التعاون الاستراتيجي مع موسكو وبكين.. ضرورة إيرانية لمواجهة ضغوط الغرب
![[object Object] /إيران , روسيا , الصين , علاقات استراتيجية , عقوبات غربية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/09/webangah-f9defafce86992efed77cef4de33118ef045384b75d7f1baf3155bfc53af1c29.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التغيرات الجذرية في هيكل العلاقات الدولية وفشل النماذج التقليدية للتعامل مع الكتلة الغربية، عقب انتهاك الولايات المتحدة للتعهدات الدولية، دفعت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى إعادة ترتيب شامل لأولوياتها. في ظل مناخ سدت فيه حملة الضغوط الاقتصادية الشاملة والقيود المفروضة عبر العقوبات، مسارات التبادل المالي والتجاري التقليدية، تجاوز التوجه نحو أقطاب القوة الجديدة في الشرق، لا سيما الصين وروسيا، المستوى التكتيكي ليصبح استراتيجية لا غنى عنها للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وتطوير طرق المواصلات، وإعادة تعريف قنوات تبادل السلع ورؤوس الأموال.
وفقاً لنظريات العلاقات الدولية الحديثة، تعتمد الدول عند مواجهة ضغوط هيكلية خارجية على مزيج من «الموازنة غير المتكافئة» و«الربط المتبادل البناء». في هذا الإطار، تتبنى إيران، مع الإصرار على مبدأ السيادة والاستقلال والابتعاد عن التبعية المطلقة لكتلة معينة، التقارب الهادف مع التكتلات الاقتصادية والأمنية الناشئة في قارة آسيا كأداة لإبطال فعالية سياسات العقوبات.
يشكل تقاسم المصالح بين موسكو وبكين وطهران في تأسيس آليات مالية غير قائمة على الدولار، والاستثمارات البنية التحتية طويلة الأجل، وإنشاء ممرات عبور مشتركة، الإطار التشغيلي لهذا التعاون الثلاثي. وهو ما يجعل التقييم الدقيق للقدرات، والتحديات الهيكلية الداخلية، والإمكانيات الكامنة، أمراً ضرورياً لاتخاذ القرارات الكبرى. ومع ذلك، سنسعى في هذه المذكرة إلى معالجة أبعاد وعمق وأهمية العلاقات الاستراتيجية لإيران مع روسيا والصين.
تكتل قوى ناشئة
في الأفق الجيوسياسي المتغير للعالم المعاصر، يلعب تعميق وتنويع العلاقات الهيكلية بين طهران وموسكو دوراً حاسماً في موازنة القوى الإقليمية والدولية. في سياق المواجهات المستمرة والتهديدات الناجمة عن الصراع الشامل وسيناريوهات الحرب والنزاع بين إيران والولايات المتحدة، فإن إنشاء شبكة من الروابط المعقدة والمتعددة الطبقات مع الاتحاد الروسي يوفر مناخاً رادعاً وموثوقاً وبديلاً للتنفس الاستراتيجي والاقتصادي للبلاد.
إن إقامة علاقات متشابكة ومتعددة الأوجه تتجاوز التبادلات التجارية البسيطة لتشمل مجالات أساسية مثل البنية التحتية الرئيسية للغاز، وتفعيل الممر اللوجستي الاستراتيجي للشمال-الجنوب، وتشكيل مركز إقليمي للحبوب، واستكمال القدرات الأمنية والتسليحية، يمنع نجاح ضغوط العزل التي تفرضها واشنطن.
ذلك أنه على الرغم من الروابط الاستراتيجية العميقة والتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوراسي، لا تزال المبادلات الاقتصادية الإيرانية الروسية ضحية لعدم استقرار القوانين الداخلية، وغياب المعايير المشتركة، وضعف البنية التحتية للممرات. ولتحقيق هدف تحقيق عشرة مليارات دولار، يعد التنسيق المؤسسي، وتسهيل العلاقات المصرفية، والثقة بالقطاع الخاص أمراً إلزامياً.
هذه العلاقات تتيح لروسيا، في ظل انسداد المسارات الغربية، استعادة منافذها التصديرية، ومن ناحية أخرى، تعزز مكانة إيران الجيواقتصادية في شبكة توريد السلع الأساسية لمنطقة أوراسيا. مثل هذا التعاون المعقد والمتبادل والمستقر لا يزيد بشكل كبير من المخاطر والتكاليف لأي مغامرة عسكرية أو حصار أمني من قبل الولايات المتحدة ضد المصالح الوطنية الإيرانية فحسب، بل يجبر أيضاً لاعبين كبار مثل بكين على الاعتراف بإيران كضلع قوي ومستقل ولا يمكن تجاوزه في الهندسة الجديدة للقوة والمعادلات العالمية.
إيران، السد الأول في مواجهة تهديدات الغرب
تستند العلاقات الاستراتيجية بين طهران وبكين في الهيكل المتغير للنظام الدولي، إلى ما هو أبعد من مجرد تفاعل تجاري بسيط، إلى تلاقي أساسي للمصالح الجيواقتصادية والأمن المتبادل. إيران، بفضل موقعها الجيوستراتيجي الفريد وقدراتها اللوجستية لسواحل مكران وميناء تشابهار، التي تقصر مسار وصول الصين إلى المياه المفتوحة للمحيط الهندي بنحو ألف كيلومتر، تعد حلقة رئيسية في لغز مبادرة الحزام والطريق.
في المقابل، فإن استمرار واردات النفط الخام من قبل بكين، باعتبارها شرياناً حيوياً، قد واجه تحدياً خطيراً لحملة الضغط الأقصى واستراتيجية العزل الاقتصادي لواشنطن، مما أدى إلى تعزيز القدرة الاقتصادية لطهران على الصمود. ونتيجة لذلك، تتبع السياسة الخارجية الصينية نهجاً حذراً تحت عنوان «التدخل دون التزام» لتجنب الدخول في مواجهة مكلفة مع الغرب من خلال الموازنة بين طهران ودول أخرى على سواحل الخليج الفارسي.
للارتقاء بهذا الارتباط إلى شراكة مستدامة وفعالة، يحتاج الطرفان إلى تجاوز الأطر الرمزية للتعددية مثل منظمة شنغهاي للتعاون والتركيز على آليات ثنائية عملية. وهو أمر سيتحقق من خلال التكيف مع نموذج الاستثمار التدريجي للصين، وتأسيس بنوك وهياكل مالية مستقلة للتسوية غير الدولارية، وتطوير ممرات المواصلات الشرقية.
في نهاية المطاف، تمثل التعاونيات بين طهران وبكين نقطة التقاء بين التزام الصين بضمان أمن الطاقة المستدام والوصول إلى الأسواق الإقليمية، وبين ضرورة إيران الحيوية لمواجهة العقوبات أحادية الجانب، وصون عائدات التصدير، وترسيخ مكانتها الجيوسياسية في النظام العالمي الجديد.
خلاصة
تظهر التطورات الجارية على مستوى توازن القوى الإقليمي أفول النظام الهيمني السابق وترسيخ نماذج أمنية داخلية. في مثل هذا السياق، فإن ترسيخ التفوق الدفاعي، وزيادة القدرات الردعية المتعددة الطبقات، وتعزيز القوة الشاملة لإيران في مواجهة النظام الصهيوني، له علاقة مباشرة ولا تنفصل عن تعميق العلاقات الهيكلية الهادفة مع الاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية.
التعاون التآزري مع موسكو في مجالات تبادل التكنولوجيات الدفاعية المتقدمة، وتطوير أنظمة الحرب الإلكترونية، وإدارة احتياطيات الطاقة الضخمة، واستكمال البنية التحتية للسكك الحديدية لممر الشمال-الجنوب، يرفع القدرة الردعية غير المتكافئة لإيران إلى مستوى لا رجعة فيه. من ناحية أخرى، فإن ترسيخ التفاعلات الاستراتيجية مع بكين، قطب الصناعة والاقتصاد في العالم، يضمن استمرار مبيعات الموارد الهيدروكربونية المستدامة، وإمكانية جذب استثمارات ضخمة في الموانئ الاستراتيجية مثل تشابهار، وإطلاق أنظمة التسوية المصرفية الثنائية.
إن التحقيق الكامل لهذه الرؤية يتوقف، أكثر من أي شيء آخر، على إزالة العوائق الهيكلية الداخلية، وتحقيق الاستقرار في اللوائح التجارية، والانتقال من المذكرات الرمزية إلى العقود الملزمة والعملية والمتعددة الأطراف؛ وهو نهج لا يحافظ فقط على هوية البلاد واستقلاليتها في اتخاذ القرار، بل يجعل أدوات الضغط الغربية غير فعالة ويرفع مكانة إيران إلى مستوى حاسم في هندسة القوة العالمية.
