اتفاق مکه یمن.. انصارالله یغیر معادله الامن السعودی
![[object Object] /اليمن , انصار الله , السعودية , اتفاق مکه , الامن الاقلیمی](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/08/webangah-ffdecd312d9c92737e743f83820b971899fb4838588f8a89bdec00d4aa38c905.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، يأتي الاتفاق الدفاعي المبرم في مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في أحد أخطر الأوقات الأمنية في غرب آسيا، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وابتعد الوضع في اليمن مرة أخرى عن مرحلة «لا حرب ولا سلام»، وتظهر مؤشرات العودة إلى مواجهة أوسع. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار اتفاق مكة مجرد معاهدة دفاعية بين ثلاث دول. يمكن أن يكون هذا الاتفاق جزءًا من إعادة التنظيم الأمني للمنطقة ورداً على التغييرات في حسابات الرياض فيما يتعلق بالتهديدات التي تستهدف السعودية من جنوب حدودها.
تزداد أهمية الاتفاق عند وضعه جنبًا إلى جنب مع التطورات الأخيرة في اليمن. لقد أظهرت حركة أنصار الله في الأسابيع الماضية مرة أخرى قدرتها على استهداف المصالح والمواقع السعودية والتأثير على أمن البحر الأحمر. أظهرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة لهذه الحركة أنه حتى بعد سنوات من الحرب ووقف إطلاق النار، لم تتغير معادلة الردع في اليمن، ولا تزال الرياض تواجه لاعباً يمكن أن يفرض عليها تكاليف أمنية واقتصادية كبيرة.
هل هناك علاقة بين اتفاق مكة واحتمال بدء جولة جديدة من الحرب في اليمن؟
يجب البحث عن الإجابة على هذا السؤال في مفهوم «الردع». ينص اتفاق مكة على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعتبر اعتداءً عليها كلها. هذا البند، بغض النظر عن كيفية تنفيذه عمليًا، يحمل رسالة سياسية وأمنية مهمة: السعودية لا تريد أن تبقى وحدها في حالة دخولها في أزمة عسكرية جديدة.
تكتسب هذه المسألة أهمية لأن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن القدرة العسكرية التقليدية وحدها غير كافية للقضاء على تهديد أنصار الله. تمتلك السعودية قدرات عسكرية وتسليحية واسعة، لكن أنصار الله، بالاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيرة، تمكنوا من فرض تكاليف غير متناسبة على منافسيهم. ولهذا السبب، فإن المسألة بالنسبة للرياض لا تقتصر على هزيمة قوة عسكرية في ساحة المعركة؛ بل هي منع تحول الأراضي والبنى التحتية السعودية إلى عمق استراتيجي لحرب استنزاف.
أهمية اتفاق مكة تتجاوز الرموز
نصر طه مصطفى، الصحفي ووزير الإعلام اليمني السابق، بحث في تحليل نشره الجزيرة، اتفاق مكة في سياق الظروف الجديدة لليمن. من وجهة نظره، فإن توقيت ومكان توقيع هذا الاتفاق لهما دلالة خاصة. اختيار مكة ويوم الجمعة لتوقيع الاتفاق أعطاه بعدًا رمزيًا وسياسيًا خاصًا، وجمع ثلاث دول تتمتع كل منها بوزن كبير في العالم الإسلامي والهيكل الدولي للسلطة.
لكن الأهمية الحقيقية للاتفاق يجب البحث عنها خارج نطاق الرموز. فقد تم توقيع هذه المعاهدة في ظل تصاعد أزمة اليمن مجدداً، وزيادة هجمات أنصار الله على الأهداف السعودية وبعض المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية. وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات على مناطق وبنى تحتية مهمة مثل مأرب والمخا إلى زيادة المخاوف بشأن نهاية الوضع الهش الحالي.
تغيير حسابات السعودية
ولهذا السبب، يمكن اعتبار اتفاق مكة دليلاً على تغير حسابات السعودية. قد تكون الرياض قد توصلت إلى استنتاج مفاده أن مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن لم تعد كافية، وأنه يجب الاستعداد لسيناريو العودة إلى حرب واسعة.
خلال أربع سنوات من الهدوء النسبي، احتفظت أنصار الله بقدراتها العسكرية والسياسية، والآن تظهر مرة أخرى قدرتها على الضغط على السعودية وتهديد الممرات البحرية في البحر الأحمر.
يكشف هذا الوضع أحد أهم التناقضات في أزمة اليمن: لا الحرب الشاملة مستمرة، ولا السلام الدائم قد تشكل. هذا الوضع «لا حرب ولا سلام»، على الرغم من أنه قد نجح في خفض حدة الاشتباكات في بعض الأحيان، إلا أنه لم يقض على الجذور الرئيسية للنزاع. الآن، مع زيادة الهجمات، أصبح السؤال الأكثر جدية هو ما إذا كان وقف إطلاق النار لعام 2022 ينهار عملياً أم لا.
من ناحية أخرى، فإن حسابات أنصار الله لا تقتصر على التطورات الداخلية في اليمن. تعمل هذه الحركة في إطار تطورات إقليمية أوسع، ويمكن للتطورات المتعلقة بإيران والبحر الأحمر والمنافسات الأمنية في المنطقة أن تؤثر على قراراتها. في مثل هذا الوضع، لا يمكن للسعودية تقييم التطورات في اليمن بمعزل عن بيئتها الأمنية الأوسع.
محاولات الرياض لإعادة تعريف العلاقات مع مختلف الجهات الفاعلة
وهنا يكتسب اتفاق مكة أهمية أكبر. في السنوات الأخيرة، ابتعدت السعودية تدريجياً عن الاعتماد الكامل على ضمانات الأمن من القوى الغربية، وسعت إلى توسيع علاقاتها مع مختلف الجهات الفاعلة. يمكن أن يكون التعاون مع تركيا وباكستان في هذا الإطار جزءًا من عملية إنشاء شبكة أمنية أكثر تنوعاً؛ شبكة لا تعتمد فيها الرياض بشكل كامل على قوة خارجية واحدة لتأمين نفسها.
في الواقع، يمكن تحليل اتفاق مكة على مستويين في نفس الوقت: أولاً، استجابة للتهديدات الفورية ضد السعودية؛ وثانياً، جزء من محاولة لبناء هيكل أمني جديد في المنطقة.
إذا اشتعلت الحرب في اليمن مرة أخرى، فمن المرجح أن يكون أحد الأسئلة الأولى هو ما إذا كان الالتزام الدفاعي لمكة سيفعل ضد هجمات أنصار الله. يمكن أن يحدد الرد على هذا السؤال المصداقية الحقيقية لهذا الاتفاق. إذا بقيت هذه المعاهدة مجرد اتفاق سياسي، فسيكون تأثيرها الرادع محدوداً؛ ولكن إذا توصلت أنصار الله إلى أن الهجوم على السعودية يمكن أن يؤدي إلى رد منسق من الدول الثلاث، فستتغير المعادلة الأمنية.
في غضون ذلك، لا ينبغي إغفال نقطة مهمة: تشكيل تحالف جديد لا يعني بالضرورة إضعاف أنصار الله. يمكن حتى القول إن تشكيل هذا الترتيب نفسه هو علامة على زيادة وزن هذه الحركة في الحسابات الأمنية للمنطقة. عندما تتمكن جهة فاعلة غير حكومية من دفع قوة مثل السعودية نحو تشكيل تحالف دفاعي مع قوتين إقليميتين ودولتين ذات وزن دولي، فلا يمكن تجاهل دورها في المعادلات الأمنية الإقليمية.
ختام القول
ولذلك، يمكن النظر إلى اتفاق مكة من زاوية مختلفة: هذا الاتفاق ليس مجرد رد على قوة أنصار الله، بل هو اعتراف عملي بتغير البيئة الأمنية المحيطة بالسعودية.
الآن اليمن على أعتاب نقطة حساسة. إذا اتسعت الاشتباكات، ستواجه السعودية خيارين صعبين؛ إما الدخول مرة أخرى في حرب مكلفة، أو قبول قوة أنصار الله والبحث عن تسوية سياسية، وهو أمر كان صعب التحقيق حتى الآن.
في النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم لاتفاق مكة هي أن المعادلة الأمنية في اليمن لم تعد مجرد مسألة داخلية أو حتى تنافس ثنائي بين السعودية وأنصار الله. لقد أصبحت تطورات هذا البلد جزءًا من المنافسة الأكبر على النظام الأمني الجديد في غرب آسيا.
إذا اندلعت الحرب في اليمن مرة أخرى، فستأتي أول اختبار لاتفاق مكة. عندها سيتضح ما إذا كانت هذه المعاهدة مجرد بيان سياسي لعرض التضامن، أم أنها قادرة حقاً على تغيير حسابات الجهات الفاعلة في المنطقة. في كلتا الحالتين، هناك حقيقة واضحة: قوة أنصار الله قد تغلغلت بعمق في المعادلات الأمنية للمنطقة لدرجة أن السعودية لم تعد تعتمد على قوتها العسكرية وحدها لمواجهة سيناريو الحرب الجديدة، وتسعى لبناء تحالف دفاعي جديد.
