قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

اليابان تحت ضغط روسيا والصين.. هل تتحمل عبء الاستراتيجية الأمريكية؟

تجد اليابان نفسها في قلب سباق القوى العظمى الجديد في شرق آسيا، حيث تزايدت الضغوط من روسيا والصين بشكل غير مسبوق، وسط تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ودورها المتنامي في المعمار الأمني لواشنطن.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تشهد منطقة شرق آسيا دخول مرحلة جديدة من تنافس القوى العظمى، حيث أصبحت اليابان، بفضل تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ودورها المتزايد في المعمار الأمني لواشنطن، أكثر عرضة لضغوط الصين وروسيا.

وفي هذا السياق، زادت السياسات العدوانية التي تتبعها إدارة الرئيس ترامب ضد خصوم أمريكا، بل وحتى الضغط على الحلفاء الذين لا يتماشون مع واشنطن في جميع القضايا، من تكاليف هذا التحالف بالنسبة لطوكيو. هذا الوضع يشير إلى أن اليابان قد تكون في صدد دفع ثمن تحولها إلى أحد أعمدة الاستراتيجية الأمريكية في شرق آسيا.

اليابان تحت ضغط متزامن من الشمال والجنوب

تشهد الضغوط على اليابان تصاعداً متزامناً على جبهتين في الأيام الأخيرة. جاءت زيارة فلاديمير بوتين إلى جزيرة إيتوروب، أكبر جزر كوريل الجنوبية، لتثير اعتراضات شديدة من طوكيو، وتليها استدعاء السفير الياباني من قبل موسكو. أكدت روسيا على سيادتها على كوريل، واعتبرت دعم اليابان للعقوبات الغربية ضد موسكو ودعمها لأوكرانيا من عوامل تصعيد التوتر.

ويأتي هذا التقابل في ظل تزايد الضغط السياسي والأمني الصيني على طوكيو. بكين، دعماً لمواقف موسكو بشأن اليابان، حذرت من عملية “إعادة تسليح” هذا البلد. ونتيجة لذلك، تواجه طوكيو الآن محورين للتوتر في شمال وشرق آسيا يؤثران في آن واحد على حساباتها الأمنية والعسكرية.

ولا يمكن فصل هذا الوضع عن دور الولايات المتحدة. التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وطوكيو، وتماشي اليابان مع سياسات أمريكا ضد الصين وروسيا، جعل هذا البلد في طليعة المواجهة بين واشنطن وهاتين القوتين أكثر من أي وقت مضى. تعتبر موسكو وبكين العقوبات ضد روسيا وزيادة التعاون العسكري مع الولايات المتحدة جزءاً من هذا الترتيب الإقليمي.

في الوقت نفسه، يظهر نهج إدارة ترامب أن القرب من واشنطن لا يعني بالضرورة النجاة من الضغوط الأمريكية. يتوقع ترامب من حلفائه التماشي مع سياساته، بل ويزيد الضغط على اليابان في الحالات التي لا تتماشى فيها طوكيو مع تحركات أمريكا، مثل موقفها تجاه الهجمات الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران. ونتيجة لذلك، يجب على اليابان في الوقت ذاته تحمل تكلفة التقارب مع الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة روسيا والصين، ومواجهة المطالب المتزايدة من واشنطن.

مجموع هذه التطورات يشير إلى أن الضغط على اليابان ليس مجرد عودة للخلافات التاريخية مع روسيا أو تصاعد التنافس مع الصين، بل هو نتيجة لوقوع طوكيو في خضم تنافس القوى الكبرى؛ تنافس وسعت سياسات واشنطن العدوانية من نطاقه في شرق آسيا.

تآزر المحورين موسكو-بكين ضد طوكيو

ما يجعل الضغط على اليابان خطيراً ليس فقط التحركات المنفصلة للصين وروسيا، بل التزامن المتزايد للمواقف السياسية لهذين البلدين بشأن مستقبل اليابان. اتهمت موسكو طوكيو مؤخراً بمحاولة تغيير النظام القانوني بعد الحرب وتجاهل القيود العسكرية، وأيدت بكين بوضوح هذا الموقف.

أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في 28 مرداد الانتقادات التي وجهها سيرغي لافروف، وحذر من أن المجتمع الدولي يجب أن يقف في وجه عملية إعادة تسليح اليابان. كما استندت بكين إلى بيانات القاهرة وبوتسدام ووثائق استسلام اليابان، واعتبرت محاولات طوكيو لتجاهل القيود العسكرية بعد الحرب تحدياً للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

وتكتسب هذه المواقف أهمية أكبر في ظل سعي اليابان لزيادة قدراتها العسكرية وتوسيع نطاق عمليات قواتها المسلحة. من وجهة نظر الصين وروسيا، القضية لا تقتصر على زيادة الميزانية الدفاعية أو شراء المعدات، بل هي تغيير تدريجي لمكانة اليابان من قوة مقيدة بعد الحرب إلى لاعب أكثر نشاطاً في المعادلات الأمنية للمنطقة؛ تغيير تدعمه الولايات المتحدة أيضاً.

وهنا، تصبح سياسة واشنطن أحد العوامل الرابطة بين ضغوط موسكو وبكين. خلال السنوات الأخيرة، من خلال تكثيف الضغط ضد الصين، وعقوبات روسيا، وتعزيز وجودها العسكري في شرق آسيا، دمجت أمريكا اليابان في هيكلها الأمني أكثر من أي وقت مضى. ونتيجة لذلك، كلما زاد دور طوكيو في هذا المعمار، زادت حساسية بكين وموسكو تجاه التطورات العسكرية والأمنية اليابانية.

من هذا المنظور، لا ينبغي تفسير تآزر الصين وروسيا بالضرورة على أنه تشكيل لتحالف رسمي ضد اليابان، لكن تقارب مصالحهما في معارضة تسليح طوكيو، خلق ضغطاً سياسياً مشتركاً لا يمكن لليابان تجاهله.

من وجهة نظر المراقبين، إذا استمر هذا الاتجاه بالتزامن مع تعميق التعاون العسكري بين اليابان والولايات المتحدة، فإن احتمال تحول شرق آسيا إلى بيئة ذات خطوط مواجهة واضحة بين الأقطاب الثلاثة: أمريكا والصين وروسيا، سيزداد.

الثمن الباهظ للتحالف مع واشنطن

تحولت اليابان في السنوات الأخيرة من حليف مهم للولايات المتحدة إلى أحد الأعمدة الرئيسية للحضور العسكري لواشنطن في شرق آسيا. زيادة التعاون الدفاعي، ونشر أنظمة الصواريخ، وتوسيع المناورات المشتركة، عززت مكانة طوكيو في استراتيجية احتواء الصين والضغط على روسيا، وفي المقابل، زادت التكاليف الأمنية لهذا التقارب بالنسبة لليابان.

وقد تصاعد هذا الاتجاه في عهد إدارة ترامب. تطالب واشنطن طوكيو بزيادة قدراتها الدفاعية ودورها العسكري، حتى تتمكن في حال تصاعد الأزمة المحيطة بتايوان أو مواجهة محتملة مع الصين، من تحمل جزء أكبر من العبء الأمني الأمريكي. وبهذه الطريقة، نقلت سياسة أمريكا فعلياً اليابان من حليف خلفي إلى أحد نقاط المواجهة الأمامية في شرق آسيا.

لكن العلاقة بين واشنطن وطوكيو ليست أحادية الطرف تماماً، وسلوك ترامب فاقم هذا التناقض. ينتظر الرئيس الأمريكي من حلفائه الامتثال لسياسات واشنطن، ولكنه يلجأ إلى الضغط عليهم في حال العصيان. خلال الهجمات الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران، ورغم علاقاتها الوثيقة بواشنطن، امتنعت اليابان عن الانضمام المباشر للعمليات العسكرية، وقد واجه هذا الموقف استياء وضغطاً من إدارة ترامب.

ونتيجة لذلك، تواجه اليابان معادلة صعبة؛ فمن ناحية، يجعلها التقارب الاستراتيجي مع أمريكا هدفاً مهماً في مواجهة الصين وروسيا، ومن ناحية أخرى، تتوقع واشنطن من طوكيو دفع تكاليف إضافية للحفاظ على هذا المعمار الأمني. وحتى لو لم تتماشى اليابان مع سياسات أمريكا في بعض القضايا، فإن وجودها في الشبكة الأمنية لواشنطن لا يزال يفرض تبعات على هذا البلد.

يطرح هذا الوضع سؤالاً استراتيجياً أمام طوكيو يتمثل فيما إذا كانت زيادة الاعتماد الأمني على أمريكا تزيد من أمن اليابان، أم أنها تحول هذا البلد إلى خط المواجهة الأمامي لتنافس قوى تقف مباشرة في مواجهة واشنطن؟

لذلك، فإن تصاعد الضغوط الروسية والصينية المتزامنة يشير إلى أن اختيار اليابان للوقوف بجانب أمريكا لم يعد مجرد قرار بشأن العلاقات الثنائية، بل يمكن أن يحدد مكانة وتكاليف هذا البلد في الترتيب الجديد للقوى في شرق آسيا.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى