قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

غموض فورفورد: من حادثة غامضة إلى بصمات لعبة أمنية ضد إيران

في ظل تصاعد التوترات في غرب آسيا، تحولت قضية قاعدة فورفورد العسكرية في بريطانيا إلى ملف أمني بارز، مع اتهامات تلوح في الأفق بتحريك إيراني، وسط تساؤلات حول طبيعة الحادثة والهدف من وراء ربطها بطهران.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، برز ملف قاعدة فورفورد العسكرية في بريطانيا كواحد من الملفات الأمنية المثيرة للجدل خلال الأيام القليلة الماضية، في وقت لا تزال فيه المملكة المتحدة تواجه تداعيات وجودها العسكري في منطقة غرب آسيا وتزايد التوترات مع إيران.

لا تقتصر أهمية هذا الحادث على مجرد واقعة وقعت بالقرب من قاعدة عسكرية، بل إن فورفورد شكلت في السنوات الأخيرة جزءاً من البنية التحتية العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة في عملياتها الإقليمية، ومن هذا المنطلق، فإن أي حادث أمني حولها قد يحظى باهتمام يتجاوز الأبعاد المحلية.

وفي الوقت نفسه، فإن السرعة التي تشكلت بها الروايات الإعلامية والسياسية حول هذا الملف، وطرح رئيس الوزراء البريطاني الحالي ادعاءات رسمية بدور إيراني، تثير تساؤلات حول كيفية تحويل حدث لا يزال قيد التحقيق إلى قضية أمنية تتعلق بإيران؛ تساؤلات تتطلب التفريق بين الحقائق المؤكدة والأدلة المعلنة والروايات التي تشكلت في مراحل مختلفة من الملف.

قاعدة فورفورد العسكرية

حادثة تنطوي على غموض أمني

بدأت قضية فورفورد في فجر يوم الأحد 27 سبتمبر 2026 (5 أكتوبر 1405)، عندما اعتقلت الشرطة البريطانية خمسة مواطنين بريطانيين بالقرب من القاعدة الجوية الملكية في فورفورد. وفي البداية، تم التعامل مع الموضوع بشبهة تتعلق بمتفجرات، ثم تحت عنوان التحضير لعمل إرهابي، وتم إخلاء عشرات العائلات من المنطقة المحيطة بالموقع.

الشرطة البريطانية في موقع الحادث

إطلاق سراح المعتقلين دون اتهامات رسمية

على الرغم من الأجواء الأمنية المشددة، تم إطلاق سراح المعتقلين الخمسة في اليوم التالي دون توجيه اتهامات رسمية، وبضمانات. وأعلنت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أن التحقيقات لا تزال مستمرة، ولا يمكن في هذه المرحلة الحكم على الطبيعة النهائية للحادثة. وتشير التقارير المنشورة أيضاً إلى عدم العثور على متفجرات في السيارات المرتبطة بهؤلاء الأفراد؛ وهو ما يدل على وجود فجوة كبيرة بين الأبعاد الأولية للعملية الأمنية وما تم التوصل إليه حتى الآن في المسار القضائي للملف.

يزداد الغموض عندما تتحدث الشرطة البريطانية عن دراسة مسارات تحقيق متعددة. ووفقاً للمسؤولين الأمنيين، فإن أحد الاحتمالات هو أن يكون الأشخاص المعتقلون قد عملوا لصالح دولة أجنبية أو كقوة وكيلة لها، سواء عن علم أو بغير علم؛ لكن الشرطة لم تسمِ حتى الآن أي دولة كعامل محتمل أو داعم. لذلك، تظل فرضية التدخل الأجنبي مجرد أحد السيناريوهات قيد الدراسة، ولا يمكن مساواتها بدور إيران.

مع ذلك، برز اسم إيران بسرعة في الرواية المحيطة بالملف؛ وهو ما قوبل برد من سفارة جمهورية إيران الإسلامية في لندن، حيث نفت السفارة أي علاقة لطهران بالحادثة. وفيما بعد، ورغم تأكيد المسؤولين البريطانيين على استمرار التحقيقات، ادعى رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام يوم الأربعاء وجود دلائل قوية على دور إيراني في الحادثة؛ ادعاء طرحه دون تقديم تفاصيل حول الأدلة المستند إليها، مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار تحقيقات الشرطة.

وبالتالي، فإن ما نعرفه في هذه المرحلة حول فورفورد ليس إثباتاً لعلاقة إيران بالحادثة، بل هو اعتقال خمسة أشخاص، واستمرار التحقيقات، ودراسة احتمالات مختلفة. وهذا الفارق بين الواقع القانوني للملف وسرعة طرح اسم إيران هو نقطة البداية لدراسة سؤال: لماذا ربط حدث لم يتم حله بعد، في وسائل الإعلام والساحة السياسية الغربية، برواية تهديد إيران؟

محاولات لتصنيع رواية ضد إيران

من وجهة نظر المراقبين، فإن دخول اسم إيران في قضية فورفورد، في البداية، كان ناتجاً عن المناخ الإعلامي والتصريحات الأمريكية أكثر من كونه اتهاماً رسمياً في بريطانيا. لكن الآن، مع تصريحات رئيس الوزراء البريطاني، دخلت هذه الرواية إلى المستوى الرسمي في لندن أيضاً.

تواصل الشرطة البريطانية الحديث عن دراسة سيناريوهات متعددة واستمرار التحقيقات، لكن بورنهام يدعي الآن وجود أدلة قوية على دور إيراني في الحادثة؛ ادعاء لم يقدم رئيس الوزراء البريطاني تفاصيل عنه.

وقبل موقف بورنهام، احتلت مواقف المسؤولين الأمريكيين واتهاماتهم التي لا أساس لها، دون دليل أو مستندات، عناوين الصحف العالمية. ادعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن هذا الحادث يظهر بوضوح يد لاعب أجنبي، لكنه لم يقدم أي دليل على هذا الادعاء، ولم يذكر اسم بلد معين. كما طرح دونالد ترامب احتمال ارتباط إيران.

دونالد ترامب

تغيير موقف لندن ملحوظ

ويُعد تغيير موقف لندن ملحوظاً، فبينما لا تزال الهيئات البريطانية المسؤولة في مرحلة التحقيق، فإن رئيس وزرائها يتحدث الآن عن دور إيران دون أدلة دامغة.

وهذا الاختلاف في المواقف كبير، فبينما تؤكد واشنطن بوضوح أكبر على فرضية التدخل الأجنبي، فإن الهيئات البريطانية المسؤولة لا تزال في مرحلة التحقيق. بل إن التقارير المنشورة حول الملف تشير إلى أنه إلى جانب اتهام إيران، تم طرح خيارات مثل روسيا والجماعات غير الحكومية، ولم يتضح بعد ما إذا كان الحادث عموماً قد تم بدعم من دولة ما أم لا. ومع ذلك، فإن الادعاء الجديد لرئيس الوزراء البريطاني قد زاد من الثقل السياسي لفرضية الدور الإيراني المزعوم مقارنة بالأيام الأولى للملف.

كما نفت سفارة جمهورية إيران الإسلامية في لندن قاطعاً أي علاقة لطهران بالحادثة، واعتبرت التكهنات المطروحة لا أساس لها ومغرضة. ومن هذا المنطلق، في ظل عدم وصول الملف القضائي للمحتجزين الخمسة بعد إلى اتهام رسمي واستمرار التحقيقات، فإن نسبة الحادثة إلى إيران تستند الآن إلى ادعاء رئيس الوزراء البريطاني الرسمي؛ ومع ذلك، لم يتم نشر تفاصيل هذه الأدلة بعد للرأي العام، ولا توجد إمكانية لتقييم مستقل لأساس هذا الادعاء.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون فورفورد نفسها أحد المراكز التي استخدمتها الولايات المتحدة في عمليات عسكرية ضد إيران. وبالتالي، قبل أن تصل تحقيقات بريطانيا إلى نتيجة، فإن تحويل حادثة أمنية غامضة إلى رواية عن تهديد إيران يمكن أن يحول تركيز الرأي العام عن السؤال الرئيسي: من وما هي دوافعه التي لعبت دوراً في هذه الحادثة، إلى رواية عن دور إيران التي طرحها الآن رسمياً رئيس الوزراء البريطاني، لكن تفاصيل الأدلة المستند إليها لم تُعلن بعد.

خلف كواليس لعبة غربية أمنية جديدة ضد إيران

من وجهة نظر الخبراء، لا يمكن النظر إلى فورفورد بمعزل عن مكانة هذه القاعدة في الهجمات العدوانية الأخيرة على الأراضي الإيرانية. فالحكومة البريطانية في مارس 2026 (فبراير 1405) سمحت للولايات المتحدة باستخدام فورفورد لعمليات ضد المنشآت الصاروخية الإيرانية، وفي الأشهر التالية أصبحت هذه القاعدة من أهم مراكز تمركز القاذفات الأمريكية.

قاذفات أمريكية

ابعاد جيوسياسية للقضية

لذلك، وقع الحادث الحالي في مكان كان عملاً جزءاً من البنية التحتية العسكرية لعمليات الولايات المتحدة ضد إيران؛ وهو ما يضفي على الملف أبعاداً جيوسياسية تتجاوز مجرد حادث أمني محلي. وفي مثل هذا الوضع، فإن إبراز اسم إيران يمكن أن يحول مركز الاهتمام من دور القاعدة ومهمتها العسكرية العدوانية إلى تهديد إيران.

على الرغم من أن لندن قدمت ادعاءات ضد طهران وتحدثت بصوت واحد مع البيت الأبيض، إلا أنها لم تقدم تفاصيل الأدلة المستند إليها. وجاء هذا الموقف في وقت لا تزال فيه التحقيقات حول الحادثة مستمرة، ولا تزال أجزاء من أبعاد الملف، بما في ذلك طبيعة الإجراء والعلاقة الخارجية للمشتبه بهم، غامضة.

السيناريو الثاني هو محاولة جعل الأجواء الأوروبية أكثر أمنية ضد إيران. مثل هذا الملف، حتى في ظل استمرار التحقيقات وعدم نشر تفاصيل الأدلة البريطانية المدعاة، يمكن أن يكون ذريعة لتشديد حماية القواعد الأمريكية، وزيادة نشاط الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، ومزيد من الرقابة على الشبكات المرتبطة بإيران، وإعادة تعريف التهديدات المحتملة داخل بريطانيا.

تكمن أهمية هذه المسألة من منظور أوروبا وأمريكا في أن القضايا الأمنية، على عكس المناقشات السياسية البحتة، يمكن أن تؤدي إلى إجراءات عملية وقيود جديدة، وترسخ تدريجياً صورة لإيران كتهديد مستمر في الفضاء العام والسياسة الأمنية الغربية.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل سيناريو أكثر أهمية، وهو أن تحويل قضية فورفورد إلى جزء من هندسة الضغط ضد إيران في مرحلة ما بعد الحرب. في هذا الإطار، يمكن لأي حادث يقع بالقرب من منشآت أو مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب قضايا مثل التهديدات السيبرانية، والأنشطة الوكيلة، وأمن القواعد العسكرية، أن يُستخدم لتعزيز أدبيات الحرب الهجينة ضد إيران. هذا في الوقت الذي تقر فيه حتى التقارير الإعلامية البريطانية حول الملف بوجود غموض حول حجم التهديد، ووجود متفجرات قابلة للاستخدام، والعلاقة الخارجية للمشتبه بهم.

من هذا المنظور، فإن القضية الرئيسية لإيران ليست فقط النتيجة النهائية لتحقيقات فورفورد، بل الرواية التي تتشكل في الوقت نفسه مع استمرار التحقيقات. الآن بعد أن تحدث رئيس الوزراء البريطاني عن وجود أدلة على دور إيران، فإن المسألة المهمة هي ما هي الأدلة التي يستند إليها هذا الادعاء، وما إذا كانت تفاصيله ستُنشر في سياق استمرار التحقيقات. في حال نشر أدلة محددة، يجب تقييم هذا الادعاء بناءً على تلك الأدلة.

لذلك، أصبحت فورفورد الآن، أكثر من كونها مجرد حادثة أمنية محلية، ساحة للتنافس على الرواية الأمنية في ظل المناخ المتوتر الذي أعقب الهجمات العدوانية ضد إيران؛ مناخ قد يؤدي فيه الطرح الرسمي لدور إيران من قبل لندن، إلى جانب استمرار الضغوط السياسية والأمنية الغربية، إلى تشكيل إطار أمني جديد لمواجهة طهران.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى