قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

هل تجاوزت الدبلوماسية اللوبي الصهيوني؟ تراجع نفوذ ‘آيباك’ في أمريكا

يشهد اللوبي الأمريكي الإسرائيلي للشؤون العامة (آيباك) تراجعاً في نفوذه السياسي، حيث اتهمه مسؤولون أمريكيون باستخدام أموال غير شفافة للتأثير على السياسة وخلق الانقسام، مما يثير تساؤلات حول مدى تغلب الدبلوماسية على ضغوط اللوبي الصهيوني.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، اتهم عمدة مدينة نيويورك، زُهران ممداني، قبل فترة، لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك) باستغلال ملايين الدولارات من الأموال غير الشفافة لتعزيز نفوذها السياسي وزرع الانقسام في المجتمع الأمريكي. وأشار ممداني، في معرض حديثه عن جرائم النظام الصهيوني في غزة، إلى أن “الوحوش التي نواجهها لها أشكال مختلفة ومتنوعة”، مستهدفًا بذلك آيباك بشكل مباشر كأحد أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة.

وتتجاوز أهمية هذه التصريحات مجرد المواقف الشخصية لممداني، فهي تعكس تحولاً في المشهد السياسي والاجتماعي الغربي تجاه النظام الصهيوني. فقد أدت جرائم غزة، وتزايد الاحتجاجات المناهضة للنظام الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا، وارتفاع تكلفة الدعم غير المشروط لتل أبيب، إلى مواجهة نفوذ آيباك السياسي بتحديات جدية.

ورغم أن هذا اللوبي لا يزال يتمتع بمصادر مالية وشبكة سياسية قوية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تآكل نفوذه الخطابي، وظهور فجوة تكتيكية بين واشنطن والنظام الصهيوني، وتراجع قدرة التيارات الداعية للحرب على منع وقف إطلاق النار وتعزيز مسار الدبلوماسية.

آيباك؛ من ذروة النفوذ إلى التآكل التدريجي للقوة

على مدى عقود، شكلت آيباك أحد الأعمدة الرئيسية لنفوذ النظام الصهيوني في البنية السياسية الأمريكية. من خلال إنشاء شبكة واسعة من العلاقات داخل الكونغرس، وتمويل الحملات الانتخابية، ودعم المرشحين المتوافقين مع أجندته، نجح هذا اللوبي في جعل دعم النظام الصهيوني أحد الثوابت النسبية في سياسة واشنطن الخارجية، بدعم من الحزبين الرئيسيين.

لم تقتصر قوة آيباك على حجم مواردها المالية فحسب؛ والأهم من ذلك، قدرة هذه المجموعة على فرض تكلفة سياسية على المنتقدين ومنع تحول المعارضة لسياسات تل أبيب إلى تيار سائد.

مع ذلك، أدت التطورات التي أعقبت العدوان على غزة إلى تغيير ملحوظ في البيئة السياسية والاجتماعية لعمل آيباك. فقد أدت الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وزيادة الخسائر في صفوف المدنيين، واستمرار العمليات العسكرية للنظام الصهيوني، إلى زيادة تكلفة الدعم غير المشروط لتل أبيب في الرأي العام الأمريكي.

وتظهر استطلاعات الرأي لعام 2026 ارتفاع النظرة السلبية للشعب الأمريكي تجاه النظام الصهيوني، وبين الشباب والديمقراطيين والناخبين المستقلين، نمت التعاطف مع الفلسطينيين بشكل ملحوظ. هذا التحول الاجتماعي أدى إلى إضعاف الدعم الخطابي لآيباك، وحول الدعم للنظام الصهيوني من موقف قليل التكلفة إلى قضية مثيرة للجدل في المنافسات السياسية الأمريكية.

من وجهة نظر المراقبين، لا يعني هذا التآكل نهاية القوة المالية أو التنظيمية لآيباك. فقد جمع الذراع الانتخابي المرتبط بهذه الشبكة ما يقرب من 99 مليون دولار من التمويل خلال الدورة الانتخابية 2025 و 2026؛ وهو رقم يشير إلى أن آيباك لا تزال تمتلك قدرة واسعة لدعم المرشحين المتوافقين معها وممارسة الضغط على المنتقدين. وبالتالي، فإن الادعاء بانهيار هذا اللوبي أو عدم فعاليته لا يتوافق مع الحقائق القائمة، إلا أن امتلاك موارد مالية واسعة لم يعد بالضرورة يضمن نتيجة سياسية.

يمكن ملاحظة مؤشرات هذا التغيير في الانتخابات التمهيدية الأخيرة في أمريكا. فقد أدى إنفاق مجموعات قريبة من آيباك بشكل واسع في بعض الدوائر إلى فوز المرشحين الذين تدعمهم، ولكن في عدد من المنافسات الأخرى، نجح مرشحون ينتقدون سياسات النظام الصهيوني في الفوز، على الرغم من حملات الدعاية الشديدة ضدهم.

أظهرت النتائج المتباينة للانتخابات التمهيدية في إلينوي أن التدخل المالي لآيباك لا يزال فعالاً، ولكنه لم يعد يعتبر قوة لا تقهر. حتى أن بعض الشخصيات البارزة في الحزب الديمقراطي، مثل حاكم إلينوي، وصفوا إنفاق هذه المجموعة بأنه تدخل لمجموعات ذات نفوذ في الانتخابات.

كما أن تزايد الانتقادات العلنية لآيباك يشير إلى التكسير التدريجي للحصانة السياسية لهذا اللوبي. ففي الماضي، كان العديد من السياسيين الأمريكيين، خوفاً من التعرض لحملات مالية وإعلامية، يتجنبون المواجهة المباشرة مع آيباك، ولكن اليوم أصبح اسم هذه المنظمة بحد ذاته موضوع جدل داخل الحزب الديمقراطي. من هذا المنظور، تكمن أهمية تصريحات ممداني في نقل انتقاد آيباك من هامش الاحتجاجات الاجتماعية إلى صلب السياسة الرسمية الأمريكية.

بناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى إضعاف آيباك على أنه يعني زوال قدرتها المالية أو وصولها السياسي، بل إن ما تآكل أكثر من غيره هو شرعيتها العامة، وقدرتها على الإقناع، وقدرة هذا اللوبي على تحويل مطالب النظام الصهيوني إلى قرارات غير مكلفة وتلقائية إلى حد كبير لواشنطن.

لا تزال آيباك قادرة على التأثير على الانتخابات وقرارات الكونغرس، ولكن لتحقيق نتائج سابقة، باتت مضطرة لإنفاق المزيد من الموارد ومواجهة مقاومة اجتماعية وسياسية أوسع. هذا الوضع يعكس انتقال آيباك من قوة لا منازع فيها إلى لاعب قوي ولكنه مثير للجدل.

فجوة واشنطن-تل أبيب؛ أولوية المصالح الأمريكية على مطالب الصهيونية

على الرغم من استمرار العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والنظام الصهيوني، تشير التطورات الأخيرة إلى تشكل خلاف جدي في كيفية إدارة الأزمات الإقليمية. لا تزال واشنطن تعتبر أمن النظام الصهيوني جزءًا من سياستها الإقليمية، ولكن في قضايا مثل ملف لبنان وكيفية التعامل مع إيران، لا ترغب في الامتثال لجميع مطالب تل أبيب دون الأخذ في الاعتبار التكاليف السياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك، على الرغم من أنه لا يمكن الحديث عن انفصال استراتيجي، إلا أنه من الواضح أن الفجوة التكتيكية بين الطرفين أصبحت الآن أكثر وضوحًا من ذي قبل.

كما أن استبعاد تل أبيب من المفاوضات بين إيران وأمريكا يشير إلى أن النظام الصهيوني، على الرغم من تمتعه بالدعم الاستراتيجي لواشنطن، ليس المحدد الحصري لأجندة الولايات المتحدة.

يعتقد الخبراء أن هذا الوضع لا يمكن اعتباره نتاج تضعيف آيباك وحده، ولكنه يكشف بلا شك عن محدودية نفوذ هذا اللوبي. لو كانت آيباك تتمتع بقوة لا منازع فيها لمواءمة السياسة الأمريكية مع مطالب النظام الصهيوني، لكان تقدم وقف إطلاق النار والمفاوضات التي تواجه معارضة من التيارات الداعية للحرب أكثر صعوبة.

وبالتالي، فإن الفجوة الحالية تظهر أن آيباك لا تزال مؤثرة على الكونغرس والساحة السياسية الأمريكية، ولكنها لم تعد قادرة على تحويل مطالب تل أبيب إلى قرار نهائي وتلقائي لواشنطن في مواجهة الأولويات الكبرى للبيت الأبيض.

خاتمة

من وجهة نظر المراقبين، لا تزال آيباك في أمريكا تتمتع بالموارد المالية، والنفوذ في الكونغرس، وشبكة سياسية واسعة، لكنها لم تنجح في تحويل شروط تل أبيب إلى أجندة قطعية لواشنطن. وبالتالي، لم تعد آيباك تمتلك حق النقض المطلق على القرارات الكبرى للحكومة الأمريكية.

إن محصلة ما تم ذكره لا يعني نهاية نفوذ آيباك، بل يعني نهاية حقبة نفوذها المطلق؛ وهو لوبي لا يزال يتمتع بالنفوذ، ولكنه لم يعد قادرًا على ضمان الدعم غير المشروط للنظام الصهيوني أو توافق أمريكا مع سياسات تل أبيب الحربية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى