قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

تقدم يمني في الجنوب.. كيف تغيرت معادلة الحرب لصالح الحوثيين؟

تشهد الجبهة اليمنية تطورات متسارعة تعيد طرح تساؤلات حول قدرة جماعة الحوثي على الصمود والتقدم الميداني رغم سنوات الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي، مستفيدة من عوامل ميدانية وجغرافية وتنظيمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تبرز التطورات الأخيرة في الجبهة اليمنية تساؤلاً ملحًا حول كيفية تمكن جماعة الحوثي، على الرغم من سنوات الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي، وفي ظل دعم إقليمي ودولي واسع للسعودية، ليس فقط من الحفاظ على بنيتها العسكرية، بل وتحقيق تقدم في بعض الجبهات وتغيير موازين القوى الميدانية.

لا يمكن اختصار الإجابة في عدد الصواريخ والطائرات المسيرة أو المعدات العسكرية. فما بات متغيرًا حاسمًا في سنوات الحرب اليمنية هو مزيج من الجغرافيا اليمنية الوعرة، والمعرفة الميدانية للقوى المحلية، وتماسك القيادة والهدف، وخبرة الحرب المتراكمة، وفي المقابل، تشتت القوى في الجبهة المقابلة. هذه العوامل، بحسب أبو مهدي، المتحدث باسم حركة مستقبل العدالة اليمنية، هي التي أدت إلى تغيير تدريجي للمعادلة التي راهنت عليها السعودية في بداية الحرب.

وفي حديثه لوكالة مهر، رفض أبو مهدي فكرة أن تقدم الحوثيين ناتج فقط عن دعم خارجي، مؤكدًا استقلاليتهم في القرارات العسكرية والسياسية، وأن علاقتهم بإيران لا تعني تبعية أو تلقي أوامر للعمليات.

لماذا تقدم الحوثيون؟

يعزو أبو مهدي العامل الأول إلى الفارق بين بنية الجبهتين؛ فالحوثيون دخلوا الميدان بهدف واضح وبنية متماسكة نسبيًا، بينما تتكون الجبهة المقابلة من مجموعات وقوى لا تمتلك بالضرورة أهدافًا متجانسة.

ويرى أن هذا ما مكن قوات الحوثي من تنفيذ القرارات الميدانية بسرعة أكبر، بينما واجهت القوى المقابلة في كثير من الأحيان خلافات سياسية أو محلية أو قبلية أو مذهبية.

وقال أبو مهدي: “المسألة ليست مجرد معدات، فعندما يكون لطرف هدف محدد، وتسير قيادته وقواته في مسار واحد، فمن الطبيعي أن يكون أداؤه الميداني مختلفًا، على العكس، عندما تتواجد عدة مجموعات ذات مصالح مختلفة في جبهة واحدة، يصبح التنسيق بينها أكثر صعوبة.”

الجغرافيا.. جبال تغير معادلة الحرب

تُعد اليمن جغرافيًا من أكثر البيئات العملياتية تعقيدًا في المنطقة. تتميز أجزاء منها بمناطق جبلية، ومرتفعات، ووديان عميقة، ومسارات صعبة، وهي مناطق تجعل العمليات البرية والسيطرة طويلة الأمد عليها صعبة على القوات المهاجمة.

وأشار أبو مهدي إلى هذه الخاصية قائلاً إن القوات اليمنية لديها معرفة دقيقة بمناطق القتال، وهذه المعرفة، في حرب امتدت لسنوات، أصبحت ميزة جدية.

ويرى أن القوى التي عاشت في منطقة ما لسنوات تعرف مساراتها ومرتفعاتها ووديانها ونقاطها الحساسة بشكل أفضل، وهذا يجعل تفوق المعدات لقوة خارجية لا يعني بالضرورة تفوقًا حاسمًا في الميدان.

في الواقع، تحولت جغرافيا اليمن على مدار الحرب من مجرد عامل طبيعي إلى جزء من المعادلة الدفاعية للبلاد، وهو عامل يجعل أي محاولة للتقدم البري وتثبيت المناطق المستولى عليها مكلفة للغاية.

جبهة متماسكة في مواجهة مجموعات متعددة

لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير التطورات الميدانية. العامل المهم الآخر هو بنية القوى المشاركة في الحرب.

يعتقد أبو مهدي أن السعودية سعت على مدار السنوات الماضية، عبر دعم مجموعات مختلفة، لخلق جبهة واسعة ضد الحوثيين، لكن هذا التعدد في القوى أصبح في النهاية أحد نقاط ضعف هذه الجبهة.

وقال إن المجموعات المختلفة في الجبهة المقابلة لا تمتلك بالضرورة رؤية موحدة لمستقبل اليمن، بل إن بعضها لديه خلافات حول البنية السياسية، ومستقبل المناطق الجنوبية، وكيفية تقسيم السلطة.

وبحسب قوله، تتجلى هذه الخلافات ميدانيًا أيضًا، مما يؤدي إلى استهلاك جزء من القدرة العسكرية لهذه القوى في المنافسات الداخلية بدلاً من التركيز على هدف مشترك.

من هذا المنطلق، فإن أحد الفروقات الأساسية بين طرفي الحرب لا يكمن فقط في حجم التسليح، بل في نوع التنظيم وتعريف الهدف النهائي.

من الحرب العسكرية إلى تشكيل سردية سياسية

عامل آخر يؤكد عليه أبو مهدي هو الربط بين النشاط العسكري للحوثيين وسردهم السياسي والاجتماعي.

وقال إن الحوثيين حاولوا تعريف وجودهم في الميدان في إطار مفاهيم مثل استقلال اليمن، ومعارضة التدخل الخارجي، ومواجهة وجود القوى الأجنبية، وهي سردية، بحسب قوله، وجدت لها صدى في أجزاء من المجتمع اليمني.

ويرى أبو مهدي أن هذا ما جعل الحرب بالنسبة لجزء من قوات الحوثي ليست مجرد معركة عسكرية، بل أصبحت نوعًا من الدفاع عن استقلال وسيادة اليمن.

وأضاف أن محاولات العدو لتقديم الحوثيين كقوة وكيلة لإيران لم تنجح في القضاء على هذه السردية بشكل كامل، وفي بعض المناطق، تشير الشعارات والمواقف الاجتماعية إلى وجود سردية مختلفة.

استراتيجية السعودية.. من الاعتماد على التحالف إلى إعادة بناء القوى المحلية

وأشار أبو مهدي في سياق متصل إلى استراتيجية السعودية، قائلاً إن الرياض سعت على مدار السنوات الماضية إلى زيادة الضغط على الحوثيين من خلال مجموعات وقوى مختلفة.

وبحسب قوله، تسعى السعودية حاليًا إلى خلق جبهة جديدة ضد الحوثيين عبر إنشاء أو تعزيز القوى المحلية في المناطق الجنوبية، وهو نهج يشير، من وجهة نظره، إلى عدم تحقق بعض الحسابات الأولية بشأن إمكانية هزيمة الحوثيين بسرعة.

ويرى أن تغيير السعودية لطريقتها من الاعتماد على الهجمات الجوية وقوات التحالف فقط، إلى تعزيز اللاعبين المحليين، هو دليل على محاولة تكييف الاستراتيجية العسكرية مع الواقع الميداني في اليمن.

تعز.. عقدة استراتيجية في معادلة الحرب اليمنية

من بين الجبهات التي يمكن أن تؤثر تطوراتها على موازين القوى العسكرية في اليمن، تحتل مدينة تعز مكانة خاصة؛ فالمدينة لا تقتصر أهميتها على موقعها الجغرافي فحسب، بل بسبب موقعها السكاني والاتصالي والسياسي، تُعد أحد النقاط المؤثرة في معادلات الداخل اليمني.

تقع تعز في جنوب غرب اليمن على مسار يربط المناطق الداخلية بالساحل الغربي والبحر الأحمر والمحاور المؤدية إلى باب المندب. لذا، فإن التطورات العسكرية المحيطة بالمدينة يمكن أن تؤثر على الارتباط بين الجبهات المختلفة وتشكيل القوات في غرب وجنوب غرب اليمن.

وفي هذا الإطار، أشار أبو مهدي إلى التطورات الأخيرة، واصفًا الضغط على تعز بأنه أحد المحاور المهمة لتقدم القوى الموالية لصنعاء. من وجهة نظره، يمكن أن يؤدي تغيير الموازين في هذه المنطقة إلى وضع القوى المقابلة تحت الضغط والتأثير على مسار التطورات في الجبهات الأخرى.

تكمن أهمية تعز من هذا المنظور في شقين: من جهة، موقعها الجغرافي والاتصالي يجعل هذه المدينة ومحيطها نقطة مهمة في التشكيل العسكري، ومن جهة أخرى، فإن مكانة تعز السياسية والاجتماعية تجعل تطوراتها تتجاوز مجرد تغيير في خطوط التماس.

ومع ذلك، فإن مدى تأثير التقدمات المشار إليها على مستقبل الحرب يعتمد على التفاصيل الميدانية، والمناطق الخاضعة لسيطرة كل طرف، وقدرة القوى على تثبيت المواقع، وهو موضوع يتطلب لتقييمه بدقة دراسة مستقلة للمعلومات المتعلقة بمحاور العمليات والوضع الراهن للمناطق المحيطة بتعز.

الهجمات الأخيرة.. هل يمكن للقصف تغيير موازين الميدان؟

في ظل هذه الظروف، يجب تحليل الهجمات الأخيرة ضد مواقع الحوثيين في إطار محاولة إيقاف تطورات الميدان.

ويرى أبو مهدي أن الهجمات الجوية، حتى لو كانت على نطاق واسع، لا تعني بالضرورة تغيير الموازين الميدانية، لأن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن البنية العسكرية للحوثيين قد تكيفت إلى حد كبير مع الحرب الطويلة والهجمات الجوية.

وقال إن الدعم الاستخباراتي واللوجستي والعسكري الأمريكي لا يزال في متناول السعودية، وبعض الدول قد تقدم دعمًا لرياض سياسيًا أو استخباراتيًا أو تجهيزيًا.

ومع ذلك، فيما يتعلق بمدى وشكل مشاركة دول مثل تركيا أو باكستان بشكل مباشر، يجب التفريق بين التكهنات وطلبات التعاون والدخول المباشر في الحرب، وأي ادعاء بمشاركة عسكرية مباشرة يتطلب تأكيدًا من مصادر مستقلة.

لماذا لم تتحول الحرب للحوثيين إلى حرب قصيرة الأمد؟

أحد النقاط المهمة في تصريحات أبو مهدي هو التأكيد على أن القوى اليمنية أعدت نفسها منذ البداية لحرب طويلة الأمد.

ويرى أن استمرار الحرب على مدار السنوات الماضية قد أكسب الحوثيين خبرة كبيرة في مجال العمليات العسكرية، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، والمعلومات الميدانية، ومواجهة الهجمات الجوية.

وبعبارة أخرى، لم تكن الحرب الطويلة للحوثيين مجرد فترة استنزاف، بل تحولت إلى فترة لاكتساب الخبرة وإعادة بناء البنية العسكرية.

وهذا يمكن أن يكون أحد الأسباب الرئيسية لعدم تحقيق هدف إقصاء الحوثيين من المعادلة السياسية والعسكرية اليمنية، على الرغم من الضغوط الواسعة.

نقل الضغط من حدود اليمن إلى عمق السعودية

أكد أبو مهدي في جزء آخر من حديثه على تغيير الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، وهي استراتيجية لم تعد فيها الهجمات على اليمن بلا تكلفة على الطرف الآخر.

من وجهة نظره، الهدف هو أن ترافق أي هجوم على الأراضي اليمنية إمكانية الرد في عمق الأراضي السعودية، ومن خلال ذلك، تزداد تكلفة القرار العسكري على الرياض.

هذه الاستراتيجية، إذا استمرت، يمكن أن تحول الحرب اليمنية من صراع داخلي بالأساس إلى معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا، معادلة تأخذ فيها أمن حدود السعودية الجنوبية ومنشآتها الحيوية مكانها في حسابات صناع القرار في الرياض.

السعودية بين خيارين.. تصعيد الحرب أو المسار السياسي

في رده على سؤال حول المسار الذي ستتجه إليه مستقبل الحرب اليمنية، أشار أبو مهدي إلى مسارين رئيسيين محتملين: الأول، تصعيد جديد للحرب الأهلية ومحاولة فتح جبهات جديدة، والثاني، زيادة الضغط العسكري والأمني على السعودية لإجبار الرياض على قبول حل سياسي.

ويرى أنه في حال استمرار دعم السعودية للقوى المعارضة لصنعاء واستمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية، ستستمر العمليات العسكرية.

على النقيض، إذا توفرت الظروف لوقف الدعم العسكري، وتقليل القيود، والتحرك نحو اتفاق سياسي، ستكون هناك إمكانية لتقليل الاشتباكات.

من هذا المنظور، فإن الميدان العسكري ومائدة التفاوض في اليمن ليسا منفصلين؛ فأي تغيير في موازين الميدان يمكن أن يؤثر على الحسابات السياسية، وأي تطور سياسي يمكن أن يغير التشكيل العسكري.

إيران واليمن.. علاقة لا يعتبرها الحوثيون تبعية

كان دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التطورات اليمنية أحد المحاور المهمة الأخرى للحوار.

وأكد أبو مهدي أن الحوثيين مستقلون في قراراتهم، وحتى في حال دخول الولايات المتحدة أو لاعبين خارجيين آخرين بشكل مباشر في الحرب اليمنية، فإن إيران لن تدخل بالضرورة في الحرب الأهلية هذه.

كما أكد أن الحوثيين لديهم علاقات وثيقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تلقي أوامر أو تبعية كاملة في القرارات العسكرية.

هذا الموقف هو في الواقع جزء من السردية السياسية للحوثيين حول هويتهم المستقلة، سردية تحاول تقديم الجماعة كلاعب محلي له حساباته المستقلة في معادلات اليمن.

المسألة الأساسية.. حرب لم تنتهِ بعد

ما يمكن استخلاصه من التطورات الأخيرة في اليمن وتصريحات أبو مهدي هو أن معادلة الحرب في هذا البلد لا تزال سائلة، ولم يتمكن أي من الطرفين من إخراج الآخر بشكل كامل من الميدان.

التقدمات الأخيرة للحوثيين، إذا تم تثبيتها ميدانيًا، يمكن أن تزيد الضغط على الجبهات المقابلة، لكن من ناحية أخرى، فإن محاولات السعودية لإعادة بناء القوى المحلية والاستفادة من القدرات الإقليمية تظهر أن الرياض لم تتخل بعد عن استمرار المنافسة العسكرية والسياسية في اليمن.

في غضون ذلك، فإن الهجمات الجوية، على الرغم من أنها يمكن أن تفرض تكاليف على البنية التحتية والقدرة العسكرية لليمن، إلا أن تجربة الحرب أظهرت أن القوة الجوية وحدها لا تكفي لتغيير الموازين بشكل دائم، خاصة في بلد تتزايد فيه قدرة المقاومة بفعل الجغرافيا الجبلية، والشبكات المحلية، وخبرة الحرب الطويلة.

معادلة اليمن لم تعد تُحدد بقوة جوية

لقد تحولت حرب اليمن على مدار السنوات الماضية من عملية عسكرية لتغيير بنية السلطة، إلى معركة متعددة الطبقات؛ معركة تلعب فيها الجغرافيا، وتماسك القوى، والخبرة العسكرية، والدعم الاجتماعي، وقدرات الصواريخ والطائرات المسيرة، وأخيرًا الحسابات الإقليمية، أدوارًا متزامنة.

من وجهة نظر أبو مهدي، يجب البحث عن السبب الرئيسي لتقدم الحوثيين في تلاقي هذه العوامل: معرفة جغرافيا اليمن، والتماسك في القيادة والهدف، وخبرة الحرب الطويلة، وفي المقابل، تشتت واختلاف المصالح في الجبهة المعارضة.

في غضون ذلك، يمكن أن تكون تعز إحدى أهم النقاط التي ستؤثر نتيجة تطوراتها على التشكيل المستقبلي للحرب؛ ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل بسبب مكانتها السكانية والسياسية والاتصالية في معادلات اليمن.

لهذا السبب، فإن مسألة اليمن لم تعد مجرد مسألة من يملك المزيد من المعدات؛ السؤال الأساسي هو من يملك القدرة الأكبر على تحويل القوة العسكرية إلى موازين سياسية وميدانية مستقرة.

إذا تمكن الحوثيون من تثبيت تقدمهم الأخير وتحويل الضغط العسكري إلى رافعة سياسية، ستدخل الحرب اليمنية مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تواجه فيها السعودية مجرد مجموعة متمردة يمكن إقصاؤها على المدى القصير، بل لاعبًا تمكن على مدار عقد من الحرب من الحفاظ على بنيته العسكرية والسياسية وتغيير موازين الميدان لصالحه إلى حد ما.

على النقيض، إذا تمكنت الجبهة المعارضة من تقليل خلافاتها الداخلية وتنظيم الدعم الإقليمي والدولي في إطار استراتيجية متماسكة، فسيكون هناك إمكانية لتغيير الموازين مرة أخرى.

لذلك، لا ينبغي اعتبار التطورات الأخيرة نهاية للحرب اليمنية؛ بل يمكن اعتبارها مؤشرًا على دخول الحرب مرحلة جديدة من التنافس على موازين القوة، مرحلة لا تتحدد فيها نتيجة المعركة فقط على خطوط التماس، بل في قدرة كل طرف على الحفاظ على التماسك، والسيطرة على الجغرافيا، وتحويل المكاسب العسكرية إلى امتياز سياسي.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى