ما الذي يجري في شرق اليمن؟ من النزعة الانفصالية الإماراتية إلى الانسحاب السعودي

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تشهد محافظتا حضرموت والمهرة، الأكبر مساحة والأغنى بالموارد الطبيعية في اليمن، تقدماً عسكرياً لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، بالتزامن مع ردود فعل من القبائل المحلية المتحالفة مع السعودية.
تتزامن هذه التطورات مع تحولات سياسية على المستويين الوطني والإقليمي، ما قد يعيد رسم خريطة القوى في جنوب وشرق اليمن. يهدف هذا التقرير إلى تحليل مسار الصراعات، الأطراف المتورطة، أهمية المناطق الاستراتيجية، ودور اللاعبين الخارجيين.
من أين بدأت التوترات؟
قبل تصاعد الأزمة، كانت محافظة حضرموت على وشك الدخول في مرحلة جديدة من التوتر. اندلعت الشرارة الأولى عندما بدأت الميليشيات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة “أبو علي الحضرمي”، في تحركات عسكرية في مدينة المكلا الساحلية، مركز محافظة حضرموت. وفقًا لمصادر محلية، جاءت هذه التحركات بعد إقالة “مبخوت بن ماضي”، محافظ حضرموت المدعوم من الإمارات، من قبل “رشاد العليمي”، رئيس المجلس الرئاسي المقيم في الرياض.
أثار هذا الإجراء غضب أبوظبي والقوات الموالية لها، ما أدى إلى تفاقم التوترات. لطالما كانت حضرموت، قلب الموارد النفطية اليمنية، مسرحًا للصراع بين القبائل المحلية بقيادة “عمرو بن حبريش” وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي. في الماضي، تمكنت قبائل حضرموت من إخراج قوات المجلس الانتقالي من المناطق النفطية، لكن هذه المرة تغيرت المعادلة تمامًا، وتمكن المجلس الانتقالي من بدء تقدمه بتخطيط دقيق.
المنافسة السعودية الإماراتية: الجذر الرئيسي للأزمة
وراء هذه التطورات، تكمن المنافسة المباشرة بين السعودية والإمارات للسيطرة على جنوب وشرق اليمن. وفقًا لتحليل المحلل اليمني فارس الحميري، على الرغم من مشاركة البلدين في التحالف الذي يشن الحرب على اليمن، فإنهما يسعيان لتحقيق أهداف مختلفة تمامًا. تسعى الإمارات منذ سنوات إلى إنشاء “جنوب مستقل” من خلال تجهيز وتنظيم قوات المجلس الانتقالي، بينما تؤكد السعودية على الحفاظ على وحدة اليمن، وقامت بتسليح وتعزيز قبائل حضرموت. أصبحت حضرموت اليوم ساحة منافسة مباشرة بين البلدين، حيث قام كل منهما بتفعيل قواته بالوكالة، وهذه المنافسة الآن تخرج عن السيطرة.
التقدم السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي
بعد فشل الجهود المبذولة لوقف الاشتباكات بين قوات المجلس الانتقالي وقبائل حضرموت، أطلقت قوات المجلس الانتقالي عملية واسعة النطاق. وذكرت مصادر محلية لصحيفة الأخبار أن قوات المجلس الانتقالي تحركت على طول ساحل حضرموت ووصلت أولاً إلى ضواحي مدينتي سيئون وتريم.
في الوقت نفسه، وصلت وحدات الدعم من محاور مختلفة إلى مدينة ساه. تشير هذه التحركات المنسقة إلى عملية عسكرية مخططة وواسعة النطاق. كما تقدمت ألوية “قوات دفاع شبوة” بقيادة “وجدي باعوم” في محور دوعن، وتحركت عشرات المركبات المدرعة التابعة لقوات المجلس الانتقالي من محافظة أبين باتجاه منطقة خشعة الاستراتيجية في محافظة حضرموت، وهي منطقة تعتبر من أهم النقاط النفطية في حضرموت.
في إحدى النقاط المهمة في هذه العملية، تجاوزت قوات المجلس الانتقالي منطقة الهضبة ومرت بالقرب من حقول النفط دون اشتباكات، وهو التحرك الذي أظهر أن قبائل حضرموت تُركت عملياً بمفردها وأن السعودية تخلت عن دعم جدي.
سقوط سيئون: ضربة استراتيجية للسعودية
أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي أخيرًا أن مدينة سيئون الاستراتيجية، مركز محافظة حضرموت، أصبحت تحت سيطرته بالكامل. وشمل ذلك القصر الرئاسي ومطار سيئون الدولي. وذكرت مصادر محلية أن سقوط هذه المناطق غيّر خريطة القوى في شرق اليمن وهز آخر أعمدة النفوذ السعودي في حضرموت.
بيان المنطقة العسكرية الأولى، الذي تحدث عن خط أحمر والدفاع حتى النهاية، لم يتمكن عمليًا من منع تقدم قوات المجلس الانتقالي، وأكدت مصادر ميدانية أن سقوط هذه المنطقة العسكرية يعني السيطرة الكاملة للمجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة حضرموت، مما يجعل تنفيذ خطة انفصال الجنوب وشيكًا.
انسحاب سعودي هادئ: ضوء أخضر أم عجز؟
على عكس توقعات قبائل حضرموت، لم تقدم السعودية دعمًا عمليًا واسع النطاق، بل اقتصر وجودها على قوات “درع الوطن” على طول الطريق الحدودي. يرى بعض المحللين أن هذا الإجراء هو نوع من التخلي عن التحالف القبلي الحضرمي وقبول الأمر الواقع الجديد، والذي يمكن أن يكون له تداعيات جيوسياسية مهمة على ميزان القوى في شرق اليمن. وأكد فارس الحميري في حديث لقناة الجزيرة أن هذا الانسحاب يعني إما ضوءًا أخضر للإمارات أو علامة على عجز الرياض عن مواجهة تقدم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
سيطرة المجلس الانتقالي على المهرة: الخطوة التالية في المشروع الإماراتي
في حين استمرت التوترات في حضرموت، وقع تطور غير مسبوق فجر يوم الخميس: سيطرة المجلس الانتقالي على محافظة المهرة دون قتال. وذكرت مصادر محلية أن ميليشيات المجلس الانتقالي توصلت إلى اتفاق مع قادة محور الغيضة دون إطلاق رصاصة واحدة، وسيطرت على القصر الحكومي وميناء نشطون واللواء 137 مشاة وقيادة محور الغيضة وجميع نقاط التفتيش الأمنية.
يشير أمر محور الغيضة بـ”عدم منع” تقدم قوات المجلس الانتقالي إلى وجود اتفاق خفي أو أن السعودية فقدت عمليًا السيطرة على المحافظة. وفي وقت لاحق، انضم اللواء 11 حرس الحدود في معسكر الرماه إلى قوات المجلس الانتقالي، وبعد ساعات قليلة، سقط اللواء 23 مدرع أيضًا في منطقة العبر.
اتفاق شكلي: تهدئة أم مسكن لأزمة أكبر؟
وقعت هذه التطورات بعد أن أرسلت السعودية وفدًا أمنيًا برئاسة العميد محمد عبيد القحطاني إلى حضرموت وأكد على ضرورة منع الاشتباكات. حتى أنه قال إن “المعركة الرئيسية يجب أن تكون ضد أنصار الله، وليس في حضرموت”. ومع ذلك، يرى المحللون السياسيون أن هذه الرسالة تعني ضوءًا أخضر ضمنيًا للإمارات والمجلس الانتقالي. وتؤكد مصادر ميدانية أيضًا أن قوات المجلس الانتقالي تمكنت من السيطرة على المناطق الرئيسية في المهرة دون عائق جدي.
دور القبائل ورد فعل تحالف قبائل حضرموت
لعبت قبائل حضرموت، وخاصة تحالف قبائل حضرموت بقيادة “عمرو بن حبريش”، دورًا مهمًا في التطورات الأخيرة. وذكرت قناة الجزيرة أن هذا التحالف، على الرغم من جهوده للمقاومة، كان لديه قدرة عسكرية محدودة وكان أقل قوة مقارنة بقوات المجلس الانتقالي الجنوبي. تمكنت قوات تحالف قبائل حضرموت من السيطرة على بعض المناطق النفطية مثل حقول المسيلة النفطية لفترة قصيرة، لكن التقدم المنسق للمجلس الانتقالي وضعف الدعم السعودي أدى إلى فشل هذه المقاومة.
التداعيات الاقتصادية والإنسانية
كان للتطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة آثار اقتصادية كبيرة. توقف إنتاج وتصدير النفط، الذي ورد أنه ناجم عن التوترات الأمنية وعدم أمن خطوط الإنتاج، أدى إلى تعطيل إمدادات الكهرباء والوقود وأثر على الحياة اليومية للناس. وذكرت شركة بترومسيلة أن إنتاج النفط في هذه المحافظات توقف بالكامل، مما أدى إلى توقف عمل محطتين رئيسيتين للطاقة وتقليل الخدمات العامة.
المنظور السياسي والعسكري
يعتقد المحللون الميدانيون أن استمرار تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي وسيطرته على المناطق الرئيسية في حضرموت والمهرة، سيجعل احتمال تشكيل دولة جنوبية مستقلة مدعومة من الإمارات أمرًا جديًا للغاية. في المقابل، تجد قبائل حضرموت نفسها في موقف ضعف وارتباك، وقدرتها على المقاومة محدودة. يحذر فارس الحميري ومصادر ميدانية أخرى من أن استمرار هذا الاتجاه يمكن أن يؤثر ليس فقط على مستقبل اليمن ولكن أيضًا على توازنات القوى في الخليج الفارسي وبحر العرب.
الخلاصة
تظهر التطورات في حضرموت والمهرة أن شرق اليمن على وشك إعادة رسم حدود السلطة. تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم من الإمارات، من السيطرة على المناطق النفطية والاستراتيجية، ويشير التقدم غير القتالي في المهرة إلى تنسيق خفي وغياب الدعم السعودي. في المقابل، تجد قبائل حضرموت، التي كانت لسنوات العمود الفقري للنفوذ الرياضي في شرق اليمن، نفسها الآن في موقف ضعف وعزلة.
يصور هذا الوضع مشهدًا للمنافسة الإقليمية بين السعودية والإمارات ويمكن أن يحدد المسار السياسي والعسكري لجنوب وشرق اليمن لسنوات قادمة. تحذر التطورات الأخيرة من أنه إذا استمر الاتجاه الحالي، فلن يتم حسم تقسيم السلطة في جنوب اليمن فحسب، بل ستخضع المعادلات الجيوسياسية في المنطقة أيضًا لتغييرات جذرية.
