قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

الصين تستفيد من الأزمات الأمريكية.. تراجع واشنطن يمنح بكين فرصاً استراتيجية

تستغل الصين الأزمات المتعددة التي تواجه الولايات المتحدة، من التوترات في الشرق الأوسط إلى المنافسة المتزايدة، لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي، بينما تضطر واشنطن إلى تقسيم مواردها وقواتها على جبهات مختلفة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تواجه الولايات المتحدة حالياً سلسلة من الأزمات المتشابكة، تشمل التوتر مع إيران، والتدخل في غزة ولبنان، والحرب المستنزفة في أوكرانيا، والمنافسة المتصاعدة مع الصين. هذا الوضع، الذي يفرض على واشنطن تقسيم تركيزها وقدراتها بين هذه الجبهات، يكشف عن تراجع عملي للولايات المتحدة عن أولوياتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، رغم ادعاءات واشنطن بكبح الصين.

يظهر أحدث مثال على ذلك في إرسال حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جورج واشنطن» من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، لتحل محل حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» التي أمضت أكثر من 250 يوماً في مهمة. هذا التحرك يترك غرب المحيط الهادئ مؤقتاً بدون حاملة طائرات أمريكية.

الأزمات المتتالية.. تقسيم قدرات أمريكا بين جبهات مختلفة

يؤدي استمرار التدخل في غرب آسيا والهجمات الأمريكية العدوانية ضد إيران، إلى جانب الالتزامات العسكرية لواشنطن في أوروبا والمنافسة المتزايدة مع الصين، إلى زيادة تكلفة الحفاظ على القوة الأمريكية في جبهات متعددة في وقت واحد. إن نقل حاملة الطائرات جورج واشنطن إلى غرب آسيا هو أحدث دليل على هذه التكلفة والضغط.

تتزايد أهمية هذا التحول حين ندرك أن غرب المحيط الهادئ يُعد أهم ساحة للمنافسة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين. وقد أفادت وكالتا أسوشيتد برس و«ستارز أند سترايبس» بأن خروج حاملة الطائرات جورج واشنطن، في ظل تزايد الأنشطة العسكرية الصينية في المنطقة، أثار تساؤلات حول قدرة واشنطن على الحفاظ على الردع وطمأنة حلفائها.

لا يقتصر الضغط الناجم عن الحرب على تحريك السفن والقوات، بل يمتد ليشمل مخزونات الأسلحة الأمريكية أيضاً. فقد ذكرت وكالة رويترز في 4 أغسطس (13 مرداد) أن الجيش الأمريكي قد استهلك تقريباً كل مخزونه من الصواريخ بعيدة المدى الدقيقة، بما في ذلك صواريخ «أتكامز» و«بي إس إم»، خلال الاشتباكات التي استمرت خمسة أشهر مع إيران. كما تم استخدام حوالي 65% من صواريخ باتريوت الاعتراضية و38% من صواريخ ثاد الاعتراضية، وتم استخدام ما يقرب من نصف صواريخ كروز توماهوك.

تشير هذه الأرقام إلى أن المسألة ليست مجرد نقل حاملة طائرات أو تغيير مؤقت لمواقع القوات، بل إن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط يضع ضغطاً على جزء من القدرات التي تحتاجها واشنطن للردع ضد منافسيها الكبار.

حذرت رويترز من أن انخفاض مخزونات الأسلحة قد يؤثر على جاهزية أمريكا للصراعات المستقبلية مع قوى مثل الصين وروسيا، وهو ما يكتسب أهمية أكبر بالتزامن مع خلو غرب المحيط الهادئ مؤقتاً من حاملة طائرات.

من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار التطورات الأخيرة مجرد علامة على تراجع أمريكا عن آسيا، ولكن يمكن اعتبارها دليلاً واضحاً على تكلفة التدخلات العسكرية وتشتت قدرات واشنطن. فبينما تخصص الولايات المتحدة جزءاً من قدراتها العسكرية لمواصلة الحرب في الشرق الأوسط، تظل الصين تحتفظ بفرصة لزيادة نطاق أنشطتها ونفوذها في أهم مجالات المنافسة الاستراتيجية مع واشنطن، وهو الوضع الذي يشكل السؤال الرئيسي للتقرير حول كيفية استفادة بكين من هذه المساحة الجديدة.

كيف توسع الصين نطاق نفوذها؟

في مواجهة الهجمات الأمريكية والعدوانية التي يشنها النظام الصهيوني ضد إيران، لم تدخل الصين في مواجهة مباشرة، على عكس واشنطن التي خصصت جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، سعت بكين إلى استغلال التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية لهذه الأزمة لتعزيز موقعها.

أفاد معهد بروكينغز في تقرير له بأن الحرب في إيران خلفت تكاليف لبكين، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه وفرت فرصاً لتعزيز مكانة الصين في تقنيات الطاقة النظيفة، وتعزيز العلاقات مع الدول النامية، وترسيخ رواية النظام متعدد الأقطاب.

يظهر أحد أوضح مظاهر هذا الاتجاه في سوق الطاقة والنقل. فقد أفادت رويترز قبل فترة بأن صادرات الصين من الشاحنات الكهربائية تضاعفت أكثر من مرتين بعد بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (9 مارس 1404)، وزادت واردات هذه المنتجات إلى دول جنوب آسيا خمسة أضعاف مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

أدى ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن اضطراب حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى زيادة الطلب على السيارات الكهربائية، وتعمل الشركات الصينية، من خلال عرض نماذج أرخص وتقديم حزم متكاملة من السيارات والبنية التحتية للشحن، على الاستحواذ على أسواق كانت في السابق تحت سيطرة المنتجين التقليديين.

تتوسع هذه الفرصة لتشمل أسواق الجنوب العالمي الأوسع، حيث تقدم المقارنة بين الصين وأمريكا صورة أوضح. ففي عام 2025، بلغ حجم التجارة بين الصين وأفريقيا 348 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.7%، بينما نما حجم صادرات الصين إلى أفريقيا بوتيرة أسرع من واردات أفريقيا. كما نفذت بكين سياسة التعريفة الصفرية للسلع الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية بالصين اعتباراً من مايو 2026. تأتي هذه الإجراءات في ظل سياسات التعريفة الأمريكية التي زادت من تكلفة وصول العديد من الاقتصادات النامية إلى السوق الأمريكية.

في الوقت نفسه، تستغل بكين تراجع التركيز العسكري الأمريكي لترسيخ مكانتها في بيئتها المحيطة. وبحسب تقرير لوكالة رويترز، بالتزامن مع التركيز العالمي على حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، زادت الصين من أنشطتها العسكرية والاستراتيجية في المحيطين الهندي والهادئ. ويعد إكمال المرحلة الأولى من الإنشاءات في صخرة أنتلوب في بحر الصين الجنوبي أحدث مثال على ذلك.

تكشف صور الأقمار الصناعية عن جزيرة اصطناعية بطول نحو 6 كيلومترات، وميناء بسكك بطول حوالي 680 متراً، وبنية تحتية بطريق مباشر يزيد عن ثلاثة كيلومترات، يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مدرج هبوط. هذه البنية التحتية، في مسافة نقلت فيها أمريكا جزءاً من قوتها البحرية إلى الشرق الأوسط، تزيد من قدرة الصين على التواجد المستمر في المنطقة.

ومع ذلك، لا ينبغي اختصار ميزة الصين في الظروف الحالية في زيادة القوة العسكرية أو الاقتصادية فقط. فالإنجاز الأهم لبكين هو قدرتها على تحويل أزمات الآخرين إلى فرص لتوسيع روابطها دون تحمل تكلفة سياسية وعسكرية مماثلة. فبينما تضطر أمريكا إلى نقل السفن، واستهلاك مخزونات الأسلحة، وتركيز الموارد في الشرق الأوسط لإدارة الحروب، يمكن للصين في الوقت نفسه توسيع تجارتها في الأسواق الناشئة، واستبدال تقنياتها ومنتجاتها بالخيارات الغربية الأكثر تكلفة، وزيادة حضورها الاستراتيجي في شرق آسيا. هذا الاختلاف هو ما يحول سؤال «كيف تستفيد بكين من أزمات واشنطن» من مجرد ادعاء عام إلى اتجاه قابل للقياس.

المنافسة في ظل الأزمة.. ترسيخ مكانة الصين في النظام الجديد

يعتقد الخبراء أن الصين لا تسعى إلى سد الفراغ الذي خلفه انشغال أمريكا بسرعة، بل تستغل تشتت قدرات واشنطن لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والمالية والدبلوماسية تدريجياً. وقد أفادت رويترز بأن دول الخليج العربية، بالتزامن مع تزايد الشكوك حول قدرات أمريكا، تولي اهتماماً أكبر لدور الصين في إدارة التوترات الإقليمية والحفاظ على مسارات التجارة.

يظهر هذا الاتجاه أيضاً في تجارة الصين مع الدول الآسيوية. فقد شهدت تجارة الصين مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) نمواً بنسبة 18.2% في النصف الأول من عام 2026، لتصل إلى 4.34 تريليون يوان، وزادت صادرات الكهرباء الصينية إلى هذه الدول بنسبة 42.9%، في أعقاب المخاوف الناجمة عن أزمة الطاقة. تشير هذه الأرقام إلى أن بكين تعمل على تحويل قدراتها الاقتصادية إلى أداة لتعميق الاعتماد المتبادل مع دول المنطقة.

في الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على البنى التحتية المالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. فوفقاً لبيانات إدارة الدولة للنقد الأجنبي الصينية، بلغ حجم المدفوعات والتحصيلات الخارجية للقطاع غير المصرفي الصيني 9.2 تريليون دولار في النصف الأول من عام 2026، وشكل اليوان 52.9% من التسويات الخارجية للبلاد. وحتى لو لم تهدد هذه الأرقام مكانة الدولار، فإنها تشير إلى توسع القدرات المالية المستقلة للصين.

في المجال السياسي أيضاً، تتمتع الصين بموقف مختلف عن الولايات المتحدة بسبب علاقاتها المتزامنة مع إيران ودول الخليج العربية. فبدون الدخول المباشر في صراع وتحمل تكلفة عسكرية مماثلة لواشنطن، يمكن لبكين استخدام علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية لزيادة دورها السياسي. من هذا المنظور، كلما استمرت الأزمات المتنوعة في المنطقة، زادت فرصة الصين لتعزيز علاقاتها وزيادة قوتها التفاوضية في المنطقة وخارجها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى