قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

اعترافات أمريكية تكشف فشل أهداف الهجوم ضد إيران وتثير تساؤلات حول استراتيجية واشنطن

تتزايد الأصوات المنتقدة داخل الولايات المتحدة بشأن تحقيق أهداف الهجمات التي شنتها واشنطن والكيان الصهيوني ضد إيران، حيث تشير تقييمات إلى فشل ذريع في بلوغ الأهداف المعلنة وتكاليف باهظة فاقت المكاسب المرجوة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، بعد مرور أكثر من ستة أشهر على بدء الهجمات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، تواجه رواية واشنطن حول مكاسب هذا العدوان تساؤلات جدية. اللافت للنظر أن هذه التساؤلات لم تعد تقتصر على منتقدي السياسة الأمريكية فحسب، بل باتت وسائل الإعلام ومراكز الفكر والمسؤولون الأمريكيون أنفسهم يقدمون تقييمات نقدية حول مدى تحقق الأهداف المعلنة والنتائج التي عادت بها هذه الهجمات على واشنطن.

يكشف استعراض هذه الاعترافات أن رواية النصر الحاسم قد تركت، على الأقل في أجزاء من المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي، المجال لنقاش حول الإخفاقات والتكاليف والخيارات المحدودة لواشنطن. ويرى المراقبون أن الأهمية لا تكمن في مجرد عدد هذه التصريحات، بل في اتجاه التقييمات التي ترسم صورة مختلفة لنتائج الهجمات العدوانية انطلاقاً من بنية القرار والإعلام الأمريكية.

قائمة طويلة من الإخفاقات؛ من التدمير النووي إلى تغيير النظام

أعلنت واشنطن في بداية الهجمات العدوانية أهدافاً متعددة لعملياتها، بدءاً من تدمير القدرات الصاروخية والصناعات الدفاعية الإيرانية، مروراً بتعطيل البحرية، وصولاً إلى منع إيران بشكل دائم من حيازة سلاح نووي.

إلى جانب هذه الأهداف العسكرية، تحدث دونالد ترامب مراراً عن تغيير الهيكل السياسي الإيراني. وقد درس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) في الأيام الأولى هذه الأهداف المعلنة لواشنطن، وحذر من أن بعضها لا يمكن تحقيقه بالضربات الجوية أساساً، ويتطلب تغييرات سياسية داخل إيران.

لكن بعد بضعة أشهر، أشارت حتى التقييمات المنشورة في وسائل الإعلام الأمريكية إلى الفجوة بين هذه الأهداف والنتائج المتحققة. كتبت صحيفة واشنطن بوست في يونيو أن بعض أهداف ترامب الرئيسية لا تزال غير محققة، مؤكدة أن النجاحات التكتيكية الأمريكية في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لم تؤد بالضرورة إلى تحقيق أهداف استراتيجية. وأشارت الصحيفة أيضاً إلى إقرار قائد أمريكي رفيع في الشرق الأوسط بأن إيران لا تزال قادرة على شن هجمات صاروخية في المنطقة.

ولم يصل البرنامج النووي إلى النقطة التي وعدت بها واشنطن. تحدثت إدارة ترامب في مراحل مختلفة عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، لكن التقييم الأولي للمعلومات الدفاعية الأمريكية بعد الهجمات السابقة أظهر أن هذه الهجمات لم تدمر البرنامج بل أجلته مؤقتاً. وفي جولة الهجمات الجديدة، ظل المصير النهائي لمخزونات اليورانيوم وإمكانية إعادة بناء القدرة النووية الإيرانية المسألة الرئيسية لواشنطن؛ لدرجة أن مسألة جمع وتدمير هذه المخزونات أصبحت واحدة من أصعب قضايا المفاوضات.

في المجال الصاروخي أيضاً، ابتعدت مزاعم التدمير الكامل عن الواقع اللاحق. تحدث ترامب في البداية عن تدمير جزء كبير جداً من صواريخ إيران ومنصات إطلاقها، لكن تقديرات أمريكية لاحقة قللت من هذه الأرقام، واعترف مسؤول عسكري أمريكي رفيع بأن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة على شن هجمات صاروخية. وكتب معهد تشاتام هاوس في تقييمه أن الاستمرار في إطلاق الصواريخ البالستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة من قبل إيران لا يتوافق مع المزاعم الأولية حول تدمير جزء كبير من القدرة الصاروخية لهذا البلد.

لكن ربما يكون المؤشر الأكثر وضوحاً للفجوة بين الهدف والنتيجة هو مصير الهيكل السياسي الإيراني. كان أحد الأهداف التي تحدث عنها ترامب صراحة في بداية الهجمات هو تهيئة الأرضية لتغيير الحكم في إيران؛ ومع ذلك، أفادت صحيفة واشنطن بوست بعد أسابيع من بدء الهجمات أن مسؤولي الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أنفسهم يقرون بأن الهيكل السياسي الإيراني لم ينهار وأن الحكم لا يزال قائماً. وبعد بضعة أشهر، أكد تقييم تشاتام هاوس أن الجمهورية الإسلامية، رغم الضغوط، حافظت على تماسكها المؤسسي وقدرتها الأمنية اللازمة للبقاء.

هذه القائمة بالطبع لا تقتصر على هذه النقاط. فالشبكات الإقليمية لإيران لم تُدمر بعد، والبرنامج الصاروخي يحتفظ بقدرته على إعادة البناء، ولم يتم التوصل إلى اتفاق مستقر بشأن البرنامج النووي.

قال السفير الأمريكي السابق غاري غراپو في حديث لشبكة سي إن إن بشكل أكثر صراحة: “لقد قيمت أن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية؛ رغم الإشارة إلى نجاحات عسكرية وتكتيكية”. وهكذا، فإن القضية الرئيسية في تقييم أداء واشنطن ليست إنكار الخسائر التي لحقت بإيران، بل الفجوة بين الضربة العسكرية وتحقيق نتيجة سياسية واستراتيجية؛ وهي فجوة تعترف بها الآن أجزاء من الدوائر الأمريكية.

تشقق المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة

الهجمات المتبادلة في الأشهر الأخيرة وضعت أحد أسس الوجود الأمريكي القديم في المنطقة أمام سؤال جدي؛ هل يمكن للنشر الواسع للقوات والقواعد الأمريكية في الخليج الفارسي أن يستمر في لعب دور المظلة الأمنية لحلفاء واشنطن، أم أنه أصبح بنفسه عاملاً لوضعهم في مواجهة الهجمات؟

هذا التردد يُرى الآن في الدوائر الاستراتيجية الأمريكية أيضاً. أقر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بأن قواعد بلاده في المنطقة، بسبب قربها من إيران، عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وأن الحرب الأخيرة أبرزت ضرورة مراجعة نمط نشر القوات الأمريكية.

هذه القابلية للتأثر ليست مجرد تقييم نظري، بل أدت إلى تغيير في الترتيب العسكري الأمريكي. أفادت صحيفة واشنطن بوست أن البنتاغون يدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج الفارسي بعد انتهاء الاشتباكات، بل ويشكك في إعادة بناء بعض القواعد المتضررة. معنى هذا التطور واضح، وهو أن المنشآت التي كان من المفترض أن تكون منصة لاستعراض القوة والردع الأمريكي، أصبحت الآن نفسها مشكلة للمخططين العسكريين الأمريكيين.

كما أقر معهد بروكينجز في تقييمه لنتائج الهجمات بنقطة أهم، وكتب أن القوات الأمريكية التي كانت تتمتع سابقاً بالانتشار المتقدم في المنطقة ونوع من الحصانة التشغيلية، لم تعد تتمتع بهذا الملجأ في مواجهة الهجمات.

وكتب معهد ستيمسون بشكل أكثر صراحة أن الحرب أظهرت أن شبكة القواعد الأمريكية، المصممة لتكون فعالة في الظروف العادية والتفوق الذي لا منافس له، كانت مركزة بشكل مفرط وعرضة للخطر في مواجهة حرب طويلة بالصواريخ والطائرات المسيرة.

إن تبعات هذا الوضع على حلفاء الولايات المتحدة لافتة للنظر أيضاً. أفادت صحيفة واشنطن بوست عن زيادة الاستياء والقلق بين قادة دول الخليج الفارسي بشأن طريقة إدارة الأزمة من قبل ترامب، وتحدثت التحليلات الأمريكية عن اهتزاز الثقة في المظلة الأمنية لواشنطن.

بهذا، فإن المسألة ليست مجرد تضرر بضع قواعد، بل أن معادلة “الأمن في ظل أمريكا” نفسها واجهت اختباراً جاداً؛ اختبار يتحدث الآن حتى في التقييمات الأمريكية عن ضرورة تغيير نموذج الحضور وتقليل قابلية الحلفاء للتأثر.

فاتورة سد مضيق هرمز على الطاولة الأمريكية

لم تعد تكاليف تعطيل مضيق هرمز مجرد مسألة جغرافية سياسية، بل وصلت مباشرة إلى اقتصاد أمريكا وحلفائها. أقر صندوق النقد الدولي بأن الإغلاق العملي لمضيق هرمز أخرج حوالي 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً من متناول السوق، وشكل أكبر اضطراب في سوق النفط في العقود الأخيرة؛ وهو اضطراب، رغم آليات التعويض، لم تتم إلا استعادة جزء منه.

ظهرت فاتورة هذا الاضطراب سريعاً في أسعار الوقود وتكاليف المعيشة. قدر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن هذا الصراع كلف المستهلكين ودافعي الضرائب الأمريكيين حوالي 132 مليار دولار حتى الآن، ووصل سعر البنزين في مرحلة ما إلى متوسط 4.56 دولار للغالون. كما رفع الارتفاع بنحو 47% في أسعار الأسمدة تكاليف الإنتاج وأسعار المواد الغذائية بشكل غير مباشر؛ أي أن تأثير هرمز تجاوز محطات الوقود ليصل إلى سلة الغذاء للشعب.

تحول هذا الضغط الاقتصادي أيضاً إلى استياء شعبي. أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة ماساتشوستس في نهاية أغسطس (أوائل سبتمبر) أن 80% من الأمريكيين يعتقدون أن الهجمات على إيران تسببت في زيادة أسعار المواد الغذائية والبنزين، وأن 68% غير راضين عن طريقة إدارة ترامب تجاه إيران. في نفس الاستطلاع، انخفض شعبية ترامب الإجمالية إلى 32%، ولم يؤيد 64% أداءه؛ وهي أرقام تشير إلى أن التكلفة الاقتصادية للعدوان تحولت أيضاً إلى تكلفة سياسية للبيت الأبيض.

حتى أحدث البيانات الاقتصادية تشير إلى استمرار هذا الضغط. مع تصاعد التوترات مرة أخرى في هرمز، اقترب سعر برنت للنفط خلال الأيام الأخيرة من 100 دولار، وعادت المخاوف بشأن زيادة تكلفة الديزل والتضخم إلى الارتفاع؛ وفي الوقت نفسه، رفع استطلاع جديد لصحيفة فايننشال تايمز شعبية ترامب إلى 33%، وأظهر أن 57% من الناخبين يشعرون بأن وضعهم المالي أصبح أسوأ خلال فترته.

لذلك، فإن هرمز ليس مجرد معبر استراتيجي لواشنطن؛ بل هو فاتورة تمتد من سوق الطاقة إلى موائد الناس، وفي النهاية إلى السجل السياسي لترامب.

العودة إلى العقوبات؛ اعتراف بالجمود

مع إخفاقات أمريكا المتعددة في الأشهر الأخيرة في مواجهة إيران، عادت واشنطن مرة أخرى إلى فرض جزء كبير من ضغوطها على إيران عبر الحصار والعقوبات الاقتصادية؛ وهو تحول يشير إلى أن الأداة العسكرية وحدها لم تستطع تحقيق الأهداف السياسية المرجوة لأمريكا. أفادت وكالة أسوشيتد برس أن ترامب، في مواجهة الموقف المتشدد لطهران، اتخذ استراتيجية مزدوجة من الضغط العسكري والاقتصادي، وأن إدارته تسعى من خلال إطلاق حملة عقوبات جديدة إلى قطع ما تبقى من العلاقات التجارية الإيرانية.

لكن العودة إلى العقوبات تواجه مشكلة قديمة؛ فالعقوبات يمكن أن تزيد التكاليف الاقتصادية، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك السياسي. كما أكدت رويترز في تقييمها لستة أشهر أنه على الرغم من العقوبات الشديدة وحصار صادرات النفط، حافظت إيران على سيطرتها السياسية، ويشكك الخبراء في قدرة العقوبات على إجبار طهران على تغيير أولوياتها الاستراتيجية.

تظهر القيود الأكثر أهمية عندما يدخل الصين على الخط. وسعت واشنطن في أغسطس نطاق العقوبات الثانوية، ولكن في الوقت نفسه، أظهر تقرير واشنطن بوست أن بكين قاومت خطة ترامب “يوم D الاقتصادي”، وأن تهديدات أمريكا ضد التجارة مع إيران يمكن أن تضع العلاقات بين واشنطن وبكين تحت الضغط. الصين هي واحدة من أهم مشتري النفط الإيراني، وفرض أقصى ضغط عليها سيخلق تكاليف أعلى بكثير للولايات المتحدة.

هذا القيد يظهر عملياً أيضاً. أفادت صحيفة فايننشال تايمز أنه على الرغم من تشديد العقوبات، لم يصل ضغط أمريكا بعد إلى فرض عقوبات على البنوك والشركات الصينية الكبرى المعرضة للنظام المالي الأمريكي؛ لأن مثل هذا الإجراء يمكن أن تكون له عواقب اقتصادية وجغرافية سياسية واسعة النطاق على واشنطن.

بهذا، عادت العقوبات مرة أخرى إلى طاولة الولايات المتحدة، ولكن هناك أيضاً سؤال أساسي يظل قائماً؛ إذا لم تستطع سنوات الضغط الاقتصادي إجبار إيران على تغيير سلوكها، والهجمات العدوانية لم تصل إلى الأهداف السياسية المعلنة، فما هي الأدوات الأقل تكلفة المتاحة لواشنطن لتحقيق النتيجة المرجوة؟

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى