قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

سبتة تئن تحت وطأة موجة هجرة غير مسبوقة من المغرب

شهدت مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، تدفقًا هائلاً لنحو 60 ألف مهاجر مغربي خلال أيام قليلة، ما تسبب في أزمة إنسانية وأمنية غير مسبوقة، مسلطًا الضوء مجددًا على التحديات الحدودية للاتحاد الأوروبي وسياساته الهجرة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تشهد مدينة سبتة، وهي جيب إسباني على الساحل الشمالي للمغرب، تدفقًا كبيرًا لعشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب، مما أدى إلى واحدة من أكبر الأزمات الحدودية التي تشهدها أوروبا في السنوات الأخيرة. هذه الأزمة، إلى جانب أبعادها الإنسانية، أعادت مرة أخرى تسليط الضوء على الخلافات التاريخية بين المغرب وإسبانيا، والتحديات الأمنية التي تواجه الاتحاد الأوروبي، وعدم فعالية سياسات الهجرة التي يتبعها هذا الاتحاد. تقع مدينة سبتة على سواحل المغرب الشمالية، يفصلها مضيق جبل طارق عن البر الرئيسي الإسباني، وقد كانت منذ فترة طويلة نقطة جذب للمهاجرين الذين يسعون للوصول إلى أوروبا.

خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت مدينة سبتة، وهي منطقة تخضع للسيادة الإسبانية في شمال أفريقيا، وصول أعداد كبيرة من المهاجرين الذين وصلوا إلى هذه المنطقة عبر البحر أو عبر مسارات برية من سواحل المغرب. وصفت المصادر الإسبانية والمغربية هذا الحدث بأنه أكبر موجة هجرة إلى سبتة منذ أزمة عام 2021، التي شهدت أيضًا دخول آلاف الأشخاص إلى المنطقة في فترة زمنية قصيرة.

في حين أشارت التقارير الأولية إلى وصول حوالي 1500 شخص، انضم آلاف آخرون إلى هذه الموجة خلال 24 ساعة فقط، وفي النهاية أعلن المسؤولون المحليون أن عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة خلال أيام قليلة بلغ حوالي 60 ألف شخص. هذا الرقم يمثل أكثر من نصف سكان المنطقة، وقد خلق وضعًا غير مسبوق للحكومة الإسبانية من منظور ديموغرافي وأمني.

أزمة إنسانية في ظل موجة الهجرة

أدى الارتفاع المفاجئ في عدد المهاجرين إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق. أعلن المسؤولون الإسبان انتشال ما لا يقل عن 57 جثة من المياه المحيطة بسبتة. هؤلاء الضحايا لقوا حتفهم إما غرقًا أو أثناء محاولتهم عبور الحواجز الحدودية. ومع ذلك، لا يزال احتمال زيادة عدد الضحايا قائمًا، حيث تم نشر تقارير عن اختفاء عدد آخر من المهاجرين.

في الوقت نفسه، واجهت مراكز إيواء المهاجرين في سبتة نقصًا حادًا في السعة في غضون ساعات. وأعلن المسؤولون المحليون أن جميع مراكز الاستقبال مكتملة ولا توجد إمكانية لإيواء الوافدين الجدد، مما اضطر الحكومة الإسبانية المركزية إلى حشد الموارد الطارئة.

نشر الجيش؛ رد مدريد على الأزمة

مع تفاقم الأزمة، أرسلت الحكومة الإسبانية الجيش للمساعدة في حرس الحدود والشرطة إلى سبتة. كما أعلنت وزارة الداخلية في البلاد عن نشر قوات عسكرية للحفاظ على الأمن والسيطرة على الحدود.

على الجانب الآخر، قامت قوات الأمن المغربية بنشر مركبات رش المياه ومعدات السيطرة على الحشود في محيط مدينة الفنيدق والمسارات المؤدية إلى الحدود، لمنع حركة مجموعات جديدة نحو سبتة.

على الرغم من هذه الإجراءات، فإن القرب الجغرافي لسبتة من سواحل المغرب يجعل السيطرة الكاملة على الحدود أمرًا صعبًا. المسافة بين ساحل الفنيدق وأقرب نقطة حدودية لسبتة لا تتجاوز كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات؛ وهي مسافة حاول العديد من المهاجرين عبورها بالسباحة.

عودة ذكرى أزمة 2021

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها سبتة موجة هجرة واسعة النطاق. في عام 2021، بالتزامن مع التوترات الدبلوماسية بين مدريد والرباط، دخل أكثر من 10 آلاف مهاجر إلى هذه المنطقة خلال يومين.

يعتقد العديد من المحللين الآن أن الظروف الحالية قد تكون تكرارًا لتلك الأزمة، ولكن بأبعاد أوسع بكثير. وصف مسؤولو سبتة المحليون الوضع الحالي بأنه “حالة طوارئ إنسانية واجتماعية”، وحذروا من أن استمرار الاتجاه الحالي يمكن أن يؤدي إلى انهيار هيكل الخدمات العامة في المنطقة.

إعادة المهاجرين؛ تعاون حذر بين مدريد والرباط

بدأت الحكومة الإسبانية، بالتزامن مع السيطرة على الحدود، عملية إعادة المهاجرين. وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن مدريد والرباط توصلتا إلى اتفاق لتسريع عودة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بشكل غير قانوني.

بموجب هذا الاتفاق، ستزيد قوات الأمن في البلدين من تعاونها لمنع دخول أفراد جدد وإعادة المهاجرين. وتشير الإحصاءات المنشورة إلى أن نسبة كبيرة من المهاجرين عادوا إلى المغرب خلال الساعات الماضية. أفاد المسؤولون المحليون بخروج عشرات الآلاف من سبتة، على الرغم من أن الآلاف لا يزالون موجودين في المنطقة.

أزمة الهجرة تكشف خلافات أوروبا

لم تقتصر تداعيات هذه الأزمة على حدود إسبانيا. فعلى مستوى أوروبا، برزت الخلافات بشأن كيفية إدارة الهجرة مرة أخرى. كانت إيطاليا أول دولة تتخذ رد فعل قويًا. وطالب مسؤولوها بتعليق عضوية إسبانيا في اتفاقية شنغن، بحجة أن مدريد فشلت في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وأعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية، ميلوني، عن استعداد بلادها لاتخاذ تدابير استثنائية، بينما دعا وزير الخارجية الإيطالي إلى إغلاق حدود شنغن أمام إسبانيا.

في المقابل، وصفت الحكومة الإسبانية هذه المواقف بأنها غير مسؤولة. وأكد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن مدريد تتوقع التضامن من شركائها الأوروبيين بدلاً من التصريحات السياسية. كما قامت فرنسا بتشديد الرقابة على حدودها مع إسبانيا، وأيدت فنلندا المواقف الإيطالية، مما يشير إلى أن الخلافات حول سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي قد دخلت مرحلة جديدة.

سبتة؛ نقطة التقاء الجغرافيا والسياسة

لا تقتصر أهمية سبتة على أزمة الهجرة فحسب. هذه المنطقة الصغيرة، التي تبلغ مساحتها حوالي 19 كيلومترًا مربعًا، تخضع للسيطرة الإسبانية منذ قرون، لكن المغرب يعتبرها جزءًا من أراضيه ويؤكد دائمًا على استعادتها.

هذا الوضع يجعل من سبتة واحدة من أكثر النقاط حساسية جيوسياسيًا في شمال أفريقيا. أي تطور أمني أو إنساني في هذه المنطقة، بالإضافة إلى أبعاده الحدودية، يمكن أن يؤثر أيضًا على العلاقات السياسية بين مدريد والرباط.

لماذا تتكرر هذه الأزمة؟

يشير تحليل جذور موجة الهجرة هذه إلى أن العوامل الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا فيها. بلغ معدل البطالة في المغرب حوالي 13٪، ومئات الآلاف من الشباب خارج سوق العمل. ويأمل العديد من المهاجرين في العثور على طريق للوصول إلى البر الرئيسي لأوروبا عن طريق الدخول إلى سبتة.

بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية، لعب انتشار الشائعات حول فتح الحدود دورًا مهمًا في تشكيل هذه الموجة. يقول شهود عيان محليون إن نشر أخبار غير رسمية على وسائل التواصل الاجتماعي جذب آلاف الشباب إلى حدود سبتة في فترة قصيرة.

اختبار جديد لأوروبا

أظهرت أزمة سبتة مرة أخرى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى استراتيجية موحدة لإدارة الهجرة. إن الخلاف بين الدول الأعضاء، وزيادة الضغط على الدول الحدودية، ونمو التيارات اليمينية، وتحول الهجرة إلى قضية أمنية، كلها تشير إلى أن أوروبا لم تتمكن بعد من تحقيق توازن بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات الأمنية.

على الرغم من أن التعاون الأخير بين إسبانيا والمغرب قد خفف من حدة الأزمة إلى حد ما، إلا أنه ما لم يتم معالجة جذور الهجرة الاقتصادية والاجتماعية في شمال أفريقيا، ولم يتوصل الاتحاد الأوروبي إلى آلية مشتركة لإدارة حدوده الخارجية، فإن احتمال تكرار مثل هذه الأزمات سيظل قائمًا؛ وهي أزمات ستشكل تحديًا ليس فقط لسبتة، بل للهندسة الأمنية والسياسية لأوروبا بأكملها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى