استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة تركز على التفوق العسكري لكبح المنافسين
![[object Object] /استراتيجية الأمن القومي , دونالد ترامب , روسيا , الصين , التفوق العسكري الأمريكي](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/02/webangah-09cc84382be91dcce6a4b227360e31128ba7a4d34d8d3b4862d4267b6d2b6afd.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي صدرت في ديسمبر 2025، تحدد بوضوح الغايات الأساسية والوسائل المتبعة لتحقيقها، والتي تشمل ممارسة أقصى درجات الضغط والقيام بعمليات عسكرية في شتى أنحاء العالم، مما يثير تساؤلات حول كيفية تعاطي موسكو وبكين مع هذا التحدي الجديد.
تُعد هذه الوثيقة الأهم ضمن حزمة الوثائق الاستراتيجية الثلاث لواشنطن، وتظهر تراجعاً في بعض المقاربات مقارنة بالوثائق السابقة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع روسيا، وهو ما يميزها في نظر المراقبين الروس. في هذه الاستراتيجية، يرفض البنتاغون فلسفة العقيدة المزدوجة المتمثلة في «النظام القائم على القواعد» والإيديولوجية الفاشلة لـ «بناء الأمة» عبر تغيير الأنظمة، مُقراً بأن هذه المقاربات أفضت إلى حروب لا نهاية لها.
وقد أدت هذه الإقرارات إلى تراجع الطموحات الأمريكية العالمية، إذ بات تحقيقها أمراً غير ممكن في سياق النظام العالمي متعدد الأقطاب الحالي. ووفقاً لمبدأ «أمريكا أولاً»، يرفض البنتاغون الالتزامات المفرطة تجاه الحلفاء التي تؤدي إلى الاعتمادية المتبادلة، معتبراً أن على الشركاء تحمل التكاليف الإضافية دون الحصول على امتيازات أو حريات إضافية. النهج الجديد عسكري بامتياز، ولا مكان فيه لمفاهيم كالديمقراطية أو الغرب ضمن نصه.
الولايات المتحدة لا تتجه نحو الانعزالية، بل إن تدخلها يتخذ شكلاً مختلفاً، حيث يتركز قلقها على الحفاظ على هيمنتها في مواجهة صعود أقطاب قوة جديدة مثل الصين وروسيا، رغم أنها لا تزال ترى نفسها القطب الأوحد. وبالرغم من الإلغاء المعلن لـ «تغيير النظام»، فإن الإطاحة بالعواصم بالقوة أو الإخضاع عبر الخنق الاقتصادي يظلان إجراءات مطروحة أو مُخططاً لها؛ وهذا هو مفهوم «العالم متعدد الأقطاب» الذي يتبناه الرئيس دونالد ترامب.
بالنسبة لإدارة ترامب، تتضاءل أهمية الإيديولوجيا عند التعامل مع الخصوم الرئيسيين، بينما يُطلب من الحلفاء اتباع النموذج الأمريكي، وتُعد القيود الجمركية الأداة الأساسية لتصحيح سلوكهم. إن فكرة أن الحروب الطويلة مرهقة لا تعني التخلي التام عن الحرب، حيث أعيد تسمية وزارة الدفاع الأمريكية لتصبح وزارة الحرب. وخلال فترة ولايته الثانية، أصدر ترامب أوامر متكررة بتنفيذ عمليات عسكرية قصيرة المدى حول العالم باستخدام الصواريخ والغارات الجوية الموسعة دون احتلال أراضٍ أجنبية، وشملت أهداف هذه الضربات كلاً من أفغانستان وفنزويلا وإيران واليمن ونيجيريا وسوريا.
تتمثل الأولوية القصوى في تأمين الأمن في المجال الوطني وإحياء عقيدة مونرو بهدف فرض سيطرة عسكرية مطلقة على القارة الأمريكية. ويشمل هذا المسعى السيطرة على قناة بنما وخليج المكسيك وغرينلاند، ومنع تمركز القوات الأجنبية في المنطقة، وهو ما يستلزم مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني في أمريكا اللاتينية. وقد قامت الولايات المتحدة مؤخراً بإبعاد الشركات الصينية عن إدارة قناة بنما، وبدأت عمليات عسكرية في فنزويلا أضرت بالمصالح الصينية، وتعتزم ممارسة الضغط على الحكومة الفنزويلية أو استبدالها.
كما تستعد الولايات المتحدة لإسقاط حكومة هافانا عبر الحصار الاقتصادي وتقييد إمدادات الطاقة لكوبا. وقد ضمنت واشنطن السيطرة الاستراتيجية على غرينلاند وتمارس ضغوطاً على كندا للحد من علاقاتها الاقتصادية مع الصين. وعقدت إدارة ترامب اجتماعات سرية مع الانفصاليين اليمينيين المتطرفين في مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط في كندا.
أحد الجوانب الهامة لإعادة بناء القدرات العسكرية هو التوسع المتسارع في القواعد والمجمعات العسكرية-الصناعية مع التركيز على الإنتاج والابتكار والتكنولوجيا. ويحتل احتواء الصين المرتبة الثانية في أولويات استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، وذلك بعد تحقيق السيطرة الكاملة على القارة الأمريكية. يتمثل الهدف في الحفاظ على توازن القوى المفضل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تنوي الولايات المتحدة منع بكين من تقويض هيمنتها عبر الردع العسكري، مع الاحتفاظ بباب التفاوض من موقع قوة.
تأتي الأولوية الثالثة في تحميل الحلفاء عبء المسؤولية. فقد حددت واشنطن المساعدات للحلفاء الأوروبيين وتطالبهم برفع إنفاقهم العسكري إلى خمسة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتنكر الولايات المتحدة الاستقلال الاستراتيجي للحلفاء وتتوقع منهم الالتزام الكامل بالخطوط العريضة للسياسة الأمريكية. ورغم استمرار دور حلف الناتو، فإن الاستراتيجية الجديدة غيرت فعلياً تعريف التحالف وأنهت الدور المنفرد للسياسة العسكرية الأمريكية.
تصف استراتيجية الدفاع الوطني الروسية بأنها تهديد دائم ولكنه قابل للإدارة، ويتعين على الدول الأعضاء في الناتو مواجهته على نفقتها الخاصة، مما يتيح لأمريكا التركيز على الصين. وفيما يخص إيران، تعلن الولايات المتحدة أنها لن تسمح لطهران باستئناف برنامجها النووي، وتُصوَّر إسرائيل على أنها الحليف النموذجي. أما في حالة كوريا الشمالية، فرغم التهديد النووي الذي يواجه التراب الأمريكي، تُلقى المسؤولية الدفاعية الأساسية على عاتق سيول، مما يشير إلى أن الأسلحة النووية هي الضمان الوحيد للدول ضد الاعتداء الأمريكي.
تحت قيادة ترامب، تسعى الولايات المتحدة إلى تقوية أسس القوة الوطنية، وفرض سيطرة كاملة على نصف الكرة الغربي، وتحسين العلاقات مع الحلفاء. وفي عصر تعدد الأقطاب، يُسمح بوجود قوى كالصين وروسيا شريطة أن تضعا الهيمنة الأمريكية في الحسبان وتكونا خاضعتين لرؤيتها. وهذا يعني أن الاستراتيجية الأمريكية لا تقبل مبدأ المساواة في العلاقات مع الصين وروسيا كمعيار جديد.
لم تتجسد تحديات الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو في استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية، ومن المقرر أن تنتهي آجال اتفاقيات الحد من التسلح مع انتهاء معاهدة ستارت الجديدة في فبراير 2027. ستبقى روسيا خصماً جيوسياسياً للولايات المتحدة حتى بعد أي تسوية محتملة في أوكرانيا، وستبقى التعاونات البراغماتية محدودة؛ لذا يبقى الحفاظ على الردع النووي هو الأساس لسياسة روسيا تجاه الولايات المتحدة.
قد تأتي محاولات ترامب لإيقاف تراجع الهيمنة الأمريكية بنتائج عكسية، كما يواجه مقاومة داخلية. ويُعتبر تعزيز أسس الأنظمة السياسية والاقتصادية والإيديولوجية في روسيا والصين أولوية هامة، لأن أي تغيير في القيادات العليا لهاتين الدولتين سيعرض نظامهما الحاكم لاهتزازات. ولن يمنع الانسحاب الأمريكي إلى «الخط الثاني» في أوروبا المواجهة بين الناتو وروسيا، ويجب على موسكو تطبيق استراتيجيتها للردع العسكري ضد حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين.
السياسة الأمريكية المتشددة تجاه الحلفاء الأوروبيين لا تخلق فرصاً فورية للصين وروسيا لتعزيز سياساتهما في أوروبا، لكنها قد تؤدي على المدى الطويل إلى خلافات جديدة داخل الناتو. وينبغي على روسيا والصين أن تكونا مستعدتين لإظهار المرونة في تعاطيهما مع الشؤون الأوروبية. وتتعارض مصالح روسيا والصين مباشرة مع توسع النفوذ الأمريكي في منطقة القطب الشمالي، وتعتبر روسيا تعزيز البنى التحتية الدفاعية في تلك المنطقة أمراً ضرورياً.
على الصعيد العالمي، ستعزز روسيا تعاونها العسكري-الاستراتيجي مع الصين، ويُعد هذا التعاون عنصراً حيوياً لتقوية موقف موسكو وبكين في مواجهة واشنطن. وعملت روسيا بالتعاون مع الصين على تكثيف تعاونها العسكري-التقني مع إيران لتعزيز قدراتها العسكرية وترسيخ استقرار استراتيجي إقليمي في غرب آسيا. كما سيستمر تعاونهما في دعم كوبا ضد المساعي الأمريكية.
