من الدبلوماسية النووية إلى مضيق هرمز: ضرورة وجود هيكل أمني جديد في الخليج الفارسي
![[object Object] /الخليج الفارسي , مضيق هرمز , الدبلوماسية النووية , الأمن الإقليمي , إدارة التنافس](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/08/webangah-39da5e34d3b9ee6034611c0324433c2d56524127a31fe28841849855f80faef6.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، في التاريخ المعاصر للخليج الفارسي، قليل هي الفترات التي يمكن العثور عليها حيث واجه أمن المنطقة هذا القدر من الأزمات المتزامنة. من النزاع النووي الإيراني وتنافس القوى الكبرى، وصولًا إلى المخاوف الأمنية لدول المنطقة العربية وحضور القوى العسكرية الخارجية، خلقت مجموعة من العوامل بيئة تقلصت فيها المسافة بين الأزمة السياسية والمواجهة العسكرية بشكل كبير.
السؤال الأساسي هو: لماذا في كل مرة يصل فيها مسار الدبلوماسية النووية بين إيران والغرب إلى طريق مسدود، يزداد ظل التوتر العسكري في الخليج الفارسي، وخاصة في مضيق هرمز؟
لا يمكن البحث عن إجابة لهذا السؤال في إطار الخلاف السياسي بين إيران والولايات المتحدة فقط. ما يجري في هذه المنطقة هو نتيجة تفاعل عدة اتجاهات معقدة: التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، المخاوف الأمنية للاعبين الإقليميين، فشل عمليات بناء الثقة، تغير موازين القوى، وغياب إطار مستقر لإدارة الخلافات.
مضيق هرمز في هذا السياق ليس مجرد ممر مائي جغرافي، بل هو نقطة تتشابك فيها أمن الطاقة العالمي، والجغرافيا السياسية الإقليمية، والمنافسات العسكرية. هذا الممر الملاحي هو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي زعزعة للاستقرار فيه يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الخليج الفارسي.
ومع ذلك، لا تقتصر أهمية هرمز على النفط والتجارة البحرية. لقد أصبحت المنطقة رمزًا لقضية أعمق: كيف يمكن للتنافس بين الدول أن ينتقل من مرحلة الضغط السياسي والردع إلى مرحلة المواجهة العسكرية. يجب البحث عن الإجابة في منطق تصعيد الأزمة وفشل إدارة التنافس.
من الملف النووي إلى دائرة تصعيد الأزمة
كانت الأزمة النووية الإيرانية خلال العقدين الماضيين أحد أهم الملفات الأمنية في النظام الدولي. أظهرت هذه الأزمة أنه حتى الخلافات العميقة بين الدول، عندما تكون مصحوبة بانعدام ثقة واسع النطاق، يمكن إدارتها عبر الدبلوماسية.
الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران ومجموعة 1+5 كان مثالاً على محاولة المجتمع الدولي استبدال المفاوضات بالصدام. لم يحل هذا الاتفاق جميع الخلافات بين إيران والغرب، لكنه نجح في توفير إطار قابل للتنبؤ نسبيًا للسيطرة على الأزمة لفترة من الوقت.
مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 وعودة سياسة الضغط الأقصى، ضعف هذا الإطار. بعد ذلك، دخلت العلاقات بين طهران وواشنطن مرحلة أصبحت فيها العقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، والإجراءات المتبادلة، وعرض القوة العسكرية، أدوات التفاعل الرئيسية.
في ظل هذه الظروف، تتشكل دائرة خطيرة: ضغط سياسي واقتصادي، زيادة الشعور بالتهديد، تعزيز إجراءات الردع، زيادة الحضور العسكري، تفسير تهديدي من قبل الطرف الآخر، زيادة احتمال تصعيد الأزمة.
هذه هي الدائرة التي يشار إليها في أدبيات العلاقات الدولية بمفهوم «معضلة الأمن». بناءً على هذا المفهوم، قد تُعتبر الإجراءات التي تتخذها دولة لزيادة أمنها تهديدًا من قبل دول أخرى.
في مثل هذه البيئة، لا تقتصر المسألة على السلوك الفعلي للفاعلين؛ بل إن تصوراتهم لنوايا بعضهم البعض لها أهمية حاسمة. كما أظهر روبرت جيرفيس، فإن العديد من الأزمات الدولية لا تبدأ بالضرورة بقرار واعي ببدء الحرب. في بعض الأحيان، توصل مجموعة من ردود الفعل المتبادلة الفاعلين إلى نقطة لم يكن أي منهم ينوي الوصول إليها في البداية.
الردع؛ ضمان للاستقرار أم ممهد لعدم الاستقرار؟
الردع هو أحد المفاهيم المركزية في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية. وفقًا لوجهة نظر توماس شيلينغ الكلاسيكية، فإن الردع ينجح عندما تكون الرسائل واضحة، وخطوط حمراء محددة، والتواصل بين الأطراف قائمًا.
لكن الردع في بيئة فُقد فيها الثقة السياسية قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة. عندما يلجأ طرف إلى تطوير القدرات العسكرية، وزيادة وجود القوات، أو عرض القوة لزيادة قدرته على الردع، قد يفسر الطرف الآخر هذه الإجراءات ليس كدفاعية، بل كدليل على الاستعداد للقيام بعمل عدواني.
نتيجة لذلك، يتشكل تناقض: كل طرف يسعى لزيادة أمنه، لكن هذا السعي نفسه يمكن أن يزيد من شعور الطرف الآخر بانعدام الأمن.
مضيق هرمز مثال واضح لهذه الحالة. في هذه البيئة الجغرافية المحدودة، المسافة بين «رسالة الردع» و«التفسير التهديدي» قصيرة جدًا.
حركة السفن الحربية، والمناورات، والتحذيرات السياسية، والعمليات البحرية المحدودة، أو الإجراءات المتبادلة، كلها تحمل رسائل استراتيجية؛ لكن هذه الرسائل لا تُستقبل دائمًا كما يتوقع المرسل.
لهذا السبب، فإن الخطر الرئيسي في هرمز ليس مجرد القوة العسكرية للأطراف؛ بل خطر سوء الفهم بين الفاعلين الذين يعملون في بيئة منخفضة الثقة ومتوترة.
هرمز؛ نقطة التقاء الطاقة والأمن والجغرافيا السياسية
لا يمكن تفسير أهمية مضيق هرمز فقط بحجم انتقال الطاقة. هذه المنطقة هي ملتقى عدة مجالات أمنية، كل منها بمفرده يمكن أن يؤثر على استقرار المنطقة.
أولاً، أمن الطاقة العالمي؛ لأن جزءًا كبيرًا من تجارة الطاقة العالمية يمر عبر هذا المسار. ثانيًا، التنافس الاستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة، الذي كان أحد العوامل الرئيسية في تشكيل النظام الأمني للمنطقة على مدى عقود. ثالثًا، المخاوف الأمنية لدول الخليج العربي، التي أقامت علاقات وثيقة مع القوى الخارجية لتأمين أمنها. رابعًا، حضور القوى الخارجية التي تعتبر الخليج الفارسي جزءًا من معادلاتها الجيوسياسية الأوسع.
من منظور نظرية «المجمع الأمني الإقليمي» لـ «باري بوزان»، فإن أمن الدول في منطقة ما يرتبط ببعضه البعض بطريقة لا يمكن فصل تحليل تهديداتها الأمنية عن بعضها البعض تمامًا.
الخليج الفارسي مثال واضح لهذه الحالة. أمن إيران، والدول العربية في المنطقة، وأمن الملاحة، ومصالح القوى العالمية، جميعها في شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل.
على الرغم من ذلك، فإن المشكلة الرئيسية هي أن العديد من الفاعلين لا يزالون يحددون الأمن بناءً على منطق التنافس وموازين القوى؛ أي أن زيادة أمن دولة ما غالبًا ما تُفسر على أنها انخفاض في أمن دولة أخرى.
الخليج الفارسي؛ تاريخ من التفاعل إلى جانب تاريخ التنافس
على الرغم من أن الخليج الفارسي يُعرف اليوم غالبًا بأزماته الأمنية، إلا أن تاريخ هذه المنطقة ليس مجرد تاريخ تنافس وصراع.
لقرون، كان هناك تجارة، ملاحة، هجرة، تفاعلات ثقافية، وروابط اقتصادية بين المجتمعات على جانبي الخليج الفارسي. لم تكن الموانئ التاريخية للمنطقة مجرد مراكز اقتصادية، بل جسور اتصال بين مجتمعات وحضارات مختلفة.
بالطبع، الإشارة إلى هذا الإرث التاريخي لا تعني تجاهل الحقائق السياسية اليوم. لدول المنطقة مصالح مختلفة، ومخاوف أمنية، وتصورات خاصة للتهديد.
ومع ذلك، يظهر التاريخ أن الخليج الفارسي يمتلك إمكانيات تتجاوز منطق الأمن وحده، ويمكنه التحرك من نمط التنافس الدائم نحو نوع من «إدارة التنافس».
فشل الهيكل الأمني الحالي
إحدى المشكلات الأساسية في الخليج الفارسي هي غياب هيكل أمني شامل ومقبول من جميع الأطراف.
لقد استند النموذج الأمني الحالي بشكل أساسي على ثلاثة أسس: أولاً، حضور القوى الخارجية؛ ثانيًا، الردع العسكري؛ وثالثًا، موازين القوى بين اللاعبين الإقليميين.
هذا النموذج نجح في بعض الفترات في منع الحروب الكبرى، لكنه فشل في حل المشكلة الأساسية، وهي غياب الثقة المستدامة.
يواجه هذا الهيكل ثلاثة نقاط ضعف أساسية على الأقل:
- الاعتماد المفرط على الجهات الفاعلة الخارجية. أمن المنطقة «صُنع» في الغالب من الخارج، بدلاً من أن يكون «بناءً داخليًا» من قبل دول المنطقة.
- غياب آليات محلية لإدارة الأزمات. في الظروف الحرجة، يزيد افتقار القنوات الاتصال المباشرة والمستمرة بين الفاعلين من خطر سوء الفهم وسوء التقدير.
- هيمنة منطق المجموع الصفري. في هذا المنطق، غالبًا ما يُعرَّف أمن بلد ما بانخفاض أمن بلد آخر، ونتيجة لذلك، يحل التنافس الدائم محل التعاون الأمني.
من إدارة الأزمة إلى إدارة التنافس
الحقيقة هي أن الخلافات بين إيران والولايات المتحدة ودول المنطقة لن تختفي على المدى القصير. لذلك، فإن الهدف الواقعي ليس القضاء على التنافس؛ بل إنشاء آليات لإدارته.
يجب متابعة إدارة الأزمة في الخليج الفارسي على ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو منع الأزمة؛ من خلال إنشاء قنوات اتصال، وزيادة الشفافية العسكرية، وتقليل سوء الفهم.
المستوى الثاني هو السيطرة على الأزمة؛ أي منع حادث محدود أو سوء تقدير من التحول إلى مواجهة واسعة النطاق.
المستوى الثالث هو معالجة جذور الأزمة؛ من خلال تقليل انعدام الثقة، وإنشاء حوارات إقليمية، وتحديد المصالح المشتركة بين الفاعلين.
يتطلب الاستقرار المستدام في الخليج الفارسي إطارًا متعدد الطبقات حيث يتجاور الحوار السياسي، وبناء الثقة العسكري، والأمن البحري، والتعاون الاقتصادي، وإدارة الخلافات.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الدبلوماسية النووية بمعزل عن البيئة الأمنية الإقليمية. القضية النووية الإيرانية ليست مجرد قضية فنية؛ بل هي جزء من تنافس أوسع على النظام الأمني الإقليمي.
لذلك، يجب أن يأخذ أي حل مستدام في الاعتبار المخاوف الأمنية للجهات الفاعلة الأخرى، بالإضافة إلى المخاوف النووية. تجاهل أي من هذه الأبعاد يمكن أن يهيئ الظروف لعودة الأزمة.
الخلاصة: اختيار هرمز التاريخي
يقف مضيق هرمز اليوم أمام اختيار تاريخي.
أحد المسارات هو استمرار الدائرة التي تنتج فيها انعدام الثقة، والضغط، وعرض القوة، ورد الفعل المتبادل، الأزمات الجديدة باستمرار. في هذا المسار، يمكن تفسير كل إجراء لزيادة أمن طرف كتهديد من قبل الطرف الآخر، مما يعيد تنشيط دائرة تصعيد التوتر.
المسار الآخر هو التحرك نحو نظام تُدار فيه المنافسات، ولا تتحول فيه الخلافات السياسية إلى مواجهة عسكرية.
لن يتحقق الأمن المستدام في الخليج الفارسي عن طريق إقصاء جهة فاعلة، ولا عن طريق الضغط الدائم، ولا عن طريق الحضور غير المحدود للقوى الخارجية. سيكون الأمن مستدامًا عندما تقبل الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية بأنه في بيئة شديدة التشابك، لا يمكن أن يقوم أمن أي بلد على انعدام أمن الآخرين.
المشكلة الأساسية في هرمز ليست من سيفوز في تنافس قصير الأجل؛ السؤال الأساسي هو ما إذا كان بإمكان الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية إنشاء آلية لمنع الحرب قبل أن تتحول الأزمات السياسية إلى حرب؟
مستقبل الخليج الفارسي سيعتمد بشكل أكبر على قدرة الفاعلين على بناء قواعد مشتركة، وإدارة التنافس، وإنشاء حد أدنى من الثقة، أكثر من اعتماده على عدد السفن الحربية، أو حجم الأسلحة، أو شدة الضغوط الاقتصادية. يمكن لمضيق هرمز أن يظل رمزًا للمواجهة وتصعيد الأزمة، أو أن يتحول إلى نقطة انطلاق لمحادثات تبني أمن المنطقة ليس على أساس الإقصاء والتهديد، بل على أساس إدارة الخلافات وقبول المصالح المتبادلة.
