تحدي نزع سلاح المقاومة في العراق: سيناريوهات وحلول للخروج من المأزق

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التطورات الأمنية والسياسية في العراق بعد هزيمة تنظيم داعش قد وضعت البلاد أمام تحدٍ لا يمكن فهم جذوره بالكامل من خلال الميدان العسكري فقط. إن ظهور داعش في عام 2014 وانهيار أجزاء من الهيكل الأمني العراقي أبرز ضرورة تشكيل وتفعيل القوات الشعبية المسلحة لمواجهة خطر الإرهاب، وبذلك تحولت قوات المقاومة الشعبية «الحشد الشعبي» إلى أحد المكونات الهامة للمعادلة الأمنية العراقية. ومع انتهاء المرحلة الرئيسية من الحرب ضد داعش، ورغم انخفاض تهديد الإرهاب بشكله السابق، إلا أن مسألة مكانة القوات المسلحة خارج هيكل الجيش وقوات الأمن الرسمية لا تزال قائمة. ولهذا السبب، فإن «مسألة السلاح» في العراق ما بعد داعش لا تقتصر على سؤال من يمتلك السلاح؛ بل تتعلق بسؤال أساسي حول العلاقة بين الدولة والسيادة وقوات المقاومة واحتكار أدوات القوة.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار نزع سلاح المقاومة مجرد إجراء عسكري أو أمني؛ لأن جزءًا من هذه الفصائل يتمتع بتمثيل ونفوذ سياسي وقد لعب دورًا في تشكيل معادلات القوة العراقية. لذلك، فإن أي محاولة لتغيير الوضع الراهن، بالإضافة إلى تداعياتها الأمنية، يمكن أن تؤثر على التوازن السياسي الداخلي، والعلاقة بين الفصائل الشيعية والحكومة المركزية، وحتى علاقات العراق مع الجهات الإقليمية والدولية. بعبارة أخرى، المسألة الأساسية ليست مجرد «تسليم السلاح»؛ بل هي كيفية إعادة تعريف العلاقة بين قوات المقاومة والحكومة العراقية وتحديد نطاق دورها في النظام السياسي والأمني الجديد للبلاد.
هذه المسألة دخلت مرحلة جديدة في الأشهر الأخيرة، متأثرة بالضغوط الخارجية، وخاصة ضغط الولايات المتحدة على بغداد لاحتواء أنشطة الجماعات المسلحة. وقد سعت الحكومة العراقية، من خلال التأكيد على ضرورة وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، إلى متابعة هذه المسألة في إطار السيادة الوطنية ومصالح العراق.
في ظل هذه الظروف، يواجه العراق معضلة حساسة: فمن ناحية، تضطر الحكومة إلى التحرك نحو احتكار أدوات القوة ومنع النشاط المسلح خارج إطار الدولة لترسيخ سيادتها، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي التنفيذ المتسرع والمتصادم لهذه السياسة إلى مواجهة مع جزء من القوى السياسية والأمنية القوية وإحداث عدم استقرار جديد في البلاد.
نزع السلاح عند تقاطع الدولة والمقاومة والضغط الخارجي
بعد هزيمة داعش، تحول السؤال الأساسي في العراق من «مكافحة التهديد الإرهابي» إلى «كيفية إعادة تعريف النظام الأمني بعد داعش». القوات التي أصبحت أحد الأركان الرئيسية للأمن العراقي خلال الحرب ضد داعش، تواجه الآن مطلبًا مختلفًا: وضع السلاح والقرار العسكري بالكامل تحت سيطرة الدولة.
تعتبر الحكومة العراقية هذه المسألة جزءًا من ترسيخ السيادة واحتكار أدوات القوة، ولكن بالنسبة لجزء من فصائل المقاومة، فإن المسألة ليست مجرد تسليم السلاح؛ بل تتعلق بمكانتها في الهيكل الأمني للبلاد، وتجربتها في الحرب ضد داعش، وتقييمها للتهديدات المستقبلية. في الأشهر الأخيرة، تفاقم هذا الاختلاف في وجهات النظر متأثرًا بالضغوط الأمريكية والظروف الإقليمية الجديدة. تطالب واشنطن بشكل متزايد بإنهاء أنشطة الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الحكومة العراقية المباشرة، وبغداد، تحت الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية الناجمة عن علاقتها مع الولايات المتحدة، اضطرت إلى متابعة مسألة السيطرة على السلاح بجدية أكبر.
في المقابل، لم يكن رد فعل فصائل المقاومة موحدًا. وافقت بعض الفصائل على مبدأ وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، لكن البعض الآخر، بما في ذلك كتائب حزب الله وحركة النجباء، عارضت نزع السلاح بمعناه التقليدي؛ هذا عدم التجانس وعدم تساوي المواقف في فصائل المقاومة العراقية يشير إلى أن مسألة الأيام الحالية في العراق لا تقتصر على «تسليم السلاح»؛ بل تتعلق بضرورة تقديم ضمانات تتعلق بالسيادة، ووجود القوات الأجنبية، والسيطرة على الحدود، واستقلال العراق في القرارات السياسية والاقتصادية.
في الأسابيع الماضية، تم طرح مواقف الفصائل المعارضة لتسليم السلاح للحكومة، مثل كتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله ومنظمة بدر، من قبل قادتهم في المحافل العامة؛ وهذه المواقف، بشكل أو بآخر، تمثل شروطًا مسبقة هامة تعتبرها هذه الفصائل أساسًا لتسليم أسلحتها للحكومة.
في هذا الإطار، يمكن اعتبار بيان كتائب سيد الشهداء الأخير بمثابة أوضح الشروط المسبقة. ربطت كتائب سيد الشهداء تعاونها في عملية احتكار السلاح بتنفيذ 10 شروط مرتبطة، أهمها الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أرض وسماء وبحر العراق، والإعلان عن إنهاء وجودها بأي صفة، وعدم استخدام الأراضي والسماء العراقية لمهاجمة دول أخرى، وتسليم السيطرة على حدود الإقليم للجيش العراقي، وإقرار قوانين الحشد الشعبي.
ويُحلل موقف كتائب حزب الله في نفس الإطار؛ حيث أكدت هذه الفصائل سابقًا أنها لن تسلم أي سلاح طالما استمر «الاحتلال الأجنبي» في أرض وسماء العراق، وأن التبيين الكامل لوضع الأسلحة مرتبط بزمن تحرير العراق. كما أضافت في مواقفها الأخيرة، الانسحاب الكامل لقوات التحالف، واستقلال العراق في القرارات السياسية والاقتصادية، وانسحاب القوات التركية، وحل مسألة البيشمركة، إلى شروطها المسبقة.
هادي العامري، زعيم منظمة بدر، في خطاباته الأخيرة، ورغم دعمه لتسليم السلاح للحكومة تحت عنوان «هدف وطني مبني على الدستور العراقي»، اعتبر ذلك ممكنًا في إطار تحقيق السيادة الوطنية العراقية. وأضاف، بالإضافة إلى الشروط السابقة، نزع سلاح الفصائل التي تهدد أمن جيران العراق أو تعارض الدستور، إلى الشروط المطروحة.
بشكل عام، يوجد تنسيق مشترك بين المواقف الثلاثة المذكورة، وهو عدم نفي احتكار السلاح، ولكن بشرط تحقيق السيادة الكاملة ورفع التهديدات الخارجية.
الأبعاد الثلاثة لمسألة نزع سلاح المقاومة في العراق
السلاح في الهيكل السياسي والأمني العراقي، بالإضافة إلى وظيفته العسكرية، مرتبط بمسألة سيادة الدولة، وتوازن القوى السياسية، والأمن القومي، والعلاقات الإقليمية. لذلك، فإن مسألة نزع سلاح المقاومة في العراق ليست مجرد قضية عسكرية، وأي قرار بشأن مستقبل سلاح فصائل المقاومة يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز المجال العسكري، بل قد يؤثر على الاستقرار السياسي للعراق. يمكن تحليل هذه المسألة على الأقل من ثلاثة أبعاد سياسية وأمنية وإقليمية.
البعد الأول؛ السياسي
فصائل المقاومة ليست مجرد جهات فاعلة عسكرية؛ فجزء منها لديه تشكيلات سياسية وتمثيل برلماني وقاعدة اجتماعية، ويلعب دورًا في معادلات القوة العراقية. لذلك، فإن نزع السلاح المفاجئ يمكن أن يُنظر إليه من قبل بعض التيارات على أنه تقليص لقوتهم السياسية وقدرتهم على المساومة. من ناحية أخرى، فصائل المقاومة ليست على موقف واحد؛ فقد أظهر البعض مرونة أكبر تجاه وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، بينما عارض البعض الآخر نزع السلاح. لذلك، يجب أن يفصل أي حل واقعي بين الحفاظ على المكانة السياسية والاجتماعية لهذه التيارات وتقييد النشاط المسلح خارج إطار الدولة.
الثاني، البعد الأمني
أظهرت تجربة عام 2014 وظهور داعش أن ضعف الهياكل الأمنية للدولة يمكن أن يمهد الطريق لتهديدات واسعة النطاق. من هذا المنظور، بالنسبة لجزء من قوات المقاومة، لا يزال الحفاظ على القدرة العسكرية مرتبطًا بمفهوم الردع ومواجهة التهديدات المحتملة. لذلك، فإن السؤال الأساسي هو: في حال تراجع القدرة العسكرية لفصائل المقاومة، ما هي الآلية الفعالة لتأمين الأمن ومنع نشوء فراغ في السلطة؟ إذا لم تتمكن الحكومة من إنشاء بديل مناسب للقدرات الأمنية الحالية، فقد تزيد عملية نزع السلاح من ضعف العراق الأمني بدلاً من زيادة الاستقرار.
الثالث؛ البعد الإقليمي والخارجي
تتأثر مسألة السلاح في العراق بتنافس وتفاعل الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، وخاصة إيران والولايات المتحدة. ضغط واشنطن للحد من أنشطة الجماعات المسلحة، وتأكيد بغداد على السيطرة الحكومية على السلاح، إلى جانب قلق المقاومة من التهديدات الخارجية والتطورات الإقليمية، قد تجاوزت هذه المسألة كونها شأنًا داخليًا. من هنا، يجب على بغداد، مع ترسيخ سيادتها، منع تحول العراق إلى ساحة لمواجهة الجهات الخارجية.
بشكل عام، فإن نزع سلاح المقاومة في العراق هو مسألة متعددة الأوجه لا يمكن حلها بقرار عسكري بحت. نجاح هذه العملية يعتمد على قدرة الحكومة العراقية على الموازنة بين الضرورات الأربع المترابطة: ترسيخ السيادة والاحتکار القانوني للسلاح، والحفاظ على الاستقرار السياسي، ومنع نشوء فراغ أمني، وإدارة الضغوط الإقليمية والدولية. أي حل يتجاهل أحد هذه المستويات الأربعة قد يؤدي، بدلاً من حل المشكلة، إلى إثارة أزمة جديدة في العراق.
سيناريوهات مستقبل احتكار السلاح في العراق
بالنظر إلى الأوضاع الحالية في العراق وتشتت مواقف فصائل المقاومة العراقية تجاه تسليم أسلحتها للحكومة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذه المسألة (احتكار السلاح):
أ) احتكار كامل للسلاح بحلول الموعد النهائي المحدد (30 سبتمبر)؛ يبدو أن احتمال تفعيل هذا السيناريو في الظروف الحالية ضعيف جدًا، لأن احتكار السلاح يتطلب اتفاقًا متزامنًا لجميع الفصائل على إخراج القوات الأجنبية من العراق، ونفس تسليم السلاح للحكومة سيتم تنفيذه عمليًا في فترة أطول.
ب) رد فعل تصادمي من الحكومة بعد الرفض الصريح لفصائل المقاومة؛ هذا السيناريو، إذا وقع، يمكن أن يزيد من خطر الصراعات الداخلية. ولكن بالنظر إلى رفض الزعماء الشيعة لأي اشتباك واختلاف الفصائل الشعبية مع بعضها البعض، فإن تنفيذه يبدو مستبعدًا جدًا. تجدر الإشارة إلى أن فصائل المقاومة تؤكد على احتكار السلاح من خلال الحوار والمفاوضات، وهذا بحد ذاته عامل يجعل تحقق السيناريو الثاني بعيد المنال.
ج) التوصل إلى اتفاق مشترك في أعقاب تمديد المفاوضات؛ وفقًا للتقارير الأخيرة، فإن الخيار الأكثر احتمالاً لتنفيذ السيناريوهات الثلاثة هو أن استمرار فترة المفاوضات سيؤدي إلى الاندماج التدريجي للقوات والتوصل إلى اتفاقات مرحلية. لذلك، في حال تمديد المفاوضات للتوصل إلى اتفاق شامل، يجب متابعة الأخبار التكميلية حول عملية احتكار السلاح في شهري أكتوبر ونوفمبر. لأنه في الوقت الذي لم يتبق فيه الكثير من الوقت للموعد النهائي للحكومة، فإن واشنطن تربط خروجها الكامل بالاتفاق بشأن الجماعات المسلحة، ومن ناحية أخرى، فإن فصائل المقاومة تضع شرط إخراج القوات الأمريكية لتسليم أسلحتها!
حلول للخروج من الوضع الحالي
1. تحويل «نزع السلاح» من مطلب تصادمي إلى عملية توافقية
الخطوة الأولى لتجاوز الوضع الحالي هي تغيير الخطاب والنهج تجاه المسألة. إن تحويل نزع السلاح إلى مطلب فوري وتصادمي، خاصة في ظل استمرار جزء من فصائل المقاومة في اعتبار نفسها ذات مهمة دفاعية، يمكن أن يؤدي إلى مقاومة سياسية وحتى أمنية. لذلك، يجب على الحكومة العراقية، بدلاً من التركيز حصريًا على «تسليم السلاح»، التأكيد على عملية تدريجية لنقل السيطرة على السلاح إلى الدولة. يجب أن تستند هذه العملية إلى الحوار المباشر والاتفاق السياسي وتحديد جدول زمني واقعي، بحيث لا تشعر الجماعات المسلحة بأن الهدف هو استبعادها من الهيكل السياسي والاجتماعي للعراق.
2. تعزيز القدرة الحقيقية للدولة على تأمين الأمن
لا يمكن مطالبة فصائل المقاومة بتقليص قدرتها العسكرية دون أن تكون الدولة قد أنشأت بديلاً لتأمين الأمن. يجب تعزيز الجيش والشرطة وجهاز المخابرات وقوات حرس الحدود العراقية من حيث التدريب والمعدات والمعلومات والقيادة. عندما تتمكن الدولة من توقع احتكار السلاح، فإنها ستتحمل أيضًا احتكار مسؤولية الأمن بشكل فعلي. بخلاف ذلك، فإن القلق من الفراغ الأمني يمكن أن يصبح العائق الأهم أمام تنفيذ سياسة نزع السلاح.
3. تقليل دور الضغط الخارجي والتأكيد على جوانب القومية الوطنية
في النهاية، يعتمد نجاح هذه العملية إلى حد كبير على اعتبار نزع السلاح قرارًا عراقيًا، وليس مشروعًا مفروضًا من الخارج. الضغط المباشر من الولايات المتحدة أو أي جهة فاعلة خارجية أخرى يمكن أن يعزز موقف معارضي نزع السلاح ويحول المسألة من «سيادة الدولة» إلى «المقاومة ضد التدخل الخارجي». يجب على بغداد، مع الحفاظ على علاقاتها الخارجية، إدارة المسألة في إطار المصالح الوطنية والحوار الداخلي.
خاتمة
في النهاية، فإن خروج العراق من الوضع الحالي لا يتم عبر نزع سلاح فوري وقسري، بل عبر إعادة تنظيم تدريجية للعلاقة بين الدولة وقوات المقاومة. يجب على الدولة، في الوقت نفسه، ترسيخ سلطتها القانونية، وتعزيز قدرتها الأمنية، وتوفير مسار واضح لفصائل المقاومة للانتقال من دور عسكري مستقل إلى دور رسمي وسياسي. إذا سارت هذه الاتجاهات الثلاثة بالتوازي، يمكن أن تتحول مسألة السلاح من نقطة أزمة إلى فرصة لاستكمال عملية بناء الدولة في العراق؛ ولكن إذا تم نزع السلاح دون اتفاق، ودون ضمان الأمن، وتحت ضغط خارجي، فمن المرجح أنه لن يحل المشكلة فحسب، بل سيعمق الانقسامات القائمة.
محمد حسين باقربيك، خبير في الشؤون الدولية.
