهم جداً لإيران، ففي حال اكتمال هذه الشبكة، يمكن لأفغانستان أن تعمل في عدة اتجاهات في آن واحد: الارتباط بباكستان والهند جنوباً، وآسيا الوسطى شمالاً، وإيران غرباً، والصين عبر شبكات آسيا الوسطى شرقاً.
لذلك، تتحول أفغانستان لتصبح مفترق طرق ترانزيتي محتمل، لكن هذا المفترق لا يعني بالضرورة استبعاد إيران. بل على العكس، يمكن أن يشكل فرصة لإيران، شريطة أن تساهم طهران في تصميم وربط هذه الشبكات.
لماذا تسعى آسيا الوسطى لمسارات جديدة؟
تواجه دول آسيا الوسطى، وخاصة أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، مشكلة مشتركة: كونها حبيسة وعدم اعتمادها على ممرات ترانزيت لدول أخرى.
لذلك، اتجهت سياسات دول آسيا الوسطى في السنوات الأخيرة نحو تنويع مسارات التصدير والاستيراد. وأكد مسؤولون أوزبكستانيون في قمة ترمذ على إنشاء شبكة مرنة ومتعددة المسارات للوصول إلى الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، حظيت مسارات أفغانستان وإيران، إلى جانب مسارات بحر قزوين والقوقاز، باهتمام كبير.
بالنسبة لآسيا الوسطى، ليست القضية مجرد خفض تكاليف النقل، بل إن تقليل الاعتماد الجيوسياسي له أهمية كبيرة أيضاً. كلما زادت عدد ممرات الترانزيت التي يمكن للدولة الوصول إليها، قلت قابليتها للتأثر بالتحولات السياسية والعقوبات وإغلاق الحدود والأزمات الإقليمية.
من هذا المنطلق، أدت الأزمة في العلاقات الأفغانية الباكستانية والاشتباكات المتكررة على الحدود بين البلدين إلى زيادة دافع كابل لاستخدام مسارات بديلة. في عام 2025، أظهرت التجارة الأفغانية، على الرغم من الإغلاقات المتكررة للحدود الباكستانية، زيادة ملحوظة عبر إيران ودول آسيا الوسطى، وعوضت مسارات إيران وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان جزءاً من انخفاض الاعتماد على المسار الباكستاني.
تشابهار: ورقة إيران الاستراتيجية
في غضون ذلك، يعد ميناء تشابهار ورقة رابحة لإيران. فلتشابهار ميزة أساسية لدول آسيا الوسطى: إمكانية الوصول إلى المحيط الهندي دون المرور عبر باكستان. وقد أبدت أوزبكستان، وهي دولة حبيسة بنفسها، اهتماماً خاصاً بهذا المسار. تشابهار هو أحد الخيارات الرئيسية لربط آسيا الوسطى بالهند والمياه الحرة، بل تم طرح فكرة إنشاء مسار متعدد الوسائط يربط أوزبكستان وتركمانستان وإيران والهند، مستفيداً من إمكانيات ميناء تشابهار.
يمنح هذا الأمر إيران ميزة كبيرة جداً. فإذا تمكنت بضائع أوزبكستان وكازاخستان ودول آسيا الوسطى الأخرى من الوصول إلى إيران عبر السكك الحديدية أو الطرق، ومن ثم إلى تشابهار، فلن تكون إيران مجرد وجهة للبضائع، بل مقدمة لخدمات الترانزيت.
تزداد أهمية هذه المسألة عندما يتصل مسار أفغانستان بشبكة تشابهار. اتفاق تشابهار بين إيران والهند وأفغانستان، تم تصميمه أساساً لتسهيل نقل البضائع وصولاً إلى الأسواق الدولية عبر ميناء تشابهار. ويربط مسار زرنج-دلارام البري تشابهار بشبكة الطرق الأفغانية. وهذا الطريق، المعروف أيضاً باسم الطريق 606، هو طريق مزدوج بطول 217 كيلومتراً، قامت الهند ببنائه في أفغانستان، ويربط دولارام في ولاية فراه بـ زرنج في ولاية نيمروز الأفغانية، بالقرب من الحدود الإيرانية.
ونتيجة لذلك، تتشكل سلسلة محتملة من آسيا الوسطى إلى أفغانستان وإيران والهند. وإذا اكتملت هذه السلسلة، يمكن لإيران أن تحتل موقعاً محورياً في واحدة من أهم شبكات التجارة من الشمال إلى الجنوب في آسيا.
إيران – أفغانستان: منافس أم مكمل لمسار ترانس-أفغان؟
من أهم التطورات الحالية هو التنافس بين عدة مسارات لربط آسيا الوسطى بالمياه الحرة. تدعم أوزبكستان من جهة مسار ترمذ (أوزبكستان) – مزار شريف (أفغانستان) – كابل – بيشاور (باكستان). هذا المسار، في حال اكتماله، سيربط آسيا الوسطى عبر أفغانستان بموانئ باكستان.
في الوقت نفسه، تتبع تركمانستان مسار تورغندي (مدينة على الحدود الأفغانية التركمانية) – هرات – قندهار – سبين بولداك (مدينة في أفغانستان قريبة من الحدود الباكستانية). كما تعمل إيران على تطوير مسارات تربط أفغانستان بشبكتها السكك الحديدية وموانئها، وتكمل مسار السكك الحديدية من ميناء تشابهار إلى زاهدان. هذا الوضع يعني تشكل منافسة حقيقية بين عدة بوابات جنوبية لدول آسيا الوسطى.
في سيناريو واحد، ترتبط آسيا الوسطى عبر أفغانستان بباكستان وموانئ كراتشي وغوادار. في السيناريو الثاني، تصل آسيا الوسطى عبر تركمانستان وأفغانستان إلى باكستان. وفي السيناريو الثالث، تدخل دول آسيا الوسطى، عبر أفغانستان أو مباشرة عبر تركمانستان، إلى شبكة السكك الحديدية والطرق الإيرانية، وتصل إلى المياه الحرة عبر تشابهار أو بندر عباس. لذلك، لا ينبغي لإيران أن تعتقد أن مجرد وجود تشابهار يضمن حصة إيران من تجارة المنطقة. ستكون لتشابهار ميزة جيوسياسية حقيقية فقط عندما ترتبط بشبكة سكك حديدية وطرق وجمارك ولوجستيات سريعة وتنافسية.
أهمية سكة حديد خواف – هرات
في هذه الأثناء، تكتسب سكة حديد خواف – هرات أهمية خاصة. هذا المسار يمكن أن يكون الحلقة الأولى المهمة لربط أفغانستان بالسكك الحديدية الإيرانية، ومن ثم، سيتيح ربط أفغانستان بالشبكة السكك الحديدية الأوسع في إيران وموانئ الجنوب.
لا تزال شبكة السكك الحديدية الأفغانية ناقصة حالياً، لكن خطط تطويرها تشمل الربط بنقاط مختلفة في إيران وآسيا الوسطى وباكستان. مشاريع الربط المتعلقة بمسارات خواف – هرات، هرات – مزار شريف، والمسارات الشمالية لأفغانستان، يمكن أن تجعل البلاد شبكة سكك حديدية في اتجاهات متعددة في المستقبل. من منظور إيران، لا تقتصر أهمية سكة حديد خواف – هرات على التجارة الثنائية مع أفغانستان، بل تكمن الأهمية الرئيسية عندما تتصل هذه الخطوط بشبكة السكك الحديدية في شمال أفغانستان، ثم آسيا الوسطى. في هذه الحالة، يمكن لإيران أن تصبح مساراً مهماً لنقل البضائع من آسيا الوسطى إلى موانئ الجنوب.
مشروع الدول الخمس: نقطة التقاء مصالح إيران وآسيا الوسطى
من أهم المشاريع التي يجب على إيران أن توليها اهتماماً هو ممر السكك الحديدية الخماسي: الصين – قيرغيزستان – طاجيكستان – أفغانستان – إيران.
هذا المشروع، في حال تحقيقه، يمكن أن يربط الصين وآسيا الوسطى عبر أفغانستان بإيران، ويوفر في النهاية الوصول إلى موانئ تشابهار وبندر عباس، والممرات الغربية إلى تركيا وأوروبا. سيبلغ طول المشروع حوالي 2100 كيلومتر، وسيمر جزء كبير منه عبر الأراضي الأفغانية.
الأهمية الجيوسياسية لهذا المشروع لإيران كبيرة جداً، ففي حال تنفيذه، ستنتقل إيران من نهاية مسار إلى بداية أو حلقة مركزية لشبكة كبيرة. هذه الشبكة ستسمح لإيران بلعب دورين في آن واحد: البوابة الجنوبية لآسيا الوسطى، وجسر آسيا الوسطى نحو أوروبا.
الممر الأوسط: فرصة وتهديد لإيران
لكن هناك منافساً مهماً في شمال غرب إيران يتعزز أيضاً: مسار بحر قزوين – أذربيجان – جورجيا – تركيا، والذي يُعرف عادة باسم الممر الأوسط. يمكن أيضاً عبر هذا المسار ربط جنوب آسيا عبر أفغانستان وآسيا الوسطى ببحر قزوين والقوقاز، ومن ثم بأوروبا. في هذا السيناريو، يمكن للبنى التحتية لأذربيجان وجورجيا وتركيا أن تصبح امتداداً طبيعياً لشبكات ممرات آسيا الوسطى.
لإيران، يحمل هذا التطور وجهين. من ناحية، يمكن لتطوير الممرات الإقليمية أن يتحول إلى فرصة لإنشاء اتصالات جديدة وزيادة التجارة. ولكن من ناحية أخرى، إذا تم توجيه جزء كبير من تجارة آسيا الوسطى نحو الممر الأوسط والقوقاز، فقد تخسر إيران جزءاً من ميزتها كمسار ربط شرق بغرب. ولهذا السبب، يجب على طهران أن تسعى لربط شبكات آسيا الوسطى وأفغانستان وبحر قزوين والقوقاز بشبكتها الممرات.
مكران: قضية تتجاوز تشابهار
في هذا الإطار، تكتسب تنمية سواحل مكران أهمية جيوسياسية لإيران. لا ينبغي اعتبار تشابهار مجرد ميناء، بل يجب أن تُعتبر جزءاً من منطقة لوجستية وصناعية أكبر وهي مكران.
إذا كان من المقرر أن تدخل البضائع من كازاخستان أو أوزبكستان أو طاجيكستان أو أفغانستان إلى إيران، ثم تصدر عبر تشابهار إلى الهند والأسواق الأخرى، فإن وجود ميناء واحد لا يكفي، بل يلزم ربط مجموعة من شبكات الممرات ببعضها البعض:
- السكك الحديدية من آسيا الوسطى – أفغانستان – إيران
- السكك الحديدية تشابهار – زاهدان وربطها بالشبكة الوطنية
- مراكز لوجستية ومستودعات
- مناطق حرة واقتصادية خاصة
- خدمات جمركية وتخليص سريع
- بنوك وتأمين دولي
- أسطول نقل بري وسككي
- صناعات معالجة وتعبئة في مكران
بدون هذه السلسلة، ستبقى تشابهار مجرد قدرة كامنة، وليست مركزاً ترانزيتياً حقيقياً.
أفغانستان: فرصة لإيران أم ميدان منافسة؟
نقطة أساسية هي أنه لا ينبغي اعتبار تحولات أفغانستان مجرد فرصة. فقد أصبحت أفغانستان الآن ميداناً للمنافسة بين عدة مسارات وقوى دولية وإقليمية.
تسعى الصين، عبر آسيا الوسطى ومشاريع مبادرة الحزام والطريق، إلى توسيع شبكات الاتصال لمواجهة التهديدات البحرية الأمريكية. وتحاول باكستان الحفاظ على مكانة موانئها. وتدعم الهند مسار تشابهار، لكنها لا تتحرك بما فيه الكفاية في هذا المجال. وتسعى دول آسيا الوسطى إلى تنويع مساراتها. كما تهتم روسيا بتطوير مسارات الشمال والجنوب وزيادة الارتباط بأفغانستان. وتستفيد تركيا وأذربيجان أيضاً من تطوير الاتصالات في آسيا الوسطى والقوقاز. ولذلك، تستمر المنافسة بين مختلف الدول لتثبيت مسارات ممرات متنوعة عبر الأراضي الأفغانية لصالحها، وجهود مختلف الجهات لربط هذه المسارات بالشبكات الأكبر.
لذلك، قد تمتلك أفغانستان في المستقبل عدة مسارات ممرات متوازية بدلاً من مسار واحد. هذا الأمر إيجابي لإيران من جهة، حيث أن تنوع المسارات من المحتمل أن يزيد الطلب على خدمات الترانزيت. لكن من ناحية أخرى، يجب أن تكون إيران قادرة على الحفاظ على موقعها في المنافسة على خفض التكاليف والسرعة والأمن والموثوقية.
الدبلوماسية الاقتصادية لكابل والفرص المتاحة لإيران
تسعى كابل إلى استخدام التعاون الاقتصادي لتغيير صورة أفغانستان وزيادة شرعيتها الإقليمية. تقدم الحكومة الأفغانية نفسها كجسر تجاري طبيعي بين آسيا الوسطى وجنوبها، وتجعل من التعاون الاقتصادي والترانزيت والطاقة والأمن رسالتها الأساسية للدول في المنطقة. هذا الأمر مهم لإيران. إذا أرادت إيران أن يكون لها نفوذ اقتصادي وترانزيتي مستدام في أفغانستان، فلا ينبغي لها أن تقتصر علاقاتها على التجارة الحدودية والعلاقات السياسية. يجب على إيران أن تقدم نفسها كواحدة من مصممي العمارة الاقتصادية الجديدة لأفغانستان.
بعبارة أخرى، يجب أن تتحول سياسة إيران من التجارة مع أفغانستان إلى ربط أفغانستان بالشبكة الاقتصادية الإيرانية. يمكن أن يشمل هذا الربط اتصالات في مجال الطاقة، والسكك الحديدية، والطرق، والموانئ، والمناجم، والصناعات التحويلية، والزراعة، والأسواق الحدودية، والخدمات اللوجستية.
ما هي الاستراتيجية الأنسب لإيران؟
بالنظر إلى الاتجاهات المذكورة أعلاه، يمكن طرح عدة اقتراحات محددة لسياسة إيران.
- تثبيت تشابهار كمشروع ترانزيتي وطني: يجب أن تتحول تشابهار من مشروع ميناء إلى مشروع جيواقتصادي وطني. ربطها بشبكة السكك الحديدية، وتطوير المراكز اللوجستية، وإنشاء حوافز حقيقية لدول آسيا الوسطى أمر ضروري.
- تصميم حزمة ترانزيت خاصة لآسيا الوسطى: يمكن لإيران تصميم حزم تعريفية وجمارك ولوجستية محددة لأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان لجعل استخدام المسار الإيراني جذاباً اقتصادياً لهم.
- إكمال حلقة أفغانستان: لا ينبغي لسكة حديد خواف – هرات أن تظل خطاً منفرداً، بل يجب ربطها عبر هرات بشبكة السكك الحديدية في شمال أفغانستان، ومن ثم بآسيا الوسطى. في هذه الحالة، سيكتسب استثمار إيران في أفغانستان قيمة استراتيجية مضاعفة.
- مشاركة نشطة في مشروع الدول الخمس: يجب على إيران متابعة مشروع السكك الحديدية الصين – قيرغيزستان – طاجيكستان – أفغانستان – إيران بجدية أكبر. هذا المشروع يمكن أن يكون أحد أهم أدوات ربط إيران بآسيا الوسطى والصين.
- ربط تشابهار بممر الشمال والجنوب: لا ينبغي النظر إلى تشابهار بمعزل عن شبكات الترانزيت الإيرانية الأخرى. الهدف يجب أن يكون إنشاء شبكة يمكن لآسيا الوسطى من خلالها الوصول إلى المحيط الهندي، وكذلك إلى الخليج الفارسي وأوروبا.
- تعاون ثلاثي إيران – أفغانستان – آسيا الوسطى: يمكن لإيران متابعة مبادرة إنشاء آلية حوار منتظمة حول الترانزيت بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى. يمكن لهذه الآلية أن تركز على القضايا العملية مثل التعريفات، والجمارك، والسكك الحديدية، والمعايير، وأمن المسارات، وتبادل المعلومات.
- منع تحول أفغانستان إلى مسار حصري لدولة واحدة: مصالح إيران تقتضي ألا تعتمد أفغانستان حصرياً على مسار باكستان أو مسار إيران. تستفيد إيران من تنوع مسارات تجارة أفغانستان، حيث أن هذا سيزيد الطلب على الاتصالات المختلفة، ويمكن لإيران أن تثبت مكانتها بينها.
ما هو التهديد الأكبر لإيران؟
التهديد لإيران ليس بالضرورة نجاح مشروع معين لباكستان أو أذربيجان أو تركيا أو الصين، بل تشكيل شبكة من مسارات الترانزيت التي لم تشارك إيران في تصميمها. إذا تمكنت آسيا الوسطى من الوصول إلى باكستان والهند عبر أفغانستان، وفي الوقت نفسه وصلت إلى أوروبا عبر بحر قزوين والقوقاز، فإن اعتماد هذه الدول على المسار الإيراني سيقل.
من ناحية أخرى، إذا لم تتمكن إيران من تحويل تشابهار إلى مركز لوجستي تنافسي، فلن تكون ميزتها الجغرافية كافية بمفردها. لذلك، فإن المنافسة الرئيسية في المستقبل ليست على الجغرافيا، بل على جودة الاتصال. البلد الذي سيقدم مساراً أرخص وأسرع وأكثر أماناً وأكثر قابلية للتنبؤ وأقل تكلفة سيكون هو الأكثر نجاحاً.
الخلاصة
تشير التحولات في أفغانستان وآسيا الوسطى إلى ظهور تدريجي لعمارة اقتصادية وترانزيتية جديدة في قلب أوراسيا. أفغانستان تتجاوز دورها التقليدي كدولة عازلة وأمنية، وتتجه نحو لعب دور الجسر بين آسيا الوسطى وجنوبها.
كابل تعمل بوعي على تحويل موقعها الجغرافي إلى رأسمال سياسي واقتصادي، وتسعى إلى توسيع علاقاتها مع دول آسيا الوسطى من خلال التعاون والتجارة والترانزيت والطاقة والأمن. بالنسبة لإيران، يمثل هذا التوجه فرصة تاريخية وفي الوقت نفسه إنذاراً استراتيجياً.
الفرصة تتمثل في أن أفغانستان وآسيا الوسطى يمكن أن تخلقا طلباً كبيراً على استخدام الموانئ والشبكات السكك الحديدية والطرق الإيرانية. يمكن لتشابهار أن تصبح بوابة آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي، ويمكن لمسار خواف – هرات وممر الدول الخمس أن يربطا أفغانستان بشبكة النقل الإيرانية.
الإنذار يتمثل في أن دول آسيا الوسطى تطور في الوقت نفسه خيارات أخرى، بما في ذلك مسار ترانس-أفغان إلى باكستان، ومسار بحر الخزر – القوقاز – تركيا، وشبكات مرتبطة بالصين. تشير الدراسات الإقليمية الحديثة أيضاً إلى المنافسة والتداخل بين هذه المشاريع.
في مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن تستند سياسة إيران فقط إلى الحفاظ على حصتها الحالية. يجب على طهران أن تخطط لزيادة الاعتماد الترانزيتي لآسيا الوسطى وأفغانستان على شبكة إيران، ليس عن طريق خلق احتكار، بل من خلال تقديم خدمات تنافسية، وبنية تحتية مناسبة، وتعريفات جذابة، وأمن للمسارات، واتصال متزامن بتشابهار، وبندر عباس، والشبكة السكك الحديدية الداخلية، وممر الشمال والجنوب.
من هذا المنطلق، لا ينبغي أن تكون تشابهار مجرد «ميناء إيران لأفغانستان»، بل يجب أن تصبح بوابة آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي. كما لا ينبغي اعتبار أفغانستان مجرد سوق تصديرية لإيران، بل يجب أن تصبح حلقة اتصال إيران بآسيا الوسطى والصين وجنوب آسيا.
في النهاية، القضية الرئيسية لإيران هي ما إذا كانت ستصبح مجرد أحد مسارات العبور في العمارة الأوراسية الجديدة، أم ستصبح أحد المصممين والعقد الرئيسية لشبكة الترانزيت الإقليمية. الإجابة على هذا السؤال تعتمد في المقام الأول على سرعة تطوير البنية التحتية الإيرانية، وإكمال السكك الحديدية الشرقية، وترقية البنية التحتية لميناء تشابهار ومنطقة مكران، والأهم من ذلك، تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والترانزيتية لطهران في آسيا الوسطى وأفغانستان. في ظل الظروف الحالية، نافذة الفرصة مفتوحة لإيران، ولكن مع التطور المتزامن لمسارات ترانس-أفغان، والممر الأوسط، والشبكات المنافسة، فإن هذه النافذة لن تكون دائمة.
