أمريكا في فخ الاستعراض العسكري.. استنزاف الجيش تحت وطأة الالتزامات العالمية

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، يواجه الجيش الأمريكي، رغم امتلاكه أحدث الأسلحة وأكبر الميزانيات الدفاعية في العالم، مشكلة لا تستطيع زيادة الإنفاق الدفاعي وحدها حلها: فجوة بين اتساع نطاق الالتزامات العسكرية لواشنطن والقدرة الفعلية للبلاد على الحفاظ على الجاهزية القتالية على المدى الطويل.
ويشير تحليل بري بوزان، أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، إلى أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم، والحروب الطويلة، والاستهلاك المتزايد للأسلحة المتطورة، يفرض ضغطًا كبيرًا على القوات المسلحة الأمريكية. ويرى الكاتب أن المشكلة الأساسية ليست نقص التكنولوجيا العسكرية، بل الاستراتيجية التي تتوقع من الجيش الأمريكي أن يكون متواجدًا في عدة مناطق في وقت واحد، وأن يردع الخصوم، ويدافع عن الحلفاء، ويبقى مستعدًا للحرب ضد القوى الكبرى.
ويطرح هذا الوضع سؤالًا جوهريًا حول القوة العالمية لأمريكا: هل تستطيع واشنطن، بالموارد المتاحة، الحفاظ على جميع التزاماتها العسكرية، أم أن توسيع الأنشطة العسكرية سيضعف في النهاية قدرة البلاد على مواجهة تهديدات أكثر أهمية؟
علامات الاستنزاف في الهيكل العسكري الأمريكي
أحد أبرز الأمثلة التي يقدمها بوزان لتوضيح هذه المسألة هو عودة حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” ومجموعتها القتالية إلى أمريكا في 8 أكتوبر، بعد 320 يومًا من التواجد في البحر.
ووفقًا للمقال، رافقت هذه المهمة الطويلة مشاكل مثل نقص الإمدادات، وتعطل المنشآت الصحية، وتلوث المياه، وانخفاض ملحوظ في معنويات الجنود. ويشير الكاتب أيضًا إلى ثمانية بحارة انتحروا خلال هذه الفترة.
تتجاوز أهمية هذا الحدث المشاكل الخاصة بحاملة طائرات أو مهمة معينة. فالاستمرارية في المهام الطويلة يمكن أن تقلل الوقت اللازم لصيانة المعدات، وتزيد الضغط النفسي والتشغيلي على القوات العسكرية، وتؤثر على جاهزية الوحدات للمهام التالية.
ويشير بوزان إلى مخاوف مماثلة بشأن طول مدة مهام مجموعات حاملات الطائرات الأخرى، ونقل القوات والمعدات من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، وانخفاض مخزونات الذخائر الأمريكية المتقدمة.
تظهر هذه العوامل مجتمعة أن الحفاظ على وجود عسكري واسع، حتى بالنسبة لدولة مثل أمريكا ذات القدرات الاقتصادية والتكنولوجية، ليس بلا ثمن. فكل مهمة طويلة تستهلك موارد مطلوبة أيضًا للصيانة والتدريب وإعداد القوات أو لمواجهة الأزمات المستقبلية.
التناقض الاستراتيجي: جيش للحرب القصيرة عالق في أزمات طويلة
تعود جذور جزء من المشاكل الحالية إلى التناقض بين تصميم الجيش الأمريكي وكيفية استخدامه. بحسب بوزان، نظّم المخططون الدفاعيون الأمريكيون منذ الحرب الباردة القوات المسلحة لمواجهة تهديدات كبيرة وحتى إدارة حربين رئيسيتين في وقت واحد. وبناءً على ذلك، يركز جزء كبير من القدرة العسكرية للبلاد على الأسلحة المتطورة المصممة لإحداث ضربات قوية ودقيقة ضد العدو في المراحل الأولى من الحرب.
لكن هذا النموذج يعتمد على افتراض نهاية الصراع بسرعة نسبيًا. في المقابل، تظهر تجربة الحروب الطويلة أن التفوق الأولي في القوة النارية لا يؤدي بالضرورة إلى نهاية سريعة للحرب.
وفي ظل هذه الظروف، يجب على الجيش الأمريكي إبقاء القوات منتشرة لفترة طويلة، واستبدال الذخائر المستهلكة، وصيانة المعدات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على مواجهة أزمات جديدة. وهذه هي النقطة التي تظهر فيها القيود الهيكلية للجيش.
على سبيل المثال، يذكر الكاتب أن تكلفة كل طائرة مقاتلة من طراز إف-35 تبلغ حوالي 100 مليون دولار، موضحًا أن الإنتاج الضخم والاستبدال السريع لهذه المعدات المتطورة ليس بالأمر السهل. لذلك، كلما زاد استخدام هذه الأسلحة في الصراعات الجارية، أصبح من الصعب الحفاظ على المخزونات اللازمة للمواجهات المستقبلية المحتملة.
من هذا المنظور، لا تقتصر مشكلة أمريكا على حجم قدرة أسلحتها التدميرية فحسب؛ بل تكمن أهمية القدرة على مواصلة العمليات بعد استهلاك المخزونات الأولية وتحمل تكاليف صراع استنزافي.
الحرب مع إيران وتحدي نهاية الصراعات السريعة
يتناول مقال “فورين أفيرز” الحرب الأمريكية ضد إيران لشرح هذه القيود. يعتقد بوزان أن واشنطن ربما تصورت أنها تستطيع هزيمة الجمهورية الإسلامية في فترة قصيرة، لكن خصوم أمريكا في العقود الأخيرة تبنوا طرقًا مختلفة لمواجهة التفوق العسكري لهذا البلد. وفقًا لتحليل الكاتب، فإن المنافسين الإقليميين لا يسعون بالضرورة إلى بناء جيوش مماثلة لجيوش القوى الكبرى؛ بل قد يركزون على القدرة على تحمل الضربات، ومواصلة المقاومة، والحفاظ على مستوى معين من النشاط العسكري في الظروف الصعبة.
هذا النهج، بحد ذاته، لا يلغي التفوق العسكري الأمريكي، ولكنه يمكن أن يمنع تحقيق أحد الأهداف الرئيسية للاستراتيجية العسكرية لواشنطن: الإنهاء السريع للصراع باستخدام قوة نارية متفوقة.
إذا طالت الحرب على عكس توقعات أمريكا، فسيزداد استهلاك الذخائر، وتزداد الضغوط على القوات المنتشرة، وسيتم نقل الموارد المخصصة لمناطق أخرى إلى الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، قد تتأثر قدرة أمريكا على الاستجابة في مناطق أخرى أيضًا.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لواشنطن؛ لأن تزامن الأزمات يمكن أن يحول محدودية الموارد إلى مشكلة استراتيجية. فالجيش الذي يمتلك قدرة عالية لصراع معين، لا يمكنه بالضرورة الحفاظ على نفس المستوى من الأداء في جبهات متعددة ولفترة غير محدودة.
لماذا لا يكفي زيادة الميزانية العسكرية؟
تسعى واشنطن، ردًا على المخاوف المتعلقة بجاهزية الجيش، إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع القدرات العسكرية. وفقًا للمقال، قد تشهد الميزانية الدفاعية الأساسية قيد المناقشة للسنة المالية 2027 زيادة تزيد عن 25% لتصل إلى حوالي 1.1 تريليون دولار. كما يسعى البنتاغون لتأمين 350 مليار دولار إضافية تتجاوز الميزانية الأساسية.
إضافة إلى ذلك، يطالب المسؤولون الدفاعيون الأمريكيون بتجنيد أكثر من 40 ألف جندي جديد. ومع ذلك، يعتقد بوزان أن زيادة محدودة في عدد القوات ليست كافية لحل مشاكل الجاهزية، وشراء معدات أكثر تقدمًا لا يمكن أن يزيل آثار الانتشار المستمر والحروب المتكررة.
سبب ذلك واضح: فميزانية أكبر يمكن أن تسهل شراء الأسلحة وتطوير القدرات، لكن تصنيع المعدات، وتدريب المتخصصين، وإصلاح الأنظمة المستنزفة، وزيادة قدرة إنتاج الذخائر تتطلب وقتًا. وزيادة التكاليف وحدها لا يمكنها حل هذه القيود الزمنية والتشغيلية فورًا.
يشير بوزان أيضًا إلى انخفاض معدل الجاهزية الكاملة للمهام للطائرات المقاتلة من طراز إف-35 من 38% في عام 2021 إلى 25%. ويُعد هذا الرقم في المقال مثالًا على صعوبة الحفاظ على جاهزية المعدات في ظل الاستخدام المستمر.
لذلك، قد تعني زيادة الميزانية العسكرية دون تعديل نمط استخدام القوات، إنفاق المزيد من الأموال للحفاظ على هيكل لا يزال يعمل بما يتجاوز قدرته المستدامة.
قيود القوة الأمريكية وضرورة مراجعة الالتزامات العالمية
يقترح الكاتب الرئيسي خفض جزء من الأنشطة العسكرية وإعادة ترتيب أولويات الالتزامات العالمية للولايات المتحدة. ويعتقد أنه يجب على واشنطن الحفاظ على القدرة اللازمة لمواجهة التهديدات الكبرى، ولكن تقليل المهام التي تشتت الموارد العسكرية.
تُعد أوروبا أحد محاور هذا الاقتراح. يجادل بوزان بأن الدول الأوروبية الرئيسية تمتلك الموارد الاقتصادية والتكنولوجية اللازمة لتحمل المزيد من المسؤولية في الدفاع عن قارتها. لذلك، يمكن لأمريكا إعادة جزء من القوات المنتشرة في أوروبا وإسناد المزيد من المسؤولية للحلفاء الأوروبيين.
يعكس هذا الاقتراح حقيقة مهمة في تحليل الكاتب: لا تستطيع واشنطن، بلا ثمن، تحمل مسؤولية الدفاع عن أوروبا، وردع الصين، وإدارة الصراعات الطويلة في الشرق الأوسط في وقت واحد.
في الواقع، كلما اتسعت الالتزامات العسكرية الأمريكية، زادت الحاجة إلى تقاسم الموارد بين مختلف المناطق. وهذا التشتت يمكن أن يقلل من القدرة على التركيز على أهم التهديدات، ويرفع تكلفة الحفاظ على الجاهزية للحروب الكبرى.
خلاصة
يقدم تحليل “فورين أفيرز” صورة لجيش يواجه تحديات في الحفاظ على الجاهزية التشغيلية تحت ضغط الأنشطة المستمرة، على الرغم من امتلاكه تكنولوجيا متقدمة وميزانية ضخمة.
المشكلة الرئيسية ليست العجز المطلق للجيش الأمريكي عن القتال؛ بل قيوده في الاستمرارية المتزامنة للمهام المتعددة، والاستبدال السريع للأسلحة المستهلكة، والحفاظ على الجاهزية للأزمات غير المتوقعة.
يمكن لهذه القيود أن تعقّد حسابات واشنطن الاستراتيجية. وكلما انخرطت أمريكا أكثر في صراعات طويلة، زاد احتمال ارتفاع التكاليف، واستنزاف المعدات، وانخفاض المرونة العسكرية. وفي مثل هذه الظروف، حتى الجيش المتقدم للغاية سيضطر إلى تحديد أولويات بين التزاماته المختلفة.
الرسالة النهائية للمقال هي أن القوة العسكرية الأمريكية لا يمكن قياسها فقط بالميزانية الدفاعية وتطور الأسلحة؛ بل إن القدرة على الحفاظ على الجاهزية واستمرار العمليات على المدى الطويل هي أيضًا عامل حاسم. وإذا لم تتمكن واشنطن من تحقيق توازن بين طموحاتها العالمية والقدرة الفعلية لجيشها، فإن محاولة الحفاظ على التفوق في جميع المناطق قد تؤدي إلى استنزاف نفس القوة التي تسعى أمريكا للدفاع عنها.
