مضيقا هرمز وباب المندب يتحولان إلى ورقة ضغط.. واشنطن تدفع الثمن
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن أحد أهم التبعات السياسية لهذه الأزمة يكمن في الانتخابات الأمريكية المقبلة، حيث إن ارتفاع أسعار النفط والوقود والضغوط الاقتصادية الناجمة عنه على الشعب الأمريكي، قد تشكل تحدياً خطيراً وغير سار للإدارة الحالية في واشنطن. ومن هذا المنطلق، اكتسب تأثير المحور الإيراني اليمني على طرق نقل الطاقة وتداعيات استمرار هذه الصراعات على الاقتصاد العالمي أهمية متزايدة.
في هذا السياق، أجرت وكالة “مهر” مقابلة مع الدكتورة “مروه سونا”، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة قيريق قلعة التركية، نستعرض تفاصيلها فيما يلي:
إلى أي مدى يمكن أن يؤثر الإغلاق المتزامن لمضيق هرمز وباب المندب، لا سيما فيما يتعلق بالسفن التابعة للسعودية، على أسواق الطاقة العالمية؟ وإذا استمر إغلاق هذين المضيقين، فهل يمكن أن تحول زيادة تكاليف النقل والتأمين والنفط هذه الأزمة من صراع إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية مستدامة؟
قبل كل شيء، يجب القول إن الحرب بين إيران والولايات المتحدة و”النظام الصهيوني” قد أحدثت فجوات وصدوعاً أعمق على المستوى العالمي. لذلك، ينبغي النظر إلى هذه التطورات في إطار أوسع، أي بجانب طرق النقل والممرات التجارية، وأزمة الطاقة، وديناميكيات الصراع التي امتدت إلى البحر الأحمر.
إذا واجهنا مثل هذا الضغط المتزامن على مضيقين، فمن المحتمل أن نشهد تفاقماً كبيراً لأزمة الطاقة في العالم. ومنذ 28 فبراير 2026، شهدنا عدم استقرار وتقلبات شديدة في أسواق الطاقة.
لذلك، إذا أُغلق مضيق باب المندب بالإضافة إلى مضيق هرمز، وتكونت مشاكل جديدة في الأسواق، فيجب أن نتوقع زيادة كبيرة في أسعار النفط والبنزين. وستُشعر هذه الوضعية بوضوح في أوروبا وآسيا، نظراً لأن كمية كبيرة من الطاقة تُنقل عبر باب المندب إلى هاتين المنطقتين.
إذا زال الممر الآمن للملاحة في باب المندب بالكامل، فستتغير الأسعار، خاصة في قطاع التأمين، الذي سيتحول إلى أحد أهم اللاعبين في مثل هذه الظروف.
في مسار الحرب الذي اشتد مجدداً منذ شهر يوليو، ارتفعت قيمة السفن وتكاليف عبورها عبر هذا المسار بنحو 10%، بسبب المخاطر الإضافية والمشاكل الجديدة الناجمة عن الحرب.
ثمة قضية أخرى مهمة هي التطورات في البحر الأحمر. في هذا الصدد، يجب الانتباه إلى هجمات اليمنيين ضد السعودية، لأن المسألة ليست مجرد ممر ملاحي، بل تستهدف البنى التحتية للطاقة في النظام العالمي. وفي ظل هذه الظروف، سيواجه عرض الطاقة ونقلها ودخولها إلى السوق العالمية اضطراباً.
قد تبدو المضائق مفتوحة عسكرياً، لكنها عملياً ستكون مغلقة تجارياً. وقد تصبح المسارات المفتوحة قانونياً غير قابلة للاستخدام تشغيلياً أو نظامياً.
نتيجة لذلك، سيزداد الضغط على أسعار النفط الخام (برنت)، بل يمكن طرح سيناريو تجاوز سعر النفط حاجز 120 دولاراً. لذلك، في الفترة القادمة، لا ينبغي النظر إلى سوق الطاقة من منظور حجم المعروض النفطي فحسب، بل يجب أيضاً مراعاة أمن المضائق وتكاليف التأمين ومسارات التجارة العالمية في آن واحد.
ما هو تأثير ارتفاع أسعار النفط والوقود في الولايات المتحدة على إدارة ترامب والحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؟ وهل يمكن أن يشكل ارتفاع أسعار البنزين وضغوطه على المستهلكين الأمريكيين نقطة ضعف سياسية لإدارة ترامب وأن يغير حسابات أمريكا في استمرار الحرب؟
من القضايا التي يجب أن نوليها اهتماماً هو كيفية تأثير هذه الأزمة على الولايات المتحدة. كما نعلم، ستُجرى الانتخابات في شهر نوفمبر، ومن أهم القضايا في هذه الانتخابات هو الوضع الاقتصادي للناخبين الأمريكيين، أو ما يُعرف بـ “سياسة المحفظة”.
في النهاية، ينظر الناخب إلى مقدار الأموال المتبقية في جيبه. منذ 28 فبراير 2026، كانت إحدى أكبر مشاكل أمريكا هي زيادة التناقض بين وعود الحكومة وأدائها، وبالتالي زيادة انعدام الثقة.
قدم ترامب وعوداً مهمة لتحسين الاقتصاد الأمريكي قبل وصوله إلى الرئاسة، لكن الوضع الحالي يشير إلى أن الظروف قد تحركت في الاتجاه المعاكس لهذه الوعود إلى حد كبير.
لم تتمكن إدارة ترامب ليس فقط من إعادة السلام والاستقرار إلى النظام العالمي، بل لم تستطع أيضاً تحقيق استقرار أسواق الطاقة أو حل المشاكل الاقتصادية داخل أمريكا.
من هذا المنطلق، فإننا نواجه ظروفاً يمكن أن تؤثر على خيارات الناخبين الأمريكيين في الانتخابات. ويُعد ارتفاع أسعار البنزين أحد أهم نقاط الضعف السياسية لإدارة ترامب. فمن جهة، تقع مسؤولية الحرب على عاتق ترامب وإدارته، ومن جهة أخرى، تستمر الزيادات في الأسعار والمشاكل الاقتصادية.
إذا أضفنا خسائر القوات الأمريكية إلى هذا الوضع، فإن استمرار الحرب لم يعد مجرد حساب جيوسياسي لإدارة ترامب، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بمستقبل وظروف معيشة الناخبين الأمريكيين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الزيادة المتزايدة في الخسائر المدنية واستهداف البنى التحتية المدنية تسببت في مشاكل وضغوط خطيرة للغاية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
يجب القول بصراحة أنه لا توجد حرب تُزهق فيها أرواح المدنيين ينتج عنها منتصر. التاريخ يثبت هذه الحقيقة. وأي حرب، إذا لم تنتهِ في النهاية بحل دبلوماسي، ستؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية. وقد شهدنا هذا الوضع مع توقف المفاوضات بين أمريكا وإيران.
بدلاً من أن نشهد انخفاضاً في التوترات وتوجهاً نحو حل دبلوماسي، فإن العقوبات النفطية والضغط العسكري قد تسبب للأسف مشاكل أكبر. وفي الوقت نفسه، أصبحت قضية المساعدات الخارجية الأمريكية ووجودها العسكري في المنطقة موضع تساؤل مرة أخرى.
في سياق المساعدات الخارجية الأمريكية، تُعد “إسرائيل” إحدى أهم القضايا. فالنهج الإسرائيلي المزعزع للاستقرار في المنطقة، واستمرار أو عدم استمرار المساعدات الأمريكية لـ”إسرائيل” أصبح موضوعاً يُناقش بشكل متزايد في المجتمع الأمريكي.
خاصة في العامين الماضيين، شهدنا تغيراً ملحوظاً في توجه الناخبين الأمريكيين تجاه قضية “إسرائيل” وفلسطين. لقد تشكل قسم أقوى من الرأي العام الأمريكي يدعم الشعب الفلسطيني، ويرى صراحة أن أحداث غزة غير صحيحة. وهذا تحول قيّم جداً.
ذلك لأن مختلف قطاعات المجتمع الأمريكي بدأت الآن في مناقشة مدى الضرر الذي يمكن أن تلحقه سياسات “إسرائيل” وأنشطة الحركة الصهيونية بأمريكا والنظام العالمي في نهاية المطاف. ونشهد هذه الاحتجاجات والمطالبات الأخلاقية في الجامعات والأماكن العامة وبين مختلف فئات المجتمع.
من هذا المنظور، يبقى السؤال المهم هو إلى أي مدى سيتخذ الناخبون الأمريكيون نهجاً أكثر مرونة في مواجهة الأزمات الجيوسياسية، وفي اعتقادي، سيتم مناقشة هذا الأمر بشكل متزايد في المستقبل.
لذلك، إلى جانب إغلاق مضيق هرمز، إذا تدخلت السعودية بشكل أكبر في هذا الصراع، فقد نواجه عواقب اقتصادية وسياسية وأمنية أكبر بكثير في المستقبل.
إذا تمكنت إيران من السيطرة على مضيق هرمز، والقوات المتمركزة في اليمن على باب المندب لفترة طويلة، أو الحد من الملاحة، فهل سنشهد تغيراً في توازن القوى الاقتصادية في المنطقة؟ وهل يمكن للولايات المتحدة وحلفائها مواصلة الضغط العسكري على إيران واليمن ومنع الارتفاع الحاد في الأسعار في سوق الطاقة العالمي قبل إعادة فتح هذين المسارين؟
إن مسألة ما إذا كانت إيران قد حولت مضيق هرمز ومحور اليمن إلى ساحة لممارسة الضغط الاقتصادي ومواجهة العقوبات، هي مسألة مهمة. القضية الرئيسية هي أننا بحاجة إلى رؤية كيف يتغير تنافس القوى الإقليمية والعالمية.
تستخدم إيران الطاقة بوضوح كأداة مهمة وما زالت تستخدمها. ولكن مع إغلاق مضيق هرمز، واجهت دول الخليج قيوداً خطيرة فيما يتعلق ببيع الطاقة واستيرادها في نظام العرض والطلب العالمي.
في المرحلة الأولى، أعلنت إيران أنها ستهاجم المناطق التي تتمركز فيها قواعد أمريكية. لكن مسار التطورات لم يقتصر على الهجوم على القواعد الأمريكية، بل استهدفت البنى التحتية للطاقة في المنطقة في الوقت نفسه. وهنا يكمن الضعف الرئيسي.
كان النهج الأولي للولايات المتحدة هو تحقيق نتيجة مشابهة لما حدث في فنزويلا. لكن هذا السيناريو لم يتكرر هنا. بل على العكس، تغير موقف إيران تجاه أمريكا في المعادلات الإقليمية بشكل كبير. فخلال أكثر من 150 يوماً من الحرب منذ فبراير 2026، شهدنا أن إيران لم تتراجع. وهذا أمر لافت جداً.
لذلك، فإننا نواجه تغيراً أساسياً في المعادلات الإقليمية والنهج الجيوسياسية للقوة. ومع ذلك، يجب علينا أن نفحص بعناية إلى أي مدى يمكن لأمريكا و”إسرائيل” مواصلة الضغط العسكري، وإلى أي مدى يمكن أن يتسع نطاق هذا الضغط.
بالنسبة للولايات المتحدة، نواجه تكاليف باهظة. نحن نتحدث عن منطقة يتم فيها استخدام القوات البحرية، والتواجد العسكري الأمريكي واسع النطاق. ويُقال إن حوالي 50 ألف جندي أمريكي متواجدون في المنطقة. هنا هناك محاولة لخلق نوع من عدم توازن القوى. ولكن في المقابل، عندما نفحص تأثير إيران على المنطقة، وخاصة على أسواق الطاقة العالمية، فإننا نواجه وضعاً مختلفاً تماماً.
باختصار، ما نواجهه اليوم ليس مجرد حرب بين ثلاثة أطراف في المنطقة. يجب أن ننظر إلى لبنان وغزة إلى جانب هذه التطورات. وفي الوقت نفسه، هناك حاجة للعودة إلى طاولة الوساطة.
بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي تجاهل الضغط والتأثير الذي أحدثته هذه الحرب على 8 مليارات إنسان في جميع أنحاء العالم. وبالطبع، فإن أحد أهم القضايا هو الخسائر المدنية. لأنه لا توجد حرب تُزهق فيها أرواح المدنيين ينتج عنها منتصر.
للأسف، ما زلنا نشهد مساراً يتم فيه تهميش جهود الوساطة، ونتابع ذلك بأسف. لذلك، فإن سوق الطاقة والتطورات الانتخابية هما بلا شك مواضيع مهمة للغاية، ولكن يجب أن تكون الأولوية الأولى هي منع الخسائر المدنية وإنهاء هذه الحرب عبر المسار الدبلوماسي.
