الحرب بين إيران والولايات المتحدة تكشف عن مفهوم جديد للقوة في غرب آسيا

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، لم يعد بالإمكان قياس القوة بمجرد أعداد الطائرات والصواريخ والسفن الحربية والقواعد والميزانيات العسكرية. هذا لا يعني التقليل من أهمية القوة العسكرية، بل على العكس، فقد أظهرت الحرب الجارية أن القدرة العسكرية لا تزال شرطًا أساسيًا للبقاء. تبدأ المشكلة عندما يتسع الفارق بين «امتلاك القوة» و «تحويل القوة إلى نتيجة سياسية».
الحرب، التي بدأت في 28 فبراير 2026 ولا تزال مستمرة حتى الآن في شهرها السابع، لا يزال من المبكر الحديث عن نتيجتها النهائية. لكن الحرب، قبل نهايتها، طرحت سؤالًا أساسيًا أمام غرب آسيا: إلى أي مدى يمكن لقوة عسكرية أن تتحمل التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية لحرب طويلة، وفي الوقت نفسه، تحقق أهدافها؟
التكلفة التي لم تعد خفية
وفقًا لتقرير حديث صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، تجاوزت تكلفة الحرب لوزارة الدفاع الأمريكية 38 مليار دولار بحلول الأول من أغسطس، ومن المتوقع أن تُضاف حوالي 2 إلى 3 مليارات دولار شهريًا في حال استمرار مستوى الاشتباكات الحالي. كما يشير التقرير نفسه إلى الضغط على مخزونات الذخائر وأنظمة الدفاع الأمريكية.
هذه الأرقام وحدها لا تحدد نتيجة الحرب، لكنها تكشف عن حقيقة مهمة: القوة، حتى على أعلى المستويات، ليست بلا حدود. كل عملية عسكرية تقاس في النهاية بالوقت، والمخزونات، والاقتصاد، والقدرة على الاستمرار.
من الميدان العسكري إلى ميدان القرار
تحدثت الولايات المتحدة عن أهداف مثل إضعاف القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية ومنع إيران من حيازة أسلحة نووية. لكن في حرب لا تزال مستمرة، فإن عدد الأهداف المدمرة ليس معيارًا كافيًا لقياس القوة. السؤال الرئيسي هو ما إذا كان الطرف الآخر سيُجبر في النهاية على اتخاذ قرارات بشأن أمنه وسياسته الخارجية ومستقبله بما يتماشى مع إرادة المهاجم أم لا. هنا ينتقل مفهوم القوة من «القدرة على الضرب» إلى «القدرة على التأثير».
لم تبدأ إيران هذه الحرب في وضع يمكن مقارنتها فيه بالولايات المتحدة من الناحية الاقتصادية والتكنولوجية. لذلك، فإن المقارنة البحتة لمخزونات الأسلحة بين الطرفين تحذف جزءًا من الواقع. القضية الاستراتيجية هي إلى أي مدى يمكن لدولة ما أن تحافظ على قدرتها على الرد، واستقلاليتها في القرار، وقدرتها على إعادة الإعمار في ظل ضغوط شديدة.
إذا بقيت هذه القدرة، فإن معادلة الحرب تصبح أكثر تعقيدًا. الطرف الآخر لا يواجه هدفًا عسكريًا فحسب؛ بل يواجه دولة لا تزال قادرة على اتخاذ القرارات، وخلق التكاليف، وإعادة بناء قدراتها، وتحويل الوقت إلى جزء من المعادلة.
في مثل هذا الوضع، لا تُعرّف القوة فقط في لحظة الإطلاق؛ بل تُعرّف أيضًا في القدرة على الاستمرار وإجبار الطرف الآخر على إعادة الحساب.
هرمز؛ جغرافيا تحولت إلى استراتيجية
مضيق هرمز في هذه الحرب ليس مجرد ممر مائي؛ بل هو مختبر لفهم الرابط بين الجغرافيا والقوة العسكرية والاقتصاد العالمي. أفادت تقارير في 15 و 16 سبتمبر عن استمرار الانخفاض الحاد في حركة المرور البحرية في هذا الممر.
تكمن أهمية هرمز بالضبط في هذا الأمر. يمكن لنقطة جغرافية أن تنقل تأثيرها من ساحة المعركة إلى أسعار الطاقة، والتأمين، والنقل، وسلاسل التوريد في أماكن بعيدة جدًا.
لذلك، لا يمكن اعتبار هرمز مجرد «رافعة ضغط في وقت الحرب». الخبرة الحالية تشير إلى أن الجغرافيا، عندما ترتبط بالقوة العسكرية والطاقة والاقتصاد والدبلوماسية، يمكن أن تصبح جزءًا من معمار القوة.
باب المندب؛ عندما تتسع ساحة المعركة عن الخريطة
يكمل باب المندب هذا المنطق في الجانب الآخر من غرب آسيا. أظهرت التطورات في اليمن وزيادة التوترات في سواحل البحر الأحمر أن أمن هذا الممر لا ينفصل عن تحولات الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
هرمز في جنوب الخليج الفارسي وباب المندب عند مدخل البحر الأحمر ليسا نقطتين منفصلتين؛ بل هما عقدتان في شبكة واحدة. من هذا المنظور، لم تعد غرب آسيا مجرد مجموعة من الأزمات المستقلة. الطاقة، والملاحة، والقواعد العسكرية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والجغرافيا مترابطة في سلسلة واحدة.
ربما يكون هذا أحد أهم التغييرات في مفهوم القوة في الحرب الجارية: لم يعد بالإمكان قياس قدرة لاعب ما على التأثير ضمن حدوده الجغرافية فقط.
الخطوة التالية؛ من تجربة الحرب إلى معمار المستقبل
لم تنته الحرب بعد، لكن تصميم مستقبلها لا يمكن تأجيله حتى يوم نهايتها. قضية مستقبل إيران ليست مجرد إعادة بناء المعدات المتضررة؛ القضية الأهم هي تحويل تجربة هذه الحرب إلى منطق مستدام للقوة الوطنية.
يجب أن يقوم هذا المنطق على عدة أسس: الصمود الاقتصادي، وتشتيت القدرات الحيوية وإعادة بنائها بسرعة، وتعزيز سلاسل التوريد، والحفاظ على الردع وتطويره، وتحويل القدرات الجغرافية إلى روافع اقتصادية ودبلوماسية.
كما أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد القدرة على الرد في الحرب القادمة. الهدف الأسمى هو ألا تتمكن أي هجوم من سلب القدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي للبلاد.
هنا، يخرج رأس المال الاجتماعي والتماسك الوطني ومعتقدات الأمة من هامش التحليل العسكري. في الحروب الطويلة، ما يمكّن البلد من الاستمرار ليس مجرد عدد الصواريخ والطائرات؛ بل هي قدرة التحمل، والأمل، والانسجام، والمعنى الذي تجده المجتمع في صموده. على هذا المستوى، يمكن فهم الإيمان بالوعود الإلهية ليس كبديل للقوة المادية، بل كجزء من الدعم المعنوي لصمود الأمة.
الحرب لم تنته بعد، ونتيجتها النهائية غير واضحة. لكن حقيقة واحدة يمكن ملاحظتها اليوم: في غرب آسيا، قوة المستقبل لن تكون ملكًا للدولة التي تمتلك أسلحة أكثر فحسب؛ بل ستكون ملكًا للاعب الذي يستطيع توظيف القدرة العسكرية، والجغرافيا، والاقتصاد، والصمود، والدبلوماسية في منطق واحد، وخلق التكاليف، وتحمل التكاليف، والأهم من ذلك، الحفاظ على خياره في اتخاذ القرار.
في هذه المعادلة، الوقت ليس مجرد عامل تآكل؛ بالنسبة للاعب الذي يتمتع بالصمود، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة وتغيير للحسابات.
من هذا المنظور، فإن الحرب الجارية ليست مجرد اختبار للقوة العسكرية؛ إنها اختبار لمن يستطيع تشكيل قواعد قوة الغد من رحم الحرب.
وربما يكون أهم فرق هو هذا: القوة الحقيقية ليست مجرد القدرة على تغيير ساحة المعركة؛ إنها القدرة على تحويل تجربة ساحة المعركة إلى معمار المستقبل.
خبير دولي وشؤون غرب آسيا.
