قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

ترامب يقلص المناورات مع كوريا الجنوبية: حرب إيران تغير حسابات واشنطن في آسيا

أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزارة الدفاع الأمريكية بخفض كبير في حجم التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مشيراً إلى أن عدم دعم سيول لواشنطن في حربها ضد إيران كان أحد أسباب هذا القرار، مما يعكس تأثير حرب إيران على تحالفات واشنطن في شرق آسيا.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية. وأكد ترامب أنه بات من المتأخر جداً إلغاء المناورات بالكامل، ولذلك أصدر تعليماته لوزير الحرب الأمريكي، بيت هغست، بتقليصها بشكل كبير. وعزا قراره إلى علاقته الممتازة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وكذلك استيائه من عدم دعم سيول لأمريكا في الحرب ضد إيران.

يأتي قرار دونالد ترامب في وقت تواجه فيه واشنطن تداعيات حرب إيران، وتزايد التنافس مع الصين، وتنامي التعاون بين روسيا وكوريا الشمالية. ولا يمثل هذا القرار مجرد تغيير في الخطط العسكرية الأمريكية، بل قد تكون له تداعيات على مستقبل التحالفات التي تقودها واشنطن. وتزداد أهمية الأمر عندما يطرح ترامب صراحة عدم مرافقة كوريا الجنوبية لأمريكا في الحرب ضد إيران؛ وهو ما يشير إلى دخول حرب إيران ضمن حسابات علاقات أمريكا مع حلفائها في شرق آسيا.

لماذا قلص ترامب المناورات؟

تعد مناورة “الدرع الحرية أولتشي” من أهم المناورات السنوية بين أمريكا وكوريا الجنوبية، وتقام منذ عام 1976، وهدفها الأساسي هو إعداد قوات البلدين لمواجهة التهديد المحتمل من كوريا الشمالية. وكان من المقرر أن تستمر مناورة هذا العام لمدة 11 يوماً، بمشاركة حوالي 18 ألف جندي كوري جنوبي و28 ألفاً و500 جندي أمريكي منتشرين في المنطقة.

يرتبط قرار ترامب بتقليص هذه المناورات بشكل كبير بإحدى الأدوات الرئيسية للردع التي تستخدمها أمريكا في شبه الجزيرة الكورية. لطالما اعتبرت كوريا الشمالية هذه المناورات استفزازية، وعادة ما لجأت إلى اختبارات صاروخية أو زيادة تهديداتها خلال فترة إجرائها.

لم يكن هذا هو الموقف الأول لترامب تجاه المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية. فبعد لقائه بكيم جونغ أون في سنغافورة عام 2018، وصف هذه المناورات بأنها باهظة الثمن ومستفزة. والآن، يعزو علاقته الشخصية مع الزعيم الكوري الشمالي كأحد أسباب تقليص المناورات.

من هذا المنطلق، يبدو أن ترامب يسعى مرة أخرى لاستخدام تخفيف الضغط العسكري كأداة دبلوماسية. قد يعتقد أن تقليص المناورات يمكن أن يمهد الطريق للعودة إلى المحادثات مع بيونغ يانغ، ويتيح له مرة أخرى تقديم نفسه كرئيس قادر على التفاوض المباشر مع كيم.

ومع ذلك، فإن الظروف اليوم تختلف كثيراً عن عام 2018. فقد عززت كوريا الشمالية قدراتها الصاروخية والنووية في هذه الفترة، كما تعززت علاقاتها مع روسيا والصين. لذلك، يتمتع كيم جونغ أون الآن بموقف مختلف، ولن يكون بالضرورة متعجلاً للعودة إلى المفاوضات مع أمريكا.

حرب إيران، المتغير الذي غير معادلات أمريكا

النقطة الأكثر أهمية في قرار ترامب الأخير هي إشارته المباشرة إلى حرب إيران. قال ترامب إنه مستاء من عدم مرافقة كوريا الجنوبية لأمريكا في جهودها لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، وأعلن أن سيول رفضت طلب واشنطن بالمشاركة في هذا الإجراء. وهذا يشير إلى أن تداعيات الحرب الفاشلة ضد إيران تجاوزت حدود غرب آسيا، وأثرت على علاقات أمريكا مع حلفائها في مناطق أخرى من العالم.

تعتبر كوريا الجنوبية من أقرب الحلفاء العسكريين للولايات المتحدة، ويمثل وجود القوات الأمريكية فيها جزءاً مهماً من الهيكل الأمني لشرق آسيا. ومع ذلك، لم توافق سيول على المشاركة المباشرة في حرب إيران. يمكن تحليل هذا القرار في إطار حسابات التكلفة والمكاسب.

بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإن الدخول المباشر في حرب مع إيران قد يحمل تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة، خاصة وأنها تواجه تهديد كوريا الشمالية. لذلك، يمكن اعتبار عدم مرافقة سيول دليلاً على أنه بعد الهزيمة المكلفة للولايات المتحدة أمام إيران، فإن حتى أقرب حلفاء واشنطن باتوا يحسبون مصالحهم وأمنهم الوطني بشكل مستقل عن رغبات واشنطن عند مواجهة إيران. وبالتالي، فإن حرب إيران حملت رسالة مهمة للنظام التحالفي الأمريكي: قوة أمريكا تكون مؤثرة عندما يكون حلفاؤها مستعدين لتحمل تكلفة استخدام هذه القوة.

في هذا السياق، تبرز مسألة نفوذ إيران. تزداد أهمية نفوذ بلد ما عندما تؤثر قوته على حسابات الدول الأخرى. إذا توصل حليف مثل كوريا الجنوبية إلى نتيجة مفادها أن الدخول في حرب مع إيران يمثل خطراً أكبر من المنفعة، فمن الطبيعي أن يمتنع عن المشاركة.

من يملأ فراغ القوة الأمريكية؟

لم يأتِ قرار ترامب هذا في فراغ جيوسياسي. فشرق آسيا اليوم هو أحد أهم ساحات تنافس القوى العظمى، وتعمل الصين على تطوير قدراتها العسكرية بسرعة. فبكين زادت في السنوات الأخيرة من قدراتها الصاروخية والبحرية والنووية، كما شددت من ضغوطها العسكرية والسياسية على تايوان. يكمن قلق واشنطن وحلفائها في أن تتمكن الصين من استغلال أي انخفاض في تركيز أمريكا لزيادة الضغط على تايوان أو تعزيز موقعها في غرب المحيط الهادئ.

في الوقت نفسه، لم تعد كوريا الشمالية مجرد لاعب معزول. فقد تعززت علاقات بيونغ يانغ مع موسكو بشكل ملحوظ، وزادت التعاون العسكري بين البلدين. كما حافظت كوريا الشمالية على علاقاتها مع الصين، وتستفيد من التنافس بين أمريكا والصين وروسيا لزيادة قوتها التفاوضية.

في مثل هذا السياق، يمكن لتقليص المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية أن يخلق برداشتين مختلفين. من ناحية، قد تعتبرها بيونغ يانغ علامة إيجابية لخفض التوتر وبدء المفاوضات. ومن ناحية أخرى، قد تراها الصين وروسيا دليلاً على زيادة الضغط على الموارد والقدرات الأمريكية.

إن التكاليف التي تكبدتها أمريكا جراء الحرب ضد إيران جعلتها غير قادرة على إدارة جميع الأزمات بمستوى واحد من القوة. فالحرب ضد إيران، والمنافسة مع الصين، والحرب في أوكرانيا، والالتزامات الأمنية في أوروبا وآسيا، كلها قضايا قيد التنفيذ في آن واحد بالنسبة لأمريكا. ولذلك، فإن أي قرار بتقليص النشاط العسكري في منطقة ما يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار في منطقة أخرى.

هل ما زال الحلفاء يثقون بأمريكا؟

ربما يكون الأثر الأكثر أهمية لقرار ترامب ليس على كوريا الشمالية، بل على حلفاء أمريكا أنفسهم. لقد بُني التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي على مدى عقود على مبدأ أن واشنطن ستدافع عن سيول ضد تهديد كوريا الشمالية. وتعد المناورات المشتركة جزءاً من هذا الضمان الأمني. ولذلك، فإن أي تقليص لها قد يثير تساؤلات حول ما إذا كانت التزامات أمريكا ستظل بنفس القدر من الثبات في المستقبل؟ وهذا الأمر لا يقتصر على كوريا الجنوبية. تمتلك أمريكا شبكة واسعة من الحلفاء في أوروبا وآسيا، ويعتمد مصداق هذه الشبكة إلى حد كبير على الاعتقاد بأن واشنطن تمتلك فعلاً القدرة والإرادة للدفاع عنهم في وقت الأزمات.

لقد جعلت حرب إيران هذا السؤال أكثر إلحاحاً. إذا رأى الحلفاء أن أمريكا تضطر لنقل مواردها من مناطق أخرى لإدارة حرب كبيرة، فقد يبدأون تدريجياً في البحث عن زيادة قدراتهم الدفاعية المستقلة أو إقامة علاقات متنوعة مع قوى أخرى. وتعد حالة الفلبين في هذا المجال جديرة بالاهتمام.

يشير تزايد التوتر بين مانيلا وبكين إلى أن الدول الآسيوية، من ناحية، تحتاج إلى الدعم الأمريكي، ومن ناحية أخرى، لا ترغب في ربط أمنها بقوة واحدة. وفي حالة كوريا الجنوبية، فإن اقتراح إجراء محادثات مع كوريا الشمالية لإنهاء الحرب الكورية رسمياً يشير إلى أن سيول قد تبحث عن مسارات مكملة لتأمينها.

النتيجة

يقع تقليص المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية عند نقطة التقاء عدة تحولات مهمة: حرب إيران، والضغط على الموارد العسكرية الأمريكية، وتزايد التنافس مع الصين، وتقارب روسيا وكوريا الشمالية، وتزايد شكوك الحلفاء حول مدى التزام واشنطن. من هذا المنطلق، تعد حرب إيران أحد المتغيرات المهمة في هذه المعادلة.

يشير عدم مرافقة كوريا الجنوبية لأمريكا في حربها ضد إيران إلى أن حتى أقرب حلفاء واشنطن باتوا يحسبون تكلفة وفوائد الدخول في مواجهة مع طهران بشكل مستقل عن رغبات أمريكا. في المقابل، أظهر ترامب أنه يأخذ في الاعتبار مدى مرافقة الحلفاء في قراراته الأمنية. ومع ذلك، فإن الأثر الأهم لهذا القرار قد يكون تأثيره على مصداقية الردع الأمريكي. إذا توصل حلفاء واشنطن إلى نتيجة مفادها أن أمريكا، بسبب انخراطها في جبهة ما، تضطر إلى تقليص التزاماتها في جبهة أخرى، فإن الثقة في قوة أمريكا وقدرتها على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد ستتضاءل.

في النهاية، المسألة لا تقتصر على كوريا الشمالية، فهذا القرار يشير إلى أن قدرة أمريكا على الحفاظ على التزاماتها الأمنية في جبهات متعددة في وقت واحد تواجه قيوداً جدية. لقد فرضت حرب إيران تكاليف عسكرية وسياسية كبيرة على واشنطن، وإلى جانب المنافسة مع الصين وروسيا، أجبرت أمريكا على إعادة ضبط أولوياتها. ونتيجة لذلك، فإن ثقة الحلفاء في قدرة واشنطن وإرادتها للدفاع عنهم في وقت واحد آخذة في التآكل، وهذا الاتجاه سيكون أحد أهم التداعيات الجيوسياسية لحرب إيران على النظام الأمني بقيادة أمريكا.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى