من كابول إلى هرمز: تآكل الهيمنة الأمريكية في ظل تحديات القوة الصلبة
![[object Object] /الولايات المتحدة , أفغانستان , إيران , مضيق هرمز , القوة العسكرية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/08/webangah-95fca7e957775acddf285f93e1980fd4a871e8d92db79be763cd37f9dfb9a645.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فقد ساهمت تطورات دولية حديثة في رسم صورة مختلفة لدور الولايات المتحدة وقدرتها على إدارة الأزمات العالمية. وكان خروج القوات الأمريكية المضطرب من أفغانستان في أغسطس 2021 (يوليو وأغسطس 2021) والمشاهد المؤلمة في مطار كابل من أبرز الرموز لهذا التحول في التصور، حيث أظهر الحدث وجود فجوة بين القوة العسكرية لدولة ما وقدرتها على تحقيق نتائج سياسية مستدامة.
بعد ذلك، أدت تجربة الحروب الطويلة وتكاليف التدخلات الخارجية وزيادة الشكوك حول فعالية الحضور العسكري المباشر للولايات المتحدة إلى تغيير في حسابات العديد من الفاعلين العالميين والإقليميين.
في ظل هذه الظروف، طرحت التطورات الأخيرة في المنطقة ومواجهة الولايات المتحدة مع إيران هذا السؤال مرة أخرى: هل لا تزال أدوات واشنطن التقليدية قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية أم لا؟
يُظهر استعراض المسار الذي تم قطعه من كابل إلى مضيق هرمز كيف أصبحت الفجوة بين القدرة على ممارسة الضغط وتحقيق الأهداف السياسية أحد أهم التحديات التي تواجه المكانة العالمية للولايات المتحدة.
من استعراض القوة إلى الانسحاب المضطرب؛ أفغانستان كرمز لمحدودية قوة أمريكا
أصبحت صور مطار كابل قبل نحو خمس سنوات واحدة من أكثر صور السياسة الخارجية الأمريكية رسوخًا في العقدين الأخيرين؛ صور تظهر آلاف الأشخاص يحاولون الفرار من أفغانستان، وطائرات عسكرية أمريكية تنقل آخر القوات والمواطنين من هذا البلد. هذه المشاهد كانت بعيدة كل البعد عن الصورة التي رسمتها واشنطن لسنوات عن قدرتها على إدارة التحولات العالمية، وأصبحت رمزًا للفجوة بين الأهداف المعلنة للولايات المتحدة والنتائج الفعلية لتدخلاتها العسكرية.
دخلت الولايات المتحدة أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 (سبتمبر 2001) بهدف إسقاط حركة طالبان ظاهريًا، وتحت شعار مكافحة الإرهاب وإنشاء هيكل سياسي جديد في أفغانستان. استمر هذا الوجود العسكري لما يقرب من عقدين من الزمن، ليصبح أطول حرب خارجية في تاريخ الولايات المتحدة؛ لكن في النهاية، أدى اتفاق إدارة دونالد ترامب مع طالبان في عام 2020 (2020) وقرار إدارة جو بايدن بتنفيذ انسحاب القوات، إلى تحديد مسار إنهاء هذا الوجود.
أظهر السقوط السريع لكابل في أغسطس 2021 (يوليو 2021)، بعد أسابيع قليلة فقط من بدء انسحاب القوات الأمريكية، أن مشروع واشنطن الطويل الأمد لإنشاء نظام سياسي مستقر في أفغانستان واجه عقبات جسيمة.
لم تقتصر قضية أفغانستان على نهاية عملية عسكرية، بل أثارت تساؤلًا أوسع حول قدرة الولايات المتحدة على تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي. أنفقت واشنطن مليارات الدولارات على مر السنين، ودربت قوات الأمن الأفغانية، وحاولت إنشاء هيكل سياسي جديد، لكن الانهيار السريع للجيش الأفغاني بعد انسحاب القوات الأجنبية أظهر أن تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي المستدام ليس ممكنًا بمجرد الوجود العسكري والدعم الخارجي.
من هذا المنظور، أصبحت أفغانستان واحدة من أهم الأمثلة على محدودية قوة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. أظهرت هذه التجربة أنه حتى الوجود طويل الأمد لقوة عظمى لا يمكنه بمفرده تحديد مسار التحولات السياسية في بلد ما وفقًا لأهدافها الأولية، وأن هناك فجوة كبيرة بين الانتصار العسكري في الميدان وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
من أفغانستان إلى الشرق الأوسط؛ التآكل التدريجي لقوة التدخل
جاءت تجربة أفغانستان في ظل انخراط الولايات المتحدة بالفعل في عواقب التدخلات العسكرية طويلة الأمد في الشرق الأوسط. الحرب العراقية عام 2003 (2003)، التي بدأت بهدف إسقاط نظام صدام حسين، على الرغم من أنها أدت إلى إنهاء حكم العراق بسرعة، إلا أنها تبعها بعد ذلك عدم استقرار سياسي، وتشكيل جماعات مسلحة، وتكاليف بشرية ومالية باهظة.
هذه التجربة، جنبًا إلى جنب مع حرب أفغانستان، رسمت تدريجيًا صورة لمحدودية قدرة الولايات المتحدة على تحويل الانتصار العسكري الأولي إلى إنجاز سياسي مستدام.
في السنوات التي تلت هذه الحروب، ابتعدت واشنطن تدريجيًا عن الوجود البري الواسع، وحاولت الحفاظ على نفوذها بشكل أساسي من خلال أدوات مثل العقوبات، وبناء التحالفات، وعمليات عسكرية محدودة، والضغوط السياسية.
أظهر هذا التغيير في النهج أن تكاليف الحروب الطويلة قد قللت من رغبة الولايات المتحدة في الدخول في صراعات واسعة النطاق جديدة، وأن استخدام القوة العسكرية المباشرة لم يعد الخيار الرئيسي لسياستها الخارجية كما كان في السابق.
أثر هذا الاتجاه أيضًا على حسابات الفاعلين العالميين والإقليميين الآخرين. أدرك منافسو الولايات المتحدة أن هناك فجوة بين قدرة واشنطن على توجيه ضربة عسكرية وقدرتها على إدارة العواقب السياسية لأزمة ما. لهذا السبب، حاولت بعض الدول زيادة تكاليف المواجهة مع الولايات المتحدة من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، وإنشاء تحالفات جديدة، واستخدام أدوات غير متكافئة، وخلق المزيد من هامش المناورة لأنفسهم.
نتيجة لذلك، أدت مجموعة التجارب خلال العقدين الماضيين إلى تغيير في التصور العالمي للقوة الأمريكية. لم تعد القضية الرئيسية هي قدرة واشنطن على شن عملية عسكرية، بل تم التشكيك في مدى نجاحها في تحويل هذه الإجراءات إلى نتائج سياسية مستدامة؛ وهو موضوع أصبح أحد العوامل المهمة في تغيير حسابات القوى تجاه الولايات المتحدة.
مضيق هرمز؛ اختبار جديد لقيود قوة أمريكا
استمرارًا للاتجاه الذي بدأ في أفغانستان، أصبحت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران اختبارًا آخر لقياس قدرة واشنطن على تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية.
دخلت الولايات المتحدة في إجراء عسكري بهدف ضرب القدرات الاستراتيجية لإيران، بما في ذلك برنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، وإمكاناتها الإقليمية؛ لكن مرور الوقت أظهر أن البيت الأبيض قد ارتكب خطأ استراتيجيًا وأن تحقيق الأهداف القصوى أصعب بكثير من توجيه الضربات الأولية.
كان أحد أهم الأهداف المعلنة لواشنطن هو الحد من القدرات النووية الإيرانية، لكن هذا الإجراء لم ينجح في القضاء على هذه القدرة والإمكانات المحلية الإيرانية، وظلت القضية النووية أحد المحاور الرئيسية للخلاف. وفي مجال الصواريخ، على الرغم من استهداف بعض البنى التحتية بهجمات عدوانية، إلا أن القدرات الصاروخية الإيرانية، كأحد العناصر الأساسية لردعها، ظلت باقية في المعادلات الإقليمية وأثارت رعب أمريكا وحلفائها.
كان هدف أمريكي آخر هو إضعاف شبكة حلفاء إيران الإقليميين، لكن التطورات الميدانية أظهرت أن هذه المسألة ليست سهلة الحل، وأن الهياكل السياسية والأمنية المتكونة في المنطقة لا تزال تشكل جزءًا من معادلات الشرق الأوسط. في ظل هذه الظروف، واجهت واشنطن تحديًا كانت قد جربته من قبل في أفغانستان؛ وهو الفرق بين توجيه ضربة عسكرية وإحداث تغيير مستدام في البيئة السياسية.
في غضون ذلك، أصبح مضيق هرمز أحد أكثر التحديات تعقيدًا التي تواجه الولايات المتحدة. أظهرت هذه المنطقة، ذات الأهمية الحيوية لأمن الطاقة العالمي، أن حتى الهجمات العسكرية الشاملة لا يمكن أن تضمن السيطرة الكاملة على بيئة جيوسياسية معقدة. أضاف تصاعد التوترات حول هذا الممر المائي متغيرًا جديدًا إلى حسابات الولايات المتحدة، وأظهر أن أي عمل عسكري في المنطقة يمكن أن يخلق عواقب تتجاوز الأهداف الأولية.
في النهاية، يمكن القول إنه من كابل إلى مضيق هرمز، نرى نمطًا مشتركًا؛ الولايات المتحدة، على الرغم من أنها لا تزال تسعى لممارسة الضغط وتنفيذ عمليات عسكرية، إلا أن الفجوة بين القوة الصلبة وتحقيق الأهداف السياسية المنشودة قد أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وقد أصبح هذا الانقسام أحد العوامل المهمة في تغيير التصور العالمي لدور الولايات المتحدة، وعلامة على تآكل مكانتها السابقة في إدارة التحولات الدولية.
