قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

مضيق هرمز وانهيار النظام الأمريكي؛ العالم يدخل عصر الفوضى

تحذر دراسة حديثة من أن النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يعد يواجه أزمة فحسب، بل ينهار فعلياً، مما يفتح الباب أمام عصر جديد من الفوضى العالمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن دراسة نشرت في مجلة «فورين أفيرز» تحذر من أن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لم يعد يواجه أزمة فحسب، بل ينهار فعلياً. هذا النظام، الذي توسع لعقود، لا تواجهه تحديات من منافسين مثل الصين وروسيا فحسب، بل إن الداعم الرئيسي له، الولايات المتحدة نفسها، لم يعد راغباً في تحمل تكاليف الحفاظ عليه.

يستخدم مارك ليونارد، كاتب الدراسة، استعارة مستوحاة من سوق العقارات الصينية لوصف الوضع الحالي. ويشير إلى المباني غير المكتملة والمهجورة التي اضطر بعض المواطنين الصينيين للسكن فيها بعد أزمة العقارات، مستخدمين المرافق المتبقية لإيجاد سبل لمواصلة الحياة. يسمي الصينيون هذه المباني «لان وي لو» أو «المباني ذات الذيل الفاسد»، وهي مشاريع كان من المفترض أن تكتمل لكنها توقفت في منتصف الطريق.

وفقاً لليونارد، وصل النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الآن إلى وضع مشابه. لم يقبل الصين وروسيا هذا النظام بالكامل قط، وأصبحت القوى المتوسطة مستاءة منه تدريجياً. الأهم من ذلك، أن الشعب الأمريكي نفسه لم يعد مهتماً بتغطية تكاليف الدور العالمي لبلاده، وفي الوقت الذي تتراجع فيه واشنطن، لا توجد قوة أخرى مستعدة لتولي هذا الدور.

من وجهة نظر الكاتب، فإن النتيجة ليست انتقال النظام العالمي من الولايات المتحدة إلى الصين، بل دخول العالم في فترة يمكن تسميتها «الفوضى»؛ وهي فترة تضطر فيها الدول إلى التكيف مع الظروف الجديدة دون الاعتماد على قوة مهيمنة أو مجموعة من القواعد المشتركة.

فشل تصور قديم؛ أمريكا لم تعد قادرة على السيطرة على كل شيء

إحدى أهم حجج المقال تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الأمن العالمي. يعترف ليونارد بأن الولايات المتحدة لا تزال أقوى قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية في العالم، لكنه يقول إن واشنطن لم تعد قادرة على منع جميع الصراعات أو ضمان التدفق الحر للتجارة في جميع أنحاء العالم.

لإثبات هذه الدعوى، يشير الكاتب إلى الحرب في الخليج الفارسي ويطرح نقطة لها أهمية خاصة في تقييم مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي: لم تتمكن الولايات المتحدة حتى من إعادة فتح مضيق هرمز بعد أن أغلقته إيران؛ حتى في ظل تعرض إيران لضغوط عسكرية شديدة.

هذا الجزء من التحليل يتجاوز في الواقع مجرد إشارة إلى ممر مائي استراتيجي. أصبح مضيق هرمز بالنسبة لليونارد اختباراً لقياس القدرة الحقيقية للولايات المتحدة. البلد الذي قدم نفسه لعقود كمُكفِل لأمن طرق التجارة العالمية الحيوية، لم يتمكن في هذه الأزمة من فتح أحد أهم الممرات للطاقة العالمية أمام الملاحة.

تزداد أهمية الموضوع عندما نعلم أن الكاتب يعتبر مضيق هرمز جزءاً من تحول أكبر: انتقال القوة من القوة العسكرية البحتة إلى السيطرة على «الممرات الحيوية». في العالم الجديد، لا تقاس القوة فقط بعدد حاملات الطائرات أو المقاتلات أو حجم الاقتصاد؛ بل إن الدولة الأكثر قوة هي تلك التي تستطيع السيطرة على طرق الطاقة والتكنولوجيا والتجارة وسلاسل التوريد أو تعطيلها.

من هذا المنظور، تعتبر تجربة مضيق هرمز بمثابة تحذير للولايات المتحدة. إذا لم تتمكن واشنطن من ضمان تدفق الحركة عبر ممر حيوي، حتى مع امتلاكها ميزة عسكرية واسعة، فإن ادعاء دور الولايات المتحدة كضامن لأمن التجارة العالمية يواجه تساؤلات جدية.

حلفاء أمريكا لا يزالون ينتظرون واشنطن

أحد الأجزاء اللافتة للنظر في هذا التحليل هو وضع حلفاء أمريكا. يعتقد ليونارد أن العديد من حلفاء واشنطن لم يدركوا بعد أن أمريكا تنسحب من دورها التقليدي.

ويشير إلى سلوك الدول الأوروبية في قمة الناتو في يوليو 2026، ويكتب أن القادة الأوروبيين حاولوا كسب رضا دونالد ترامب من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، لكي تبقى الولايات المتحدة في التحالف.

لا تزال بريطانيا تشتري طائرات أمريكية، وتواصل الدنمارك مشتريات الأسلحة من واشنطن، كما تواصل أستراليا الاستثمار في التعاون الأمني مع الولايات المتحدة في إطار اتفاقية أوكوس؛ وهي إجراءات، بحسب الكاتب، تظهر أن حلفاء واشنطن لا يزالون يتصرفون بناءً على النظام القديم، بينما تغيرت الظروف.

يقول ليونارد إن القادة في مختلف البلدان يتحدثون عن شيء واحد أكثر من غيره في محادثاتهم الخاصة: «عدم اليقين». لم يعودوا يعرفون ما الذي سيحدث في الأزمة التالية، ومن سيدعمهم، وحتى أي مؤسسة ستكون قادرة على حل الأزمة.

القوى الثلاث التي تمزق العالم

يعتبر ليونارد ثلاثة اتجاهات رئيسية مسؤولة عن تشكيل هذا الوضع: «التفتت»، و«انتشار الأزمات»، و«الخنق».

يشير التفتت إلى تفكك التحالفات والأسواق وحتى التصور المشترك للواقع بين الدول. ووفقاً له، فإن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة و«النظام الصهيوني» ضد إيران هي مثال على هذا الوضع؛ لأن الأطراف المتنازعة ليس لديها تصور موحد حول وجود وقف إطلاق النار، أو حجم نفوذ كل طرف، أو من الذي انتصر أو خسر.

من ناحية أخرى، المشاكل التي كانت تبقى في مجالات منفصلة في السابق، تنتشر الآن إلى بعضها البعض. يمكن أن يتحول الخلاف الأمني إلى خلاف تجاري، ويمكن أن تؤثر أزمة إقليمية على الأسواق العالمية.

العامل الثالث هو الاستخدام المتزايد من قبل الدول لـ «الممرات الحيوية» كأدوات للقوة. طرق الطاقة، المضائق، سلاسل التوريد، التقنيات الحساسة، أنظمة الدفع، وحتى المواد الخام الصيدلانية، يمكن أن تتحول الآن إلى أدوات للضغط السياسي.

مضيق هرمز؛ نموذج لقوة الممرات الحيوية

في تحليل «فورين أفيرز»، يعد مضيق هرمز أحد أهم أمثلة هذا الاتجاه. يقول الكاتب إن الدول تحول تدريجياً الأنظمة التي بنيت في السابق لربط الاقتصادات العالمية إلى أسلحة.

يمكن لطرق الطاقة، وخطوط الشحن، وسلاسل توريد أشباه الموصلات، والبنية التحتية المالية أن تؤدي الآن نفس الدور الذي كانت تلعبه القوة العسكرية في السابق.

يكتب ليونارد أنه حتى قبل إغلاق مضيق هرمز، كان الحوثيون يعطلون حركة المرور في البحر الأحمر باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ رخيصة الثمن. لكن إغلاق مضيق هرمز له أبعاد أكبر بكثير؛ لأنه يمر عبر هذا المسار حوالي 20٪ من إجمالي نقل النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

من هذا المنظور، مضيق هرمز ليس مجرد نقطة على الخريطة؛ إنه نموذج لعالم يمكن فيه لبلد واحد، من خلال السيطرة على ممر حيوي، أن يفرض عواقب على الاقتصاد العالمي بأكمله.

يحذر الكاتب من أن هذا الاتجاه لن يقتصر على مضيق هرمز. يمكن للصين أن تستفيد من العناصر الأرضية النادرة وسلاسل إنتاج التكنولوجيا، ويمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من نظامها المالي والتكنولوجي، ويمكن للدول الأصغر أيضاً أن تكتسب قوة تفوق بكثير حجمها الاقتصادي والعسكري من خلال السيطرة على طرق النقل أو الموارد الحيوية.

العالم الجديد؛ عصر «الصناع» لا «المعماريين»

في الختام، يقدم ليونارد نهجين في مواجهة العالم الجديد: «المعماري» و«الصناعي».

يسعى المعماريون إلى تصميم نظام شامل، وإنشاء قواعد عالمية، وإعادة بناء مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية. أما الصناعيون، فيقبلون بأن العالم لم يعد قابلاً للإدارة بخريطة شاملة، ويجب على الدول التكيف مع الظروف المتغيرة بالمرونة والابتكار واستخدام الموارد المتاحة.

يعتقد الكاتب أن الصين قد اتبعت هذا النهج في العديد من الحالات؛ من منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس بلس، إلى استخدام المؤسسات القائمة لتعزيز مصالحها.

من وجهة نظره، فإن القوى المتوسطة مثل إيران والهند والبرازيل وتركيا تتبنى بشكل متزايد هذا النموذج، وتحاول موازنة القوى الكبرى وحماية نفسها من التغييرات المستقبلية.

استنتاج ليونارد واضح: لقد دخل العالم عصراً جديداً لا يحتمل فيه عودة النظام القديم، ولا التشكيل السريع لنظام جديد. العقود القادمة ستُعرّف بشكل متزايد بالأزمات المتتالية، والمنافسة على الموارد والممرات الحيوية، وزيادة استقلال القوى المتوسطة، وتقليل الاعتماد على القوى الكبرى.

في مثل هذا العالم، ستكون الدول الأكثر نجاحاً هي تلك التي لا تنتظر عودة النظام السابق أو ظهور قوة منقذة، ويمكنها إيجاد طريقها وسط هذه الفوضى بالاعتماد على قدراتها الداخلية، ومرونتها، وتنوع علاقاتها الخارجية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى