وثائقي إسرائيلي يكشف أسرار جرائم جيش الاحتلال في غزة ويتسبب بجدل واسع

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تحول الفيلم الوثائقي “نازا“، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل سور، من مجرد عمل سينمائي إلى قضية جدلية في الأوساط الإعلامية والسياسية بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي. هذا الفيلم، الذي يمتد لـ 80 دقيقة وهو نتاج عمل سري دام حوالي ثلاث سنوات، يتناول موضوعًا نادرًا ما تم تقديمه من منظور داخلي للبنية العسكرية للنظام الصهيوني.
لا تقتصر أهمية “نازا” على موضوعه فحسب، بل إن الفيلم يسعى إلى تشكيل روايته من خلال أشخاص شغلوا سابقًا مناصب في الهياكل العسكرية والاستخباراتية للنظام الإسرائيلي. ولهذا السبب، فإن جزءًا كبيرًا من الجدل المحيط بالفيلم يعود إلى مصدر هذه الروايات وكيفية وصول صناع الفيلم إلى هؤلاء الأشخاص. هذا الاختيار بحد ذاته جعل “نازا” عملًا يتجاوز مجرد نقد فيلم أو تصوير حرب غزة، ليمتد إلى طرح تساؤلات حول الرواية الرسمية لتل أبيب لعملياتها العسكرية.
الرواية المؤلمة لتحويل الموت إلى رقم في وثائقي “نازا”
لتقديم رواية لما حدث في غزة، نقل “نازا” الكاميرا إلى الأشخاص الذين كانوا على الجانب الآخر من هذه الهجمات؛ 24 فردًا من القوات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية الذين شاركوا في أجزاء من سلسلة تحديد الأهداف والعمليات العسكرية. على مدار حوالي ثلاث سنوات، ومن خلال إجراء مقابلات سرية، سعى أبراهام وسور إلى الوصول إلى طبقة من الحرب لا تظهر عادة في صور الدمار وإحصائيات الضحايا؛ طبقة يتم فيها، قبل تنفيذ الهجوم، اتخاذ القرارات بشأن الهدف، والمعلومات المتوفرة، ومكان تواجد الأفراد، والعواقب المحتملة للعملية.
يأتي اسم “نازا” من هذا المنطق العسكري نفسه. “نازا” هو اختصار للعبارة العبرية “نِزِك آگابي” (נזק אגבי) والتي تعني “ضرر جانبي” أو “خسائر جانبية”؛ وهو مصطلح يستخدم في الأدبيات العسكرية للنظام الصهيوني للإشارة إلى عدد المدنيين الذين يُتوقع مقتلهم في هجوم ما.
يحمل اختيار هذا الاسم جزءًا كبيرًا من معنى الفيلم؛ فموت الأشخاص الذين يقتلون في هجوم عسكري، في هذه الأدبيات، يُصبح في البداية رقمًا قابلاً للتقدير يدخل في عملية صنع القرار. وبهذه الطريقة، لا يقتصر “نازا” على كونه عنوانًا لوثائقي فحسب، بل هو مفهوم يصور الفيلم من خلاله الفجوة بين اللغة الفنية للعمليات العسكرية وحقيقة موت المدنيين.
تُظهر الروايات المقدمة في الفيلم أن هذه العملية تتبع شبكة واسعة من أدوات المراقبة والاستخبارات. تتحدث مصادر الوثائقي عن استخدام بيانات الهواتف المحمولة، وتنصت الاتصالات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأفراد والأهداف؛ وهي تقنيات توفر كمية هائلة من المعلومات للهيكل العسكري وتمكّن من تتبع الأفراد. وفي هذا السياق، يحتل نظام الذكاء الاصطناعي “لافندر” مكانة مهمة في رواية الفيلم؛ وهو نظام تم استخدامه لتحديد الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بحماس، وبحسب مصادر الفيلم، كان يحدد الأهداف المحتملة بناءً على معالجة كميات ضخمة من البيانات.
تزداد أهمية هذه الرواية عندما يتعلق الأمر بعائلات الأفراد المستهدفين. تتحدث بعض مصادر الفيلم عن حالات كانت فيها القوات العسكرية تعلم بوجود أشخاص آخرين في الموقع، لكن العملية استمرت ضمن إطار عملية تحديد الهدف نفسها.
يشير أحد المشاركين في المقابلات إلى هجوم تم فيه تقدير مقتل حوالي 500 مدني وقت صدور الإذن بتنفيذه. في هذه الرواية، القضية ليست مجرد استخدام تقنية معينة أو عملية محددة؛ “نازا” يوضح كيف يمكن للتكنولوجيا والمعلومات وحساب الخسائر أن تجتمع في سلسلة واحدة، وتحول موت المدنيين من نتيجة ما بعد الهجوم إلى متغير يتم حسابه قبل الهجوم.
تصفيق دام 25 دقيقة ضد الرواية الرسمية للنظام الإسرائيلي في غزة
عرض “نازا” في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي في ظروف لم تجعله مجرد عمل سينمائي عادي بين أفلام المسابقة. كان هذا الوثائقي هو العمل الوثائقي الوحيد في المسابقة الرسمية للمهرجان، وكان عرضه في 10 سبتمبر (19 سبتمبر) قد أثر مبكرًا على أجواء المهرجان. زادت أهمية حضور “نازا” عندما عُرض فيلم يتناول موضوعًا مرتبطًا بشكل مباشر بحرب غزة، ومن إنتاج مخرجين إسرائيليين، أمام جمهور دولي في أحد أهم الأحداث السينمائية العالمية.
كان رد فعل الجمهور بعد العرض أولى علامات تحول الفيلم إلى أحد أكثر الأحداث إثارة للأنباء في البندقية. صفق الحاضرون للمخرجين لمدة 25 دقيقة؛ وهو استقبال تم وصفه بأنه أطول تصفيق مسجل في تاريخ مهرجان البندقية، محطمًا الرقم القياسي لاستقبال “صوت” رجب أردوغان في الدورة السابقة للمهرجان. خلال هذا التصفيق، رفع عدد من المشاهدين أعلام فلسطين ولبنان في القاعة، متجاوزًا بذلك أجواء الحدث السينمائي.
مع هذا الاستقبال، أصبح “نازا” منذ عرضه الأول محورًا رئيسيًا للاهتمام الإعلامي في البندقية، وحتى قبل إعلان الجوائز، ورد اسمه في التكهنات المتعلقة بالجائزة الكبرى للمهرجان. في النهاية، منحت لجنة التحكيم برئاسة ماغي جيلنهال الفيلم “جائزة لجنة التحكيم الخاصة” في 12 سبتمبر (21 سبتمبر)؛ وهي جائزة رفعت مكانة الفيلم من وثائقي مثير للجدل إلى عمل متميز في المسابقة الرسمية لأحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم.
لم تقتصر أهمية هذا الحدث على مجرد جائزة، بل وسعت أيضًا المسار الدولي للفيلم. من المقرر أن يقدم “نازا” عرضه الأول في أمريكا الشمالية في الدورة الرابعة والستين لمهرجان نيويورك السينمائي يومي 26 و 27 سبتمبر (4 و 5 أكتوبر). يوسع حضور الفيلم في نيويورك، بعد نجاحه في البندقية، نطاق جمهوره ليشمل أحد أهم المراكز السينمائية في العالم، ويشير إلى أن رواية الفيلم لن تتوقف عند حدود مهرجان البندقية.
رعب قادة النظام الصهيوني من رواية “نازا”
تجاوز رد فعل النظام الإسرائيلي على “نازا” بعد نجاح الفيلم في البندقية النقد السينمائي بسرعة. اتهم وزير ما يسمى بـ “الثقافة” للنظام الصهيوني، ميكي زوهر، أبراهام وسور بـ “خيانة الوطن” وهدد بسحب جنسيتهما، بينما هاجم رئيس وزراء النظام، بنيامين نتنياهو، الفيلم وصناعه. في الوقت نفسه، أصدر رئيس أركان الجيش، إيال زمير، أمرًا بإجراء مراجعة قانونية وتحقيق حول احتمال تسريب معلومات سرية أثناء عملية إنتاج الفيلم.
الجانب اللافت في هذه ردود الفعل هو أن تركيز تل أبيب لم يقتصر على نفي محتوى الوثائقي، بل امتد إلى مصدر الرواية ومسار حصول صناع الفيلم على المعلومات. عندما يضع الجيش مراجعة أمنية للمصادر والمعلومات المستخدمة في عمل سينمائي على جدول أعماله، وفي الوقت نفسه يتحدث مسؤول سياسي عن سحب جنسية صناعه، فهذا يعني أن “نازا” لم يعد مجرد صراع حول فيلم؛ بل أصبح إمكانية نشر روايات من داخل الهيكل العسكري جزءًا من الصراع. يأتي هذا في الوقت الذي دعم فيه أكثر من 1500 صانع أفلام إسرائيلي و 43 منظمة حقوقية إسرائيلية صناع الفيلم ضد التهديدات.
من هذا المنظور، يكشف الجدل حول “نازا” عن فجوة مهمة؛ وهي الفجوة بين الرواية الرسمية عن العمليات العسكرية للنظام الإسرائيلي ورواية الأشخاص الذين يؤكدون أنهم كانوا على دراية بآلية تحديد الأهداف واتخاذ القرارات بشأن الخسائر المدنية من داخل الهيكل نفسه. تكمن أهمية الفيلم بالضبط في هذه النقلة في نقطة السرد؛ القضية لم تعد مجرد صور تخرج من غزة أو أرقام تنشر عن الضحايا، بل شهادات أولئك الذين يقولون إنهم كانوا حاضرين على الجانب الآخر من هذه العملية. لهذا السبب، أدى رد الفعل الشديد على الفيلم عن غير قصد إلى توسيع نطاق النقاش من صحة أو خطأ وثائقي إلى قضية أكبر تتعلق بإمكانية سماع الروايات المعارضة وقت الحرب.
في النهاية، “نازا” في اللغة العسكرية هو مفهوم فني ورقمي، ولكن وراء كل رقم يقف إنسان لم يعد لديه القدرة على العودة والاستمرار في الحياة. ربما لهذا السبب، فإن رد الفعل على الفيلم ليس مجرد رد فعل على عمل فني؛ “نازا” جلب النقاش حول هذه التساؤلات إلى المستوى العام: من يصنع رواية الحرب؟ من يحق له التحدث عن الوفيات، ومتى يجب أن تجيب الأرقام المسجلة في الحسابات العسكرية أمام الرأي العام عن حياة الأشخاص الذين يقفون وراءها؟



