قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

احتجاجات واسعة في سوريا ضد ارتفاع أسعار الوقود وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية

تشهد سوريا موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ نحو عامين، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، مما فاقم الأزمة الاقتصادية وزاد من معاناة السكان الذين يعيش معظمهم تحت خط الفقر.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فقد أدت الزيادات المتوالية في أسعار الوقود في سوريا خلال الأيام الماضية إلى اندلاع أوسع موجة احتجاجات في البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد قبل ما يقرب من عامين. أشعل المحتجون الإطارات وأغلقوا الطرق الرئيسية، بما في ذلك الطريق السريع الذي يربط العاصمة دمشق بمدينة حلب الصناعية، تعبيراً عن غضبهم.

بدأت هذه الاحتجاجات عقب قرار النظام الحاكم، الذي يشار إليه أحياناً بـ”النظام الجولاني”، رفع سعر الغازوال بنسبة 40% ليصل إلى 175 ليرة سورية للتر الواحد، أي ما يعادل 1.32 دولار أمريكي. وقد أفادت وسائل إعلام بأن الاحتجاجات الشعبية ضد هذه الزيادة شملت ثماني مدن ومحافظات، مما أثار مخاوف من ارتفاع تكاليف النقل والمواد الغذائية والسلع الأساسية.

شهدت حلب، إدلب، حماه، ريف دمشق، درعا، الرقة، دير الزور، والحسكة مظاهرات حاشدة، حيث قام المتظاهرون بإشعال الإطارات وإغلاق الطرق الرئيسية والدولية، معبرين عن سخطهم تجاه أداء النظام الحاكم. وفي سياق متصل، وقّع عدد من أعضاء البرلمان السوري على عريضة مشتركة تطالب بعقد اجتماع عاجل مع محمد البشير، وزير الطاقة في الحكومة المؤقتة.

90% من الشعب السوري تحت خط الفقر

لقد فرض ارتفاع أسعار الوقود ضغطاً إضافياً على الشعب السوري، الذي يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات. وتُظهر دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة ارتفعت بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، حيث كانت تقدر بحوالي ثلث السكان.

لم يقتصر الارتفاع على الغازوال فقط، بل شمل أيضاً أسعار الغاز المنزلي والصناعي بزيادة تقارب 9%. كما ارتفعت أسعار البنزين 95 أوكتان بنسبة 28% لتصل إلى 195 ليرة، والبنزين 90 أوكتان بنسبة 26% ليبلغ 185 ليرة.

علق بسام العلي، أحد المحتجين السوريين، قائلاً موجهاً حديثه للنظام: “الظروف لم تعد محتملة. نحن لا نريد ميادين جديدة أو مراكز تجارية. نريد فقط أن نعيش”.

من جانبه، أكد ياسر النجار، كاتب وباحث سياسي، عدم وجود مبرر لزيادة الأسعار، مشيراً إلى أنه حتى في حال ارتفاع الأسعار عالمياً، كان على النظام الحاكم تهيئة الأجواء للسكان لتقبل هذه الزيادة. وأضاف أن القرار كان يتطلب دراسة أعمق.

قال زياد عربش، خبير اقتصادي، إن زيادة أسعار الوقود بما يتماشى مع الأسعار العالمية لم تكن الخيار الوحيد المتاح للنظام، لكنها كانت الأسهل من الناحيتين الفنية والتنفيذية. وأشار إلى اقتراب فصل الشتاء وعودة المدارس، مؤكداً أن الأسر السورية غير قادرة على تحمل هذه الضغوط التضخمية المتراكمة.

تراجع ثقة الشعب السوري بالنظام الحاكم

صرح مضر الدبس، باحث في الشؤون السياسية، بأن اندلاع الاحتجاجات الشعبية كرد فعل على ارتفاع أسعار الوقود لم يكن مفاجئاً له، وأن مثل هذه الاحتجاجات كانت ستحدث عاجلاً أم آجلاً. وأوضح أن ثقة الشعب السوري بالنظام قد تراجعت منذ اليوم الأول، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى الأداء السياسي للنظام.

وأضاف الدبس أن سوريا شهدت سابقاً قرارات مماثلة تتعلق بزيادة أسعار الوقود، لكنها لم تؤدِ إلى احتجاجات في الشوارع. وأشار إلى أن الوضع الحالي يجمع بين مظاهر السخط والضغوط المتراكمة، وأن المجتمع يرسل رسالة واضحة للنظام الحاكم تفيد بأن الثقة تتآكل، وأن الاعتماد على مفهوم “النصر” وحده لم يعد كافياً لإقناع الرأي العام السوري.

توسع الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال مناطق جديدة

منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، لم تتوقف الاعتداءات التي يشنها النظام الصهيوني ضد سوريا، بل تزايدت آلاف المرات، واستهدفت حتى المراكز التابعة للنظام الحاكم. وفي ظل صمت النظام، يقوم الجيش الصهيوني، بالإضافة إلى هجماته اليومية على مناطق مختلفة في جنوب سوريا وتفتيش منازل المواطنين، باختطاف المدنيين بحجج مختلفة.

مع تقدمهم في الأجزاء الجنوبية من سوريا، يقومون بإنشاء نقاط تفتيش جديدة يومياً في مناطق مختلفة، موسعين بذلك نطاق احتلالهم. من ناحية أخرى، فإن التواجد المتغطرس لرئيس وزراء النظام الصهيوني بنيامين نتنياهو ومسؤولين صهاينة آخرين في مرتفعات جبل الشيخ، يشير إلى تطور يتجاوز الاعتداءات العسكرية في المنطقة، ويحمل أبعاداً سياسية أوسع حول مستقبل جنوب سوريا ونوع العلاقة التي يريد الكيان الصهيوني فرضها على دمشق.

يسعى النظام الصهيوني إلى توسيع نفوذه في سوريا في فترة ما بعد نظام بشار الأسد، وتحويله إلى واقع سياسي وأمني يصعب التراجع عنه مستقبلاً. عندما يعلن نتنياهو أن الجنود الصهاينة لن يغادروا مواقعهم، فإن هذا يتجاوز مجرد تصريح عسكري ليصبح محاولة لترسيخ أساس احتلال جديد. وتُظهر الرسائل المباشرة من المسؤولين الصهاينة إلى النظام الحاكم من مكان قريب نسبياً من دمشق، عزم تل أبيب على توسيع مناطق الاحتلال.

تنافس اللاعبين الإقليميين في سوريا

برز الوجود العسكري للقوى الأجنبية في سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد بشكل لافت، وتشمل هذه القوى تركيا، النظام الصهيوني، روسيا، والولايات المتحدة. ولا يمكن اعتبار هذا التدخل سوى مقدمة لتقسيم سوريا على أسس واقعية ميدانية. فقد تحولت سوريا إلى ساحة تلعب فيها أطراف أخرى لفرض مصالحها أو إرسال رسائل لطرف معين، مما يزعزع استقرارها ويثبت قدرتها على التأثير في الشرق الأوسط عبر هذه الدولة.

ستكون تركيا مستفيدة جداً من الحصول على منطقة جغرافية في سوريا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والحفاظ على نفوذها فيها، وهو ما يشير إلى توسيع الدور الذي تسعى أنقرة إلى لعبه في المستقبل القريب. ويتنافس النظام الصهيوني وتركيا بشكل وثيق في سوريا. فمن وجهة نظر تل أبيب، لا ينبغي لتركيا تجاوز خطوط عرض جغرافية معينة في شمال سوريا، أو التحرك نحو الجنوب باتجاه دمشق، خاصة المناطق الجنوبية منها. ويعتبر النظام الصهيوني أي وجود عسكري تركي على الأراضي السورية، ومحاولات دمشق وأنقرة لإعادة بناء الجيش وتجهيزه، ضمن خطوطها الحمراء!

المخاوف بشأن تقسيم سوريا جادة، نظراً لاتساع مساحة البلاد، ومن ينظر إلى الوضع الحالي بتمعن يرى بوضوح أن الحرب لم تترك آثارها فقط من حيث الخسائر البشرية والدمار، بل أيضاً من حيث الخسائر السياسية وتقسيم النفوذ.

والنقطة اللافتة هي أن النظام الحاكم بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد لم يتمكن من بسط سيطرته على جميع مناطق سوريا، وأن البلاد حالياً تخضع لسيطرة عدة مجموعات وفصائل، وتفتقر إلى سيادة مركزية، مما يدفع سوريا نحو تقسيم فعلي. وتسيطر عناصر تابعة للنظام الحاكم، وقوات كردية، وقوات تركية، وبعض العناصر الدرزية في جنوب سوريا على أجزاء من البلاد.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى