قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

مرثية لمحمد خامنئي: بناء منظومة قوة متكاملة و استراتيجية دفاعية مرنة

يسلط تقرير جديد الضوء على الإرث الدفاعي والأمني للزعيم الإيراني الراحل محمد خامنئي، مشيراً إلى جهوده في بناء منظومة قوة وطنية متكاملة تعتمد على تضافر الإرادة الشعبية، التنظيم الفعال، والاعتماد على الذات التكنولوجي.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، يمكن اليوم الحديث عن قائد شهيد كان مشروعه الأساسي هو تحويل الطاقات المتفرقة للبلاد إلى منظومة قوة متجانسة. منظومة لا تعتبر فيها ساحة المعركة، وهيكل صنع القرار، والهيكل الدفاعي، والتقدم العلمي، والتماسك الاجتماعي، والهوية الثقافية، عناصر منفصلة.

في هذا المنظور، لم يكن الأمن القومي مجرد نتاج لتكديس الأسلحة أو اتفاق سياسي، بل كان يتشكل من مزيج الإرادة الشعبية، والتنظيم الفعال، والقوة الرادعة، والاعتماد على الذات التكنولوجي، والاستعداد الدائم لمواجهة التهديدات الصلبة والناعمة. وقد تجلى هذا التوجه في اللحظات الحرجة في رفع الانسدادات الإدارية، وخلق التنسيق بين القوات الرسمية والشعبية، وتعزيز أنماط الحرب غير المتكافئة، والحفاظ على المناطق الاستراتيجية، وعلى المستوى الإقليمي، أدى إلى ربط أمن البلاد ببيئتها المحيطة وتوسيع القدرات الردعية عبر الحدود.

وفي الوقت نفسه، امتد هذا النموذج إلى المجال الثقافي والاجتماعي، مرتكزاً على مبدأ أن تآكل الهوية، واليأس الاجتماعي، والتمييز، وإضعاف الثقة العامة يمكن أن تكون خطيرة بنفس قدر التهديد العسكري. ومن هذا المنظور، اعتبر التقدم العلمي والتقنيات الاستراتيجية ليس أمراً غير قابل للتحقيق، بل جزءاً من آلية الحفاظ على الاستقلال والنفوذ.

عندما يُشار إلى الإرث الأمني للشهيد خامنئي، تتجه معظم الأنظار نحو القدرات النووية والصاروخية ومحور المقاومة، ولكن يمكن النظر إلى هذا الإرث من زاوية أخرى. ولذلك، واجه الشعب الإيراني نموذجاً قيادياً جعل المقاومة أساساً لصنع القرار الشامل، والتقدم أداة للاستقلال، والشعب ركيزة لبقاء القوة الوطنية.

الحرب المفروضة: مرآة استراتيجية الدفاع عن البلاد

خلال فترة الحرب التي استمرت 8 سنوات، اتخذ الشهيد القائد استراتيجية خاصة لإدارة الحرب. في المراحل الحرجة التي كانت فيها المسدسات السياسية والبيروقراطية تمنع تنفيذ العمليات الحيوية، أدى تدخله المباشر والحاسم إلى خلق تآزر بين القوات الكلاسيكية للجيش والقوات الشعبية والحرس الثوري الناشئة.

هذا التنسيق الشبكي، إلى جانب تأسيس مقر حرب العصابات، أظهر التحول نحو الحروب غير المتكافئة لكبح تفوق العدو في المعدات. علاوة على ذلك، فإن إدارة اللوجستيات والتوزيع العادل والهادف للأسلحة الاستراتيجية المضادة للدبابات بين مختلف الوحدات، يدل على فهمه الدقيق لأهمية الدعم واللوجستيات في صمود الخطوط الدفاعية، مما منع في النهاية سقوط مناطق جغرافية سياسية مهمة مثل سوسنجرد وعبران.

وبعيداً عن الإدارة التكتيكية لساحة المعركة، كان لنهجه الأمني رؤية إقليمية وعابرة للحدود. وقد شكل دعم وتنظيم مجموعات المقاومة في تلك الفترة المبكرة علامات على تشكيل عقيدة “العمق الاستراتيجي”، التي ربطت الأمن القومي بالخارج من الحدود الجغرافية.

من ناحية أخرى، في مجال الأمن الداخلي والحفاظ على وحدة الأراضي في الأيام الأخيرة من الحرب، عملت قوة نفوذه الكاريزماتية وحضوره الميداني كأداة ردع وتعبئة. في ظل نقص القوات البشرية وتعرض الجبهات لهجمات مفاجئة، أدى هذا الحضور المباشر إلى ترميم سريع للخطوط الدفاعية من قبل عشرات الآلاف من المتطوعين، وصد التهديدات المتعددة، وتثبيت الحدود؛ في حين تم في الوقت نفسه، الالتزام الدقيق بالانضباط الاستراتيجي والتمسك بالأطر العامة للنظام مثل القرار.

الحفاظ على استقلال البلاد في حقبة القطب الواحد

يمكن اعتبار أهم إنجاز استراتيجي للآية الله خامنئي لإيران هو تأسيس وتثبيت استراتيجية أمن قومي مستقل في حقبة ما بعد الحرب الباردة. سياسة استندت إلى تقدير أن هيمنة القوى العظمى على الشرق الأوسط ليست لتأمين شعوب المنطقة، بل لتفسيرها، وكبحها، وتقسيم الدول المستقلة إذا لزم الأمر.

بالاعتماد على التجربة التاريخية لإيران في الاحتلال والمجاعة، شدد على ضرورة السلطة المركزية، والقدرة الدفاعية المحلية، والمرافقة الشعبية، والحفاظ على شبكة الحلفاء الإقليميين، ولم يقبل أبداً بأن تُعرّف إيران تحت المظلة الأمنية الغربية. هذا النهج، على عكس وجهة نظر بعض المديرين والنخب الذين اعتبروا تقليل أدوات القوة مقدمة للرفاه والأمن، أكد على مبدأ أن الرفاه بدون استقلال والأمن بدون قوة دفاعية لا يدوم ولا يمكن الاعتماد عليه.

القوة الناعمة كقدرة وطنية

في النصف الثاني من الحرب الصلبة، استندت استراتيجيات الآية الله خامنئي في مجال الحرب الناعمة إلى منطق دفاعي – هجومي ذكي؛ منطق لا يقتصر فيه التصدي للتهديد على رد الفعل اللاحق، بل يشدد على المبادرة الاستباقية، والعمل، وتوقع اصطفاف العدو.

تُعتبر الحرب الناعمة مجالاً شاملاً ومعقداً، تُعد فيه الهوية الدينية، والرأس المال الثقافي، والأمل الاجتماعي، والثقة بالنفس الوطنية عناصر أساسية للقوة. من منظور هذا النهج، فإن تحييد الضغوط الناعمة لا يمكن تحقيقه إلا بالأدوات الأمنية، بل يتطلب خلق خطاب استراتيجي، وتعزيز الديمقراطية الدينية، وتوطين القدرات الاستراتيجية، وتنويع أساليب المواجهة.

علاوة على ذلك، تسعى هذه الاستراتيجية إلى أن يقوم العدو، من خلال التآكل الثقافي، وفقدان البصيرة، والاستفادة من التمييزات الاقتصادية والاجتماعية، والتأثير على نمط الحياة، بتمهيد الطريق لإضعاف التماسك الداخلي. ولذلك، فإن الاستجابة الفعالة تتجلى في التنظيم الثقافي، وتعزيز القدرات البشرية، وتقوية الدوافع المثالية، والإلهام الهويتي، والتعبئة الاجتماعية.

بشكل عام، فإن استراتيجية الآية الله خامنئي في الحرب الناعمة هي مزيج من التطلع للمستقبل، والتحصين الداخلي، وترسيخ الهوية الثورية – الإسلامية، وتفعيل القدرات الشعبية، بحيث لا يصبح المجتمع أكثر مقاومة للتهديدات الناعمة فحسب، بل يمكنه أيضاً تغيير الموازين الثقافية والسياسية لصالحه.

الخلاصة

نتيجة هذا المسار في النهاية، هي تثبيت نموذج قيادة تتجلى فعاليته في الميدان وفي اللحظات التاريخية الصعبة؛ نموذج أثبت أن المقاومة، إذا ما اقترنت بالتدبير، والتنظيم، ومعرفة الساحة، والاعتماد على القدرات الداخلية، يمكنها أن تحمي البلاد من الضغوط الخارجية وأن تدفعها نحو التقدم.

الجانب الأكثر بروزاً في هذا السجل هو أنه تمكن من إقامة رابط دائم بين عناصر تبدو مختلفة: بين القوة الدفاعية والشرعية الشعبية، بين الردع الإقليمي والأمن الداخلي، بين الإيمان والتكنولوجيا، وبين الهوية الثقافية والاستقرار السياسي.

في هذا السياق، لا يقتصر أداءه الإيجابي على حفظ البلاد من التهديدات فحسب، بل يتجلى أيضاً في تحويل إيران إلى لاعب مقاوم، ذي إرادة مستقلة، ويتمتع بقدرات علمية وأمنية محلية. هذا النهج هو الذي جعل المقاومة تخرج من موقف سلبي لتصبح منطقاً نشطاً لبناء المستقبل؛ منطق لا يعني فيه التسليم للضغوط أو الاعتماد على إرادة القوى الخارجية.

إذا أردنا تلخيص هذا الإرث في عبارة واحدة، فيجب القول إنه أظهر أنه يمكن الوقوف، والبناء، والتقدم، والبقاء مستقلاً، وهذا الارتباط بين المقاومة والفعالية جعل اسم وعمل القائد الشهيد بارزاً وخالداً في الذاكرة السياسية والاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى