السويس ١٩٥٦ وهرمز اليوم: ممران مائيان ومعركة تاريخية
![[object Object] /السويس , مصر , إيران , مضيق هرمز , أمريكا](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/09/webangah-2ce1d8e5fb78b1565d5c37e82ef75777d605d34692fe1058eb54b84565b60229.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن مقارنة تاريخية بين أزمة قناة السويس عام ١٩٥٦ والوضع الراهن في مضيق هرمز تكشف عن توازنات قوى مختلفة، وتؤكد على استقلالية إيران الاستراتيجية وقدراتها الدفاعية المتنامية.
في ٢٦ يوليو ١٩٥٦، شهد العالم لحظة تاريخية عندما أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس. كان هذا القرار، الذي اعتبر تمردًا دبلوماسيًا ضد القوتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، سريعًا ما تحول إلى أزمة عسكرية ومن ثم إلى انتصار سياسي لمصر. اليوم، بعد ما يقرب من سبعة عقود، تواجه إيران في مضيق هرمز وضعًا مماثلًا ولكنه مختلف تمامًا، حيث لا تواجه قوة أوروبية، بل أكبر قوة عظمى في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وإرادة وطنية.
قناة السويس: إرث من داريوش إلى الإمبراطورية البريطانية
قناة السويس، التي يبلغ طولها ١٩٣ كيلومترًا وتربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، ليست فقط أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا، بل لها تاريخ يمتد لقرون. يمكن تتبع فكرة ربط النيل بالبحر الأحمر إلى أمر داريوش الكبير، ملك الإمبراطورية الأخمينية، حوالي عام ٥١٥ قبل الميلاد. ومع ذلك، تم افتتاح القناة الحديثة في عام ١٨٦٩ وسرعان ما أصبحت طريقًا استراتيجيًا للإمبراطورية البريطانية.
من خلال شراء ٤٤٪ من أسهم شركة قناة السويس في عام ١٨٧٥، ثم احتلال مصر عسكريًا في عام ١٨٨٢، سيطرت بريطانيا فعليًا على كامل الممر المائي. قبل الحربين العالميتين، كانت القناة بمثابة شريان حيوي للإمبراطورية للوصول إلى الهند ومستعمراتها الشرقية، ولها أهمية تتجاوز كونها مجرد طريق تجاري. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت موجة الاستقلال الإقليمي تضعف تدريجيًا أسس الوجود البريطاني في مصر، وفي عام ١٩٥٤، اضطرت لندن إلى سحب قواتها من مصر.
انقلاب ناصر الدبلوماسي ونهاية إمبراطورية
في ٢٦ يوليو ١٩٥٦، أعلن عبد الناصر، في خطوة وصفها البعض بـ “الانقلاب الدبلوماسي”، تأميم شركة قناة السويس. كان هذا القرار، كرد فعل مباشر على انسحاب الولايات المتحدة من تمويل سد أسوان، صدمة كبيرة لبريطانيا وفرنسا. بريطانيا، التي كانت تمتلك ٤٤٪ من أسهم الشركة ويمر عبر القناة ثلث سفنها، لم تكن مستعدة لقبول هذا الوضع. وبعد فشل المفاوضات، في ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦، هاجمت إسرائيل ثم بريطانيا وفرنسا مصر، وتقدمت القوات المتحالفة حتى القناة.
ومع ذلك، كان ما حدث في ميدان المعركة مختلفًا تمامًا عما تم في المعادلات السياسية. على الرغم من هزيمة مصر في الحرب العسكرية، إلا أن الضغط المتزامن من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على بريطانيا وفرنسا أجبرهما على قبول وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل من مصر. كان هذا الحدث نقطة نهاية حاسمة للهيمنة البريطانية في المنطقة وولادة هوية وطنية جديدة في مصر، هوية خلقت قطبية جديدة في المنطقة من خلال انتصار دبلوماسي. أعيد فتح القناة في أبريل ١٩٥٧، ولأول مرة في التاريخ، حصلت مصر على سيطرة كاملة على الممر المائي ورسومه.
هرمز: ساحة معركة القوى الجديدة
الآن، بعد ما يقرب من سبعين عامًا، أصبح مضيق هرمز مسرحًا لمواجهة مماثلة. ومع ذلك، فإن مقارنة هذين الموقفين تكشف عن اختلافات جوهرية تضع إيران في موقع أقوى من مصر عام ١٩٥٦.
الاختلاف الأول: الاستقلال الاستراتيجي. كانت مصر في عام ١٩٥٦ دولة تابعة تحتاج إلى مساعدة غربية لمشاريعها الكبرى مثل سد أسوان. في أزمة السويس، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما من أجبرتا بريطانيا على التراجع من خلال الضغط الدبلوماسي. لكن إيران اليوم، بالاعتماد على قدراتها المحلية ودون الحاجة إلى قوة خارجية، صمدت أمام الولايات المتحدة لأشهر؛ وهذا اختلاف يدل على عمق استقلال إيران الاستراتيجي.
الاختلاف الثاني: الردع العسكري. في عام ١٩٥٦، هزمت مصر في غضون أيام في ميدان المعركة واحتلت أراضيها. لكن إيران الحالية، من خلال هجماتها الصاروخية والطائرات المسيرة، استهدفت قواعد أمريكية في جميع أنحاء المنطقة. وفقًا لتقارير موثوقة، منذ بداية الاشتباكات، تضررت المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في قواعد في الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والأردن والعراق. بعبارة أخرى، لم يثبت الردع النشط لإيران عمليًا فحسب، بل فرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة.
الاختلاف الثالث: الأهمية الاستراتيجية المزدوجة لهرمز. مضيق هرمز أكثر حيوية للاقتصاد العالمي بكثير من قناة السويس. حيث يمر يوميًا حوالي ٢٠ إلى ٢١ مليون برميل من النفط – أي حوالي خُمس نفط العالم – وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال عبر هذا المضيق. في المقابل، تغطي قناة السويس حوالي ١٢٪ من التجارة العالمية. هذا الاختلاف يزيد بشكل كبير من قوة نفوذ هرمز وأهميته الاستراتيجية.
حجة تميز إيران عن ناصر
بالإضافة إلى الجوانب العسكرية والاقتصادية، هناك فرق أساسي آخر: إيران، على عكس مصر، لديها سبب لا يقبل الجدل لممارسة السيادة على المضيق. تستخدم الولايات المتحدة هذا المضيق لتجهيز قواعدها في المنطقة، وتستخدمها لشن أعمال عسكرية ضد إيران.
كما أن دول المنطقة، بالاعتماد على عائدات النفط التي تحصل عليها من هذا المسار، قامت بتمويل تجهيز القواعد الأمريكية لقتل الشعب الإيراني. ولهذا السبب، أعلنت إيران أنها لن تسمح لهذا المسار بأن يصبح أداة للضغط والعدوان كما كان في الماضي، طالما استمر التهديد من هذا الممر المائي ضد أمنها القومي. هذه الحجة الوجودية تجعل الدفاع عن السيادة الوطنية ضرورة حيوية تتجاوز المصالح الاقتصادية البحتة.
خاتمة
هل تستطيع إيران، دون مساعدة خارجية وبالاعتماد على قوتها، أن تعيد كتابة التاريخ وتتحدى الهيمنة الأمريكية في المنطقة؟ الإجابة على هذا السؤال لا تعتمد فقط على القوة الصاروخية والطائرات المسيرة، بل على الإرادة التي كانت تمتلكها مصر عام ١٩٥٦ أيضًا؛ إرادة لتغيير المعادلات، حتى لو كان ذلك بتكلفة الوقوف في وجه قوة عظمى.
الدرس الكبير من قناة السويس هو أن القوى الكبرى، عندما تواجه إرادة وطنية ودعمًا قانونيًا، تضطر في النهاية إلى التراجع. إذا لم تستفد واشنطن من هذه الدروس التاريخية، فربما يصبح مضيق هرمز في المستقبل القريب نقطة نهاية لهيمنة قوة عظمى أخرى. حدث لا يحدد فيه جيش قوي مصير ممر مائي، بل منطق السيادة الوطنية.
