لماذا كلمة السلام تحولت إلى مسرحية سياسية أمريكية في غزة

وكالة مهر، مجموعة الشؤون الدولية: دور الولايات المتحدة في حرب غزة منذ اندلاع الاشتباكات في أكتوبر 2023 كان واحداً من أهم وأكثر الجوانب إثارة للجدل في هذه الأزمة الإنسانية. على عكس الصورة العامة التي تحاول أمريكا تقديمها لنفسها كوسيط للسلام وحافظ للاستقرار الإقليمي، الواقع يكشف أن هذا البلد لم يكن مجرد مسبب لاستمرار الحرب، بل إنه من قلب هذه المأساة بدعم مالي وعسكري واسع لإسرائيل.
تاريخ العلاقة العسكرية والمالية بين الولايات المتحدة والنظام الصهيوني ليس جديدًا، لكن شدة واتساع الدعم خلال حرب غزة تجاوزت مجرد دعم لحليف أو تنفيذ مصالح استراتيجية. فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، كانت أمريكا المورد الأساسي للمعدات العسكرية لهذا النظام. على مدار عقود، تدفقت مليارات الدولارات كمساعدات طويلة الأمد واتفاقيات عسكرية إلى النظام الصهيوني، وموجهة بشكل كبير لشراء الأسلحة من الشركات الأمريكية. ظاهريًا حفظت هذه المساعدات التفوق العسكري للنظام الإسرائيلي بالمنطقة؛ لكن عمليًا ما تم تثبيته بشكل أكبر هو استمرار العنف والقمع في الأراضي المحتلة.
في السنوات الأخيرة أصبح الدعم العسكري الأمريكي للنظام الصهيوني منظماً أكثر عبر اتفاقيات مثل مذكرة التفاهم العشرية التي أبرمها الرئيس أوباما. ووفقاً لهذه الاتفاقية تلتزم أمريكا بتقديم 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدة عسكرية لإسرائيل. وبعد اندلاع حرب غزة خصصت الإدارة الأمريكية مساعدات طارئة إضافية زادت بشكل غير مسبوق حجم هذه الموارد المالية والعسكرية المقدمة لهذا النظام حتى نهاية عام 2024 إلى ما لا يقل عن 17.9 مليار دولار مباشرةً وفق بيانات مراكز بحث مستقلة؛ ومع احتساب الدعم غير المباشر وعمليات بيع الأسلحة قيد الموافقة العملياتية الإقليمية قد تتجاوز المساعدات الـ30 مليار دولار.
الأمر اللافت أن هذه الأموال الضخمة لا تُصرف من ميزانية فائضة وإنما تُموّل مباشرةً من ضرائب المواطنين الأمريكيين أنفسهم؛ بمعنى آخر يساهم كل أمريكي بطريقه ما بتمويل آلة الحرب التي تدار آلاف الكيلومترات بعيداً عن أراضي بلادهِمْ. وبحسب تقديرات إحصائية إذا قُسمت التكلفة الإجمالية المرتبطة بحرب غزة على عدد دافعي الضرائب فإن متوسط الإنفاق لكل فرد يبلغ حوالي 85 دولاراً للقتال هناك بعض التقارير رفعت القيمة إلى أكثر من 165 دولار باحتساب المساعدات غير المباشرة والتكاليف الخفية الأخرى.
ويأتي ذلك وسط أزمة حادة تعاني منها العديد من ولايات الولايات المتحدة على صعد منها الصحة والتعليم والإسكان والبيئة؛ إذ شهد عام 2024 خفضًا في ميزانية وكالة حماية البيئة بينما ارتفعت الميزانية العسكرية والمساعدات لإسرائيل بنفس العام يمكن بتكلفة مساهمة واحدة قدمتها واشنطن توفير التأمين الصحي لـ6 ملايين طفل أمريكي أو توظيف مئات الآلاف من المعلمين الجدد يعكس هذا مقارنة واضحة التناقض بين أولويات المواطنين والسياسات الرسمية الامريكية.
السؤال المحوري الذي يُثار هنا هو: مَن يستفيد فعلاً من السياسة الخارجية الأمريكية؟ نصف أكبر أجزاء المساعدات العسكرية لأسرائيل مشروطة بأن تشتري المعدات والأسلحة حصراً لشركات دفاع أمريكية مما يعني أن جزءا كبيرا جدا مما تخصصه أمريكا لإسرائيل يعود مرة أخرى إلى جيوب شركات التصنيع الحربي الوطنية مثل لوكهيد مارتن وبوينغ وريثيون وهي منتفعون رئيسيون بهذا الهيكل الذي حول الحرب إلى سلعة مربحة للاقتصاد القائم على الصناعة الحربية بأمريكا.
عندما تقارن الحقائق السابقة مع الصور اليومية القادمة من غزة تتضح مأساة الوضع أكثر فأكثر فآلاف القتلى ومئات الآلاف النازحين والمستشفيات المدمرَة والأطفال الذين سقطوا ضحايا لقنابل صنعتها أميركا تكشف الوجه الحقيقي لسياسة واشنطن الخارجية وفي هذا السياق يبدو ادعاء دور الوساطة السلمية بمثابة خدعة مستترة وليست موقفا صادقاً
داخل المجتمع الأمريكي أيضاً يتزايد الرفض لهذه السياسة ففي الأوساط الشبابية ومنظمات حقوق الإنسان وحتى بعض أعضاء الكونغرس يعبرون علناً عن معارضتهم للدعم اللا محدود للشعب اليهودي ويظهر استطلاع حديث أن غالبية الفئة العمرية بين (18-29) سنة ضد تقديم أي دعم عسكري للنظام الإسرائيلي وهذا التحول جاء ليس فقط بسبب الوعي المتزايد وإنما بفضل انتشار واسع للصور والتقارير المؤلمة عن استهداف المدنيين والمناظر الدامية لغزة وتأثيرها الكبير على الرأي العام
وفي الوقت نفسه تنشط داخل المجتمع اليهودي الأميركي أصوات مختلفة فلم يعد تأييد إسرائيل أمراً مسلماً به كما كان سابقا فالعديد منهم بدأوا بالتعبير عن مخاوفهم إزاء جرائم دولة الاحتلال ودور واشنطن فيها حيث تشارك حركات مثل «يهود لبناء السلام» بمظاهرات ضدّ الحروب وتطالب بإيقاف الدعم العسكري
وسط هذا المناخ السياسي والاجتماعي يبقى مستقبل العلاقات العسكرية بين واشنطن وتل أبيب تحديداً بعد انتهاء مذكرة التفاهم العشرية الحالية عام 2028 غامضاً يقول خبراء إن على أمريكا تبني نماذج جديدة تكون فيها المساعدات مرتبطة باحترام حقوق الإنسان والقوانين الدولية إلاّ أنه نظرا لتأثير جماعات الضغط القوية مثل AIPAC ولوجود نظام الحزبين المؤكد للدعم الإسرائيلي فإن طريق التغيير محفوف بعراقيل كبيرة
مع ذلك قد يكون الضغط المجتمعي والتغير التدريجي في البيئة العامة بوادر تحول فالمزيد من وعي الجمهور وزيادة الشفافية بشأن نفقات الحرب وانتشار النقد الأخلاقي للسلوك الخارجي الأميركي خطوات مهمة ربما تؤدي لاحقا إلى إعادة تقييم دور البلاد بالشرق الأوسط
أخيرًا ، إنَّ مجموع الأدلة والبيانات يشكّل صورة جلية لدور أميركا في حرب غزّة ؛ ليست وسيط سلامٍ أو ساعي إليها ، بل شريك نشطٌ في بناء آلة الحربِ الاسرائيلِيّة . بلدٌ يستخدم ضرائب مواطنيه ليُمَوِّلَ قصف المستشفيات والمدارس بغزة مُهملًا المبادئ الإنسانية الأساسية ، سامياً بذلك نفسه خارج صف القيادة الأخلاقِيّة عالمياً . وطالما استمرّ الوضع هكذا فللنأي بالسلام شرق أوسطِيٍ لن يكون سوى ستار يغطي المصالح العسكريّة الاقتصادية p>
