قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

الولايات المتحدة في فخ الديون الخارجية وتضارب المصالح الاقتصادية

تواجه الولايات المتحدة تحديًا هيكليًا خطيرًا يتمثل في تزامن عجز الميزانية المزمن مع تغيرات جذرية في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، مما يهدد استقرارها المالي والاقتصادي.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الاقتصاد الأمريكي يواجه في السنوات الأخيرة اختلالًا هيكليًا خطيرًا، يتجلى في تزامن عجز الميزانية المزمن للحكومة الفيدرالية مع تحول في النموذج النقدي للبنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي). أدت الطباعة المفرطة للنقود خلال الأزمات المتتالية، بدءًا من الأزمة المالية عام 2008 وصولًا إلى جائحة كورونا، إلى تضخم الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي لتصل إلى حدود 9 تريليونات دولار. ورغم أن هذا الحقن النقدي كان محفزًا للنمو على المدى القصير، إلا أنه أدى إلى انفجار تضخمي في السنوات اللاحقة، ودفع الاحتياطي الفيدرالي إلى أكبر دورة انكماش نقدي ورفع لأسعار الفائدة خلال العقود الأخيرة، وهو ما أدى بشكل مباشر إلى تفاقم عبء الديون الوطنية.

مع تجاوز حجم الدين الإجمالي للولايات المتحدة حاجز 35 تريليون دولار، فإن كل زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة في سعر الفائدة للاحتياطي الفيدرالي تعني مئات المليارات من الدولارات كعبء مالي إضافي على الميزانية السنوية. في عصر المال الرخيص وأسعار الفائدة القريبة من الصفر، كانت حكومة واشنطن تجدد سندات الدين بأقل تكلفة. لكن مع قفزة سعر الفائدة إلى ما فوق 5%، تجاوزت تكلفة الفائدة الصافية على الديون حاجز تريليون دولار سنويًا، وهو رقم مذهل يتجاوز حتى الميزانية العسكرية والدفاعية الضخمة للبنتاغون.

تكتسب الأزمة الحالية طابعًا هيكليًا عندما تضطر وزارة الخزانة الأمريكية إلى إصدار سندات دين جديدة بأسعار فائدة أعلى بكثير لسداد فوائد الديون السابقة. بمعنى آخر، تقوم الحكومة بإنشاء ديون أثقل لتسوية أصل وفوائد الديون الماضية. هذا الآلية أدت إلى خلق “دوامة تغذي نفسها ذاتيًا” حيث تؤدي الديون الأكبر إلى دفع فوائد أعلى، والفوائد الأعلى تؤدي إلى عجز أعمق في الميزانية، وعجز الميزانية بدوره يؤدي إلى إصدار جديد لسندات الدين.

الاختلالات ليست داخلية فقط. فقد أدى تزايد الديون، جنبًا إلى جنب مع الأدوات السياسية والعقوبات المفروضة على الدولار، إلى تقليل ميل المشترين التقليديين للسندات الحكومية الأمريكية (مثل الصين وبنوك مركزية عالمية أخرى) بشكل كبير. هذا يضع الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة أمام تحدي جذب رأس المال بأسعار فائدة منطقية، ويزاعف من مخاطر انتقال عدم الاستقرار إلى الأسواق المالية العالمية. يقف الاحتياطي الفيدرالي الآن على مفترق طرق تاريخي: إذا أبقى على أسعار الفائدة مرتفعة لكبح التضخم، فإن تكلفة خدمة الديون ستشل ميزانية الحكومة وتسرع من الإفلاس الهيكلي. أما إذا خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بسرعة، فإن موجة جديدة من التضخم ستقوض قيمة الدولار وتعيد فقاعات الأسعار.

يُظهر هذا الاختلال المؤسسي أن النموذج الاقتصادي المعتمد على الاقتراض اللامتناهي والهيمنة النقدية قد اقترب من خطوطه الحمراء للبقاء، وأصبحت أزمة الديون الأمريكية لم تعد مجرد مؤشر إحصائي، بل تهديدًا جوهريًا لاستقرار النظام الرأسمالي والمعمار المالي الدولي.

محمد حسين چشم‌براه، محلل في قطاع الصناعة والتجارة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة تسنيم

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى