قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

المغامرة الأمريكية ضد إيران تتحول إلى أزمة داخلية في الولايات المتحدة

لم تحقق الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ضد إيران أهدافها المعلنة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القرارات السياسية تكلفة وإثارة للجدل خلال فترة رئاسته، مما أدى إلى تحول في الرأي العام الأمريكي وفتح نقاشات حول جدوى التكاليف الاقتصادية والسياسية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الحرب التي بدأها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بهدف ممارسة أقصى ضغط على إيران، كان من المفترض، بحسب مؤيديه، أن ترسخ نظامًا جديدًا في غرب آسيا، وتثبت مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في المنطقة، وتجبر طهران على قبول شروط واشنطن. لكن هذه المغامرة لم تحقق أهدافها المعلنة فحسب، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القرارات السياسية تكلفة وإثارة للجدل في عهد ترامب.

ما نشهده اليوم في الساحة السياسية الأمريكية ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر بين الجمهوريين والديمقراطيين حول عملية عسكرية، بل هو تشكل نوع من الإجماع العام حول التكاليف الباهظة للحرب التي يعتبر جزء كبير من المجتمع الأمريكي أنها غير ضرورية، عديمة الفائدة، وتتعارض مع مصالحه الوطنية.

الرأي العام ضد الحرب

في النظام السياسي الأمريكي، لطالما كان الرأي العام أحد أهم مؤشرات نجاح أو فشل السياسة الخارجية. حتى أقوى الرؤساء اضطروا إلى إعادة النظر في سياساتهم عندما فقدوا الدعم الاجتماعي.

في هذا الإطار، ترسم نتائج الاستطلاعات الأخيرة صورة مقلقة للبيت الأبيض. وبحسب استطلاع أجرته شبكة سي بي إس نيوز ومؤسسة يوجوف، يعتقد غالبية الأمريكيين أن الحرب ضد إيران لم تحل مشكلة بل زادت من نطاق المشاكل. كما أن جزءًا كبيرًا من الرأي العام يطالب بإنهاء هذا الصراع فورًا. وتشير هذه الإحصائيات إلى أن الرواية الرسمية لحكومة ترامب حول ضرورة الحرب لم تتمكن من إقناع المجتمع الأمريكي. في الواقع، يطرح العديد من المواطنين الأمريكيين تساؤلات حول أنه إذا كان هدف الحرب هو زيادة الأمن الأمريكي، فلماذا زاد انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف الاجتماعية داخل البلاد؟

الاقتصاد؛ ساحة الخاسر الرئيسي في الحرب

أظهرت التجربة التاريخية الأمريكية أن الناخبين في هذا البلد يولون اهتمامًا بالوضع الاقتصادي أكثر من أي موضوع آخر. من حرب فيتنام إلى حرب العراق، عندما أدت التكاليف العسكرية إلى ضغوط اقتصادية على المواطنين، انخفض الدعم العام للسياسات الحربية بسرعة. واليوم، فإن إحدى أهم الانتقادات لسياسة ترامب ضد إيران هي تكاليفها الاقتصادية. وقد أثرت زيادة أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف النقل، واضطراب الأسواق العالمية، والضغوط الناجمة عن عدم اليقين الجيوسياسي، بشكل مباشر على الحياة اليومية للأمريكيين.

وقد أكدت كامالا هاريس، المنافسة السياسية لترامب، بالإشارة إلى هذه المسألة، أن التكاليف الناجمة عن الحرب تفرض ضغطًا إضافيًا على الأسر الأمريكية. وأكدت كامالا هاريس أنه يُقدر أن كل مواطن أمريكي أنفق ما متوسطه 500 دولار إضافية منذ بدء الحرب مع إيران، وهذا بسبب هذه الحرب.

لتقدير هذا الرقم بشكل أفضل، فإن المواطن الأمريكي المتوسط على بعد 400 دولار فقط من الإفلاس. بغض النظر عن الخلافات الحزبية، فإن الحقيقة هي أن جزءًا كبيرًا من المجتمع الأمريكي واجه في السنوات الأخيرة تضخمًا، وارتفاعًا في تكاليف السكن، وديونًا ثقيلة، وانخفاضًا في القوة الشرائية، وأي أزمة خارجية جديدة ستزيد من هذه المشاكل.

بالنسبة للمواطن القلق بشأن دفع إيجار المنزل، أو أقساط القروض، أو تكاليف العلاج، فإن الحرب في مكان بعيد آلاف الكيلومترات لن تكون مبررة إلا إذا خلقت له منافع ملموسة وفورية؛ وهو أمر لم يحدث حتى الآن.

تكرار أخطاء الماضي

أحد أهم أسباب زيادة المعارضة للحرب هو الذكرى المريرة للتدخلات العسكرية الأمريكية في العقدين الماضيين. بدأت حربا أفغانستان والعراق بوعود كبيرة؛ وعود حول زيادة الأمن، ونشر الديمقراطية، وإزالة التهديدات. لكن في النهاية، جلبت تريليونات الدولارات من التكاليف، وآلاف القتلى والجرحى، وانخفاضًا في مصداقية أمريكا الدولية.

يعتقد العديد من المحللين الأمريكيين الآن أن سياسة ترامب تجاه إيران تحمل تشابهات كبيرة مع تلك النماذج الفاشلة. إن بدء صراع واسع النطاق دون وجود آفاق واضحة لنهايته، يحمل دائمًا خطر الوقوع في حرب استنزاف.

في ظل هذه الظروف، أصبح المجتمع الأمريكي أكثر حساسية من أي وقت مضى لدخول بلاده في مغامرات عسكرية جديدة. ولهذا السبب، لا تقتصر معارضة الحرب على التيارات اليسارية أو المناهضة للحرب فحسب، بل توجد مخاوف جدية حتى بين جزء من الناخبين الجمهوريين بشأن استمرار هذا المسار.

أزمة المصداقية السياسية لترامب

طوال مسيرته السياسية، سعى ترامب دائمًا إلى تقديم صورة رئيس مختلف؛ شخص لن يدخل أمريكا في حروب جديدة على عكس النخب التقليدية في واشنطن، وسيوجه موارد البلاد نحو المشاكل الداخلية.

لكن الحرب ضد إيران تحدت هذه الصورة بشكل خطير. يطرح العديد من مؤيدي ترامب السابقين الآن تساؤلات حول كيف بدأ رئيس وصل إلى السلطة بشعار إنهاء “الحروب التي لا تنتهي”، أزمة عسكرية جديدة؟

تزداد أهمية هذه المسألة خاصة مع اقتراب المنافسات الانتخابية. كلما زادت تكاليف الحرب ولم تتحقق نتائج ملموسة، زاد الضغط السياسي على البيت الأبيض. ولهذا السبب، يعتقد بعض المراقبين أن إدارة ترامب، بدلاً من السعي لتوسيع الصراع، تبحث الآن عن طريقة للخروج منه بشرف.

محدودية القوة الأمريكية

نتيجة مهمة أخرى لهذه الحرب هي الكشف عن حدود القوة الأمريكية في البيئة الدولية. في العقود الماضية، كانت واشنطن غالبًا تعتقد أنها تستطيع تحقيق أهدافها السياسية في مناطق مختلفة من العالم من خلال التفوق العسكري. لكن التطورات في السنوات الأخيرة أظهرت أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

إيران بلد ذو إمكانات بشرية وجغرافية وعسكرية واسعة، وأي محاولة لتغيير حساباتها الاستراتيجية عبر الضغط العسكري ستواجه تعقيدات كبيرة. هذه الحقيقة جعلت جزءًا من النخب الأمريكية تشك في إمكانية تحقيق انتصار حاسم في مثل هذه المواجهات.

من هذا المنظور، لم تكن الحرب الأخيرة اختبارًا لإيران فحسب، بل كانت أيضًا اختبارًا لقدرة أمريكا على إدارة أزمات القرن الحادي والعشرين المعقدة؛ اختبار أثارت نتائجه تساؤلات مهمة حول فعالية السياسات القائمة على القوة.

نهاية وهم

ربما يكون الأثر الأهم لهذه الحرب هو انهيار فكرة أن استخدام القوة العسكرية يمكن أن يغير معادلات المنطقة بسرعة وبتكلفة زهيدة. أظهرت تجربة الأسابيع الأخيرة أن الحروب لا تنتهي بسهولة كما بدأت، وغالبًا ما تتجاوز تكاليفها حسابات السياسيين الأولية.

يعتقد جزء كبير من المجتمع الأمريكي اليوم أن هذه الحرب لم تجلب المزيد من الأمن لبلادهم، ولا زادت من رفاههم الاقتصادي، ولا عززت مكانة واشنطن الدولية. على العكس من ذلك، فإن ما يظهر أكثر من أي شيء آخر هو زيادة التكاليف، وتفاقم الانقسامات السياسية الداخلية، وتشكيل شكوك عميقة حول أهداف ونتائج هذه المغامرة. ولهذا السبب، تشير الأدلة المتاحة إلى أن ما كان من المفترض أن يكون عرضًا للقوة الأمريكية، أصبح الآن في الغالب رمزًا لقيود القوة والتكاليف الباهظة للسياسات القائمة على المواجهة العسكرية؛ وهي حقيقة لا يضطر ترامب فحسب، بل هيكل صنع القرار الأمريكي بأكمله، إلى مواجهتها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى