اتفاق إطاري لبناني إسرائيلي: شرعية احتلال وتوهّم استقلال
![[object Object] /لبنان , النظام الصهيوني , حزب الله , الولايات المتحدة , السيادة الوطنية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-75bbec057b216fb9492e99eb698814e08add8f044f8be18b3aa0a849b9766125.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الاتفاق الإطاري الموقع بين الحكومة اللبنانية والنظام الصهيوني يمثل وثيقة لتغيير موازين القوى في لبنان وتثبيت مكاسب إسرائيل العسكرية. وبدلاً من أن يضمن الأمن اللبناني، فقد جعل الاتفاق أمن إسرائيل الأولوية القصوى للحكومة اللبنانية، في حين وضع السيادة الوطنية اللبنانية ومكانة المقاومة وحتى الانسجام الداخلي لهذا البلد في مواجهة تهديد خطير.
ويكمن السبب في وصول لبنان إلى هذه النقطة في خطأ استراتيجي منذ بداية المفاوضات، حيث سعت الحكومة اللبنانية، بدلاً من الاستفادة من تفاهم الـ 14 نقطة بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب، إلى إظهار قدرتها على إدارة ملف الحرب بشكل مستقل عن حزب الله والجمهورية الإسلامية. هذا التوجه هو محاولة سياسية للابتعاد عن محور المقاومة وإثبات استقلال الحكومة اللبنانية، وهي محاولة لم تحقق استقلالاً ولا أمناً، بل جاءت بنتيجة عكسية تماماً.
لقد ظنت الحكومة اللبنانية أنها تستطيع الحصول على المزيد من التنازلات بتهميش دور المقاومة والدخول مباشرة في المفاوضات، لكن النتيجة كانت مختلفة تماماً. فقد أظهر نص الاتفاق أنه يتضمن تقريباً جميع المطالب الرئيسية للنظام الصهيوني، بدءاً من نزع سلاح حزب الله، وصولاً إلى احتكار السلاح بيد الحكومة، وتشكيل آليات أمنية مشتركة بدعم أمريكي، ومفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل وحتى تمهيد الطريق لاتفاق سلام دائم، وفي نهاية المطاف الاعتراف بالاحتلال.
في الواقع، فإن ما لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه عبر عقود من الحرب والعدوان بالقوة العسكرية، تسعى إليه الآن في قالب اتفاق سياسي. وتكفي الإشارة إلى تصريحات بنيامين نتنياهو، الذي أعلن بوضوح بعد الاتفاق أن هذا الاتفاق هو نتيجة الضربات القاسية التي وجهها الجيش الإسرائيلي لحزب الله، مؤكداً أن الاتفاق سيضعف إيران وحزب الله ويعزز إسرائيل. بل وقدّر الحكومة اللبنانية على “شجاعتها” في قبول هذه العملية. هذه اللغة تظهر بوضوح أن تل أبيب تعتبر هذا الاتفاق انتصاراً استراتيجياً وليس مجرد تسوية.
والأهم من ذلك، أن هذا الاتفاق يضفي شرعية فعلية على احتلال إسرائيل. على عكس ادعاء إنهاء الحرب، لا يضمن نص الاتفاق انسحاباً فورياً للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، بل يشترط الانسحاب بالكامل على تنفيذ عملية نزع سلاح فصائل المقاومة. بمعنى آخر، سيستمر الوجود العسكري الإسرائيلي طالما أن تل أبيب راضية عن التنفيذ الكامل لالتزامات لبنان. هذا يعني أن الاحتلال تحول من عمل غير قانوني إلى أداة للضغط السياسي والأمني.
وهذه المسألة تعد من أخطر عواقب الاتفاق. ففي القانون الدولي، الاحتلال عمل غير قانوني، ولكن عندما يتم قبول استمرار وجود المحتل في إطار اتفاق ثنائي، فإنه يخلق شرعية سياسية له. وهذا بالضبط ما حذرت منه حزب الله. فقد وصف الشيخ نعيم قاسم هذا الاتفاق بأنه “مهين” وفاقد للمصداقية، مؤكداً أن ربط خروج إسرائيل بنزع سلاح المقاومة هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء ويمهد لاحتلال طويل الأمد لجنوب لبنان.
لكن ربما يكون الخطر الأكبر من تثبيت الاحتلال هو تبعات الاتفاق الداخلية. فلن تحتاج إسرائيل بعد الآن إلى الدخول في حرب مباشرة مع حزب الله، لأن مسؤولية نزع سلاح المقاومة قد أُسندت إلى الجيش اللبناني. بمعنى آخر، الاتفاق الجديد وضع على عاتق الحكومة اللبنانية مهمة لم تستطع إسرائيل تحقيقها على مدى سنوات. وهذا بالضبط هو السيناريو الذي تقر به وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضاً، وهو أن يندلع اشتباك بين الجيش اللبناني وحزب الله، بينما تقف إسرائيل متفرجة.
هذا المسار يمكن أن يدخل لبنان في واحدة من أخطر فتراته في تاريخه المعاصر. لقد أظهرت تجربة هذا البلد أنه كلما تحول الشقاق بين الحكومة والجيش والمقاومة إلى مواجهة أمنية، تهيأت الظروف للحرب الأهلية. والآن، هناك خطر من أن يتحول الخلاف السياسي حول سلاح المقاومة إلى مواجهة عسكرية بين القوات اللبنانية، وستكون إسرائيل المستفيد الأكبر من ذلك.
من ناحية أخرى، لا تلعب الولايات المتحدة في هذا الاتفاق دور الوسيط المحايد فحسب، بل أصبحت اللاعب الرئيسي في تنفيذ الاتفاق. ترتبط تقريباً جميع بنود الاتفاق بالإشراف الأمريكي أو الدعم أو الضمان، من الترتيبات الأمنية إلى إعادة إعمار لبنان، والمساعدات الاقتصادية، وتشكيل فرق عمل مشتركة، وحتى الإشراف على كيفية إنفاق الموارد المالية.
هذه التبعية الواسعة تثير تساؤلات جدية حول استقلالية اتخاذ القرار في الحكومة اللبنانية. فالدولة التي كان من المفترض أن تثبت استقلالها عن محور المقاومة، قد ربطت الآن تقريباً جميع آلياتها الأمنية والاقتصادية بواشنطن. في الواقع، لقد جعلت الحكومة اللبنانية نفسها أكثر تبعية للاعب فوق إقليمي، وذلك للابتعاد عن لاعب إقليمي.
ومن النقاط الجديرة بالملاحظة أيضاً هو التغيير التدريجي في لغة الاتفاق. حيث ينص النص المنشور صراحة على أن هذا الإطار يمكن أن يؤدي إلى اتفاق سلام شامل بين لبنان وإسرائيل. هذا يعني أن ما بدأ اليوم بإنهاء الصراع، قد يؤدي غداً إلى تطبيع كامل للعلاقات مع النظام الصهيوني، وهو مسار يعارضه جزء كبير من المجتمع اللبناني حتى الآن.
من الناحية الاستراتيجية، يحمل هذا الاتفاق رسالة واضحة للمنطقة. فإذا قبلت دولة ما، بعد تحمل اعتداء عسكري، في نهاية المطاف احتلال جزء من أراضيها، ونزع سلاح المقاومة الداخلية، وتقديم أمن العدو على أمنها، فإنها تشكل عملياً نموذجاً خطيراً للمستقبل. نموذج يمكن أن يتحول فيه الاعتداء العسكري إلى مكاسب سياسية.
الحقيقة هي أن الحكومة اللبنانية وقعت في خطأ جوهري في حساباتها. فقد ظنت الحكومة اللبنانية أن الابتعاد عن المقاومة والدخول المستقل في المفاوضات سيعزز مكانة البلاد، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً. اليوم، لا تكتفي إسرائيل بالحديث عن هذا الاتفاق باعتباره انتصاراً تاريخياً، بل إن نص الاتفاق يظهر أيضاً أنه قد روعي فيه تقريباً جميع الأهداف الاستراتيجية لتل أبيب، من إضعاف حزب الله إلى تغيير الهيكل الأمني للبنان.
كان بإمكان لبنان اختيار مسار آخر، مسار يقوم على وقف الحرب، والانسحاب غير المشروط لقوات الاحتلال، والحفاظ على توازن الردع. لكن الحكومة فضلت، بهدف إظهار الاستقلال السياسي، الابتعاد عن آلية التفاهم السابقة واتباع مسار المفاوضات المباشرة. نتيجة هذا الاختيار لم تكن تثبيت السيادة الوطنية، بل شرعنة وجود المحتلين، وتفويض مهمة نزع سلاح المقاومة إلى الجيش اللبناني، وزيادة دور الولايات المتحدة في القرارات الداخلية، وتهيئة الأرضية لشقاق داخلي عميق.
في النهاية، ربما يكون الدرس الأهم من هذه التجربة هو أن القرارات العاطفية والرمزية في السياسة الخارجية لا يمكن أن تحل محل الحسابات الاستراتيجية. فالاستقلال لا يُعرّف بمجرد الابتعاد عن حليف، بل يصبح للاستقلال معنى عندما تستطيع دولة ما الدفاع عن سلامة أراضيها وسيادتها الوطنية وأمن شعبها، دون قبول مطالب الطرف المعتدي. وإذا كانت نتيجة اتفاق ما هي أن يشعر المحتل بأنه منتصر، وأن تضعف المقاومة، وأن يزداد خطر الحرب الأهلية، وأن يمهد الطريق لتطبيع العلاقات مع العدو، فمن السخيف تسميته إنجازاً للبنان.
