قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

أمريكا تضحي بحلفائها في المحيط الهادئ من أجل مضيق هرمز؟

تتجاوز الانتهاكات الأمريكية ضد إيران ساحة المعركة لتصبح اختباراً لقدرة واشنطن على إدارة جبهات متعددة في وقت واحد، حيث تسحب الحرب جزءاً من موارد وتركيز الجيش الأمريكي من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، مما يثير تساؤلات حول تكلفة الضغط على طهران.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن تجاوزات الولايات المتحدة ضد إيران قد تجاوزت ساحة المعركة لتصبح اختباراً لقدرة واشنطن على إدارة جبهات متعددة في وقت واحد. الحرب التي كان من المفترض أن تحقق أهداف أمريكا في أقصر وقت ممكن، تسحب الآن جزءاً من موارد وتركيز الجيش الأمريكي من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط.

إن نقل حاملة الطائرات الأمريكية من المحيط الهادئ إلى هرمز، وتقليل المناورات المشتركة مع الحلفاء الآسيويين، وزيادة المخاوف بشأن الفراغ العسكري في المنطقة، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز ومواقف إيران القوية بشأنه، يطرح سؤالاً مهماً: هل تدفع واشنطن عن غير قصد ثمناً في جبهة تعتبرها حيوية لاحتواء الصين، وذلك للحفاظ على الضغط على طهران؟

استمرار التوتر مع إيران وانسحاب تدريجي من المحيط الهادئ

لم تؤد الهجمات العدوانية الأمريكية والنظام الصهيوني ضد إيران، التي كان من المفترض أن تسفر عن نتائج في غضون أسابيع حسب إدارة ترامب، إلى تحقيق الأهداف المعلنة لواشنطن بعد ستة أشهر من بدء الاعتداءات، بل خلقت مجموعة من التداعيات العسكرية والاستراتيجية لأمريكا نفسها.

يمكن الآن ملاحظة علامات هذا الاستنزاف في إعادة تمركز الموارد العسكرية الأمريكية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، حيث تحتاج واشنطن إلى المزيد من الوجود العسكري لمواصلة الحرب وإدارة تداعياتها.

في هذا السياق، تبرز أهمية إرسال حاملة الطائرات «جورج واشنطن» من اليابان إلى الشرق الأوسط. مع نقل هذه الحاملة لتحل محل «أبراهام لنكولن»، قامت أمريكا مؤقتاً بسحب حاملة طائرات كانت منتشرة في المحيط الهادئ من منطقة لطالما وصفتها واشنطن بأنها ساحة المنافسة الرئيسية مع الصين لسنوات.

في الوقت نفسه، صدرت تقارير عن قلق الأوساط العسكرية الأمريكية بشأن انخفاض مخزونات الأسلحة نتيجة للحرب مع إيران، مما زاد من القلق بشأن القدرة على الحفاظ على الجاهزية ضد الصين وكوريا الشمالية.

لكن العلامة الأكثر أهمية تكمن في تقليص المناورات العسكرية الأمريكية مع كوريا الجنوبية. أمر ترامب في خضم الحرب مع إيران بتقليص المناورات المشتركة بين البلدين بشكل كبير، وانتهت مناورة «درع الحرية أولتشي» في النهاية قبل ستة أيام من الموعد المقرر. وبعد أيام قليلة، تم إلغاء مناورة أخرى مشتركة برمائية بسبب محدودية توافر القوات الأمريكية بسبب الحرب مع إيران.

لا تقتصر أهمية هذه التطورات على تقليص مناورة واحدة أو سحب حاملة طائرات. ما يتغير هو العلاقة بين الموارد العسكرية الأمريكية وعدد الجبهات التي تريد واشنطن إدارتها في وقت واحد.

من وجهة نظر المراقبين، فإن الحرب الاستنزافية مع إيران تشغل جزءاً من القدرات البحرية والجوية والتسليحية والعملياتية الأمريكية، وقد وصلت آثارها الآن إلى منطقة كان من المفترض أن تكون محور التركيز الاستراتيجي الأمريكي لاحتواء الصين. لهذا السبب، لا يمكن اعتبار أي تقليص للحضور في المحيط الهادئ مجرد قرار مؤقت؛ هذه الإجراءات تدل على الضغط المتزايد لحرب استنزاف على التموضع العالمي للقوات الأمريكية.

هرمز؛ محور استنزاف استراتيجية أمريكا

تحول مضيق هرمز في الأشهر الماضية من ممر استراتيجي إلى أحد ميادين النزاع الرئيسية بين إيران وأمريكا. تكمن أهمية هذا التحول في أن واشنطن بدأت الحرب بهدف ضرب القدرات الاستراتيجية لإيران، لكنها الآن تنفق جزءاً كبيراً من جهودها العسكرية والسياسية لإعادة الوضع إلى طبيعته في حركة المرور في مضيق تعتبره إيران رافعة مهمة ضد العدوان الأمريكي. حتى التقارير الأمريكية تقر بأنه بعد ستة أشهر، تغيرت أهداف الحرب وأصبح هرمز أحد الشواغل الرئيسية لواشنطن.

لم يكن موقف طهران في هذه الأثناء مجرد رد فعل. أكد مسؤولون إيرانيون أن حرية الملاحة في هرمز لا يمكن بحثها بمعزل عن وقف العدوان والتزام الطرف الآخر بالاتفاقيات القائمة، وأعلنت القوات المسلحة الإيرانية أنها تسيطر على المضيق.

هذا الموقف خلق في الواقع معادلة مختلفة عن رواية واشنطن؛ لدرجة أن أمريكا اضطرت لإزالة الألغام، وتوفير الحماية العسكرية للمسارات، بل وحتى التحقيق في الهجمات المحدودة على مواقع إيرانية حول المضيق، لتأمين عبور السفن.

لا تقتصر أهمية هرمز لإيران على موقعها الجغرافي فحسب. فقد أصبح المضيق في ظروف الحرب رافعة تزيد من تكلفة استمرار العمليات الأمريكية، وفي الوقت نفسه يؤثر على اقتصاد الطاقة العالمي.

عبور ما يقرب من خُمس نفط وغاز العالم من هذا المسار، جعل أي اضطراب في هرمز ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والأمن الاقتصادي لدول مختلفة؛ كما حدث بعد الاشتباكات الأخيرة، حيث تجاوز سعر خام برنت 90 دولاراً مرة أخرى.

من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار قضية هرمز مجرد محاولة أمريكية للحفاظ على ممر مائي مفتوحاً؛ هنا يتعلق الأمر بنسبة القوة والتكلفة في استمرار الحرب. كلما زادت جهود واشنطن لإعادة الوضع إلى طبيعته في هرمز، أكدت عملياً أهمية المضيق في معادلة الحرب، وكلما احتاجت إلى المزيد من العمليات العسكرية لتأمين الملاحة، زادت تكلفة وتعقيد الحرب التي كان من المفترض أن تكون أقصر بكثير. هذا التناقض بالذات يجعل من هرمز أحد أهم نقاط استنزاف استراتيجية أمريكا في حربها مع إيران.

شرق آسيا في ظل تراجع الوجود الأمريكي وزيادة فرصة الصين

إن نقل التركيز العسكري الأمريكي من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط ليس مجرد تغيير جغرافي للقوات؛ هذا الإجراء يحدث في منطقة عملت واشنطن لسنوات على الحفاظ على التوازن لصالحها من خلال نشر القوات والمناورات المشتركة والتحالفات الأمنية.

الآن، يمثل خروج حاملة الطائرات جورج واشنطن من قرب اليابان، جنباً إلى جنب مع تقليص المناورات الأمريكية والكورية الجنوبية، صورة مختلفة لأولويات واشنطن؛ خاصة وأن هذه التطورات جاءت في ظل استمرار الحرب مع إيران في استهلاك الموارد التسليحية والتشغيلية الأمريكية.

تزداد أهمية هذا الوضع عند رصد مواقف الصين. بكين ترصد هذه الثغرات. تشير تقارير حديثة عن انخفاض مخزونات الصواريخ الاعتراضية والأسلحة بعيدة المدى الأمريكية نتيجة لانتهاكات الأراضي الإيرانية، إلى مخاوف في الأوساط الأمنية الأمريكية بشأن القدرة على الردع ضد الصين. بعض التقييمات حذرت حتى من أن استنزاف المخزونات الأمريكية يمكن أن يحد من قدرة واشنطن على الاستجابة في وقت واحد للأزمات المحتملة في شرق آسيا والشرق الأوسط.

في غضون ذلك، يكتسب تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية معنى سياسياً أهم. طرح ترامب هذا التقليص في وقت لم توافق فيه سيول على المشاركة في الحرب الإيرانية مع أمريكا؛ لذا، من ناحية، تقلل واشنطن من وجودها وتدريبها العسكري في شرق آسيا لتعويض الضغط الناجم عن الحرب، ومن ناحية أخرى، تشعر بالاستياء من حليفها الآسيوي لعدم تحمله تكاليف الحروب الطموحة لترامب في الشرق الأوسط.

بشكل عام، لم تعد القضية بالنسبة لأمريكا مجرد خسارة مؤقتة لحاملة طائرات أو تقليص لعدد قليل من المناورات؛ القضية هي الفجوة التي نشأت بين التزامات واشنطن العالمية وقدرتها الفعلية على الحفاظ على هذه الالتزامات في وقت واحد. كلما طالت الحرب ضد إيران، زادت تكلفة الحفاظ على الضغط في هرمز، وفي المقابل، زادت المساحة المتاحة للصين لزيادة حضورها ومبادراتها ونفوذها في محيطها.

لهذا السبب، يمكن اعتبار ما يحدث في المحيط الهادئ أحد التداعيات الاستراتيجية لحرب غير ضرورية دخلت فيها أمريكا بخطأ في حساباتها لإنهاءها بسرعة، لكنها الآن سحبت جزءاً من قدراتها وتركيزها من شرق آسيا لإدارة تبعاتها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى