تطورات باب المندب تثير قلق الغرب وتهدد الاقتصاد العالمي

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التطورات الميدانية التي شهدتها السواحل الغربية لليمن خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتثبيت سيطرة القوات المسلحة لحكومة الإنقاذ الوطني اليمنية على مساحة تتجاوز 5400 كيلومتر مربع في محافظتي تعز والحديدة، تشير إلى قفزة نوعية في طبيعة النزاع وتحوله من حرب محلية غير متكافئة إلى متغير حاسم في موازين القوى الإقليمية.
إن تنفيذ العملية الاستراتيجية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلاً» والسيطرة المتتالية على نقاط استراتيجية، مثل ميناء ومطار المخا، وناحية ذباب الساحلية، وجزيرتي ميون (بريم) وحنيش الاستراتيجيتين، وخصوصاً مرتفعات «كهبوب» المشرفة، قد أوجدت جغرافية دفاعية جديدة في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
هذا التفوق الطبوغرافي، لا سيما الاستقرار على مرتفعات كهبوب التي توفر إشرافاً مراقبياً وقيادة نيران مباشرة على شرايين النقل البرية وقنوات الملاحة «باب الإسكندر»، إلى جانب الإنشاء السريع للتحصينات الهندسية وخطوط الدفاع متعددة الطبقات شمال العرادي، قد سلب فعلياً أي إمكانية لاستعادة التحالف للمواقع برياً.
بهذا، تكون صنعاء، من خلال السيطرة على البنى التحتية الساحلية الرئيسية التي تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات والتحكم الكامل في مدخل المضيق، قد لم تكتفِ بتغيير الموازين الميدانية في اليمن لصالحها، بل رسخت مباشرة تحت سيادتها أداة مراقبة وإنكار الوصول المادي إلى أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.
صدمة للاقتصاد العالمي
من منظور الجيو-اقتصاد للطاقة، أعادت هذه التغييرات الجغرافية تعريف الهيكل الهش لتدفق الهيدروكربونات العالمي وتحدت نظرية أمن خطوط النقل التقليدية.
يشكل الارتفاع في أسعار النفط برنت إلى حدود 110 دولارات للبرميل تجلياً واضحاً لتفعيل ظاهرة «ضيق المخاطر الجغرافية» في معمارية عبور الطاقة في الشرق الأوسط؛ بمعنى أن عنق الزجاجة في باب المندب لم يعد مجرد عائق منفصل، بل يعمل بتكامل عضوي مع مضيق هرمز والبنى التحتية للنقل البري.
إن عدم فعالية أو هشاشة المسارات البديلة، مثل خط أنابيب النفط الخام الشرقي-الغربي في السعودية، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 4 ملايين برميل يومياً ويصب في موانئ البحر الأحمر للتحوط من أزمات الخليج الفارسي، أظهر أن تجاوز ممر مائي دون ضمان الاستقرار في الممر المقصود هو مجرد وهم.
إن وجود ثلاثة معابر حيوية في وقت واحد، وهي مضيق هرمز، وخطوط الأنابيب المتقاطعة لشبه الجزيرة، ومضيق باب المندب، ضمن نطاق نيران وصلاحيات صنعاء، قد وضع سوق الطاقة أمام «علاوة مخاطر جيوسياسية» مستقرة وغير مرنة، تستهدف تأثيراتها التضخمية بشكل مباشر الاقتصادات الصناعية في آسيا وأوروبا.
خنجر يمني يهدد سلاسل القيمة العالمية
تماشياً مع تقلبات سوق النفط، تعرضت شبكة الشحن التجاري الدولية وسلاسل التوريد العالمية لصدمة هيكلية غير مسبوقة، امتدت تداعياتها إلى ما هو أبعد من الحسابات العسكرية البحتة.
إن انخفاض حركة الملاحة اليومية للسفن عبر معبر باب المندب بنسبة 50%، أي انخفاض من 30 إلى 15 سفينة، والارتفاع التصاعدي لتكاليف «التأمين ضد مخاطر الحرب» من قبل النقابات الدولية للملاحة، أجبر عمالقة اللوجستيات البحرية على الاختيار بين تحمل مخاطر قاتلة أو تغيير المسار المكلف نحو رأس الرجاء الصالح.
إن فرض 10 إلى 14 يوماً إضافياً من الملاحة وآلاف الأميال الإضافية لأسطول الحاويات، قد أخل بمفهوم إدارة سلسلة التوريد في الوقت المحدد في المعاملات بين شرق آسيا وغرب أوروبا، وأدى إلى موجة من التأخير في تخليص البضائع، وتكديس تكاليف الوقود، وانخفاض في القدرة التشغيلية للشحن التجاري على الصعيد الدولي.
من ناحية أخرى، فإن استعادة الأصول البنية التحتية الهامة في المخا، بما في ذلك مشاريع الموانئ ومحطة توليد الطاقة بقدرة 60 ميجاوات ومنشآت المطار، قد عزز القاعدة الاقتصادية للحكومة المقيمة في صنعاء وقطع شرايين التفرد للطرف الآخر في إدارة السواحل الجنوبية والغربية.
انقسام في مجلس الأمن
على الصعيد الدبلوماسي والعلاقات الدولية، كشفت الاجتماعات الطارئة لمجلس الأمن الدولي عن انقسام هيكلي عميق بين الكتل القوى في احتواء هذه الأزمة، وأظهرت تآكل الردع الغربي.
فبينما تضغط الولايات المتحدة وبريطانيا وشركاؤهما الأوروبيون، استناداً إلى قرارات مثل 2216 و 2722 واعتماداً على عمليات مثل «أسبيدس»، على ضرورة قمع أدوات التهديد الملاحي والتصدي للنفوذ الإقليمي لإيران، فإن موقف القوى الشرقية مثل الصين وروسيا، التي تؤكد على ضرورة فهم جذور النزاع، واحترام سيادة اليمن وسلامة أراضيه، وتجنب الأعمال العسكرية المتسرعة، قد شل آلية الإجماع الدولي.
في الوقت نفسه، فإن عجز التحالف الإقليمي عن حشد المشاركة العسكرية من قوى مثل مصر، التي تتجنب الدخول في مستنقع الساحل الغربي بسبب التجارب التاريخية والأولويات الجيوسياسية، وعدم رغبة دول مثل باكستان وتركيا في الانخراط المباشر، إلى جانب الخسائر الجوية والبشرية المتواصلة، يشير إلى طريق مسدود عميق للخيارات الصلبة ضد صنعاء؛ حقيقة تؤكد الهشاشة المتزايدة للوضع الإنساني، حيث تبرز التحذيرات من تفاقم أزمة النازحين.
الخلاصة
في التحليل النهائي، تمثل تطورات هذا الشهر نقطة تحول في تاريخ الجيوسياسية في جنوب غرب آسيا، حيث تمكنت صنعاء من الارتقاء بموقعها الجيو-استراتيجي من فاعل شبه عسكري محلي إلى «لاعب موازِن وغير قابل للإقصاء» في هندسة الأمن العالمي.
إن السيطرة المتكاملة على مضيق باب المندب، وجزيرة ميون، ومرتفعات كهبوب المشرفة، قد فرضت هذه الحقيقة التي لا مفر منها على العواصم الغربية والإقليمية، وهي أن عصر فصل أمن الملاحة في البحر الأحمر عن معادلات السيادة والسياسة اليمنية قد انتهى.
أثبتت الجغرافيا مرة أخرى تفوقها الذاتي على أدوات السيطرة الخارجية، وأي معمارية أمنية مستقبلية، أو ترتيبات اقتصادية، أو آلية تحقيق استقرار في هذا الممر الحيوي، لن تكون ممكنة دون الأخذ في الاعتبار المصالح الاستراتيجية والاعتراف بالوزن الجيوسياسي لصنعاء.
في هذه المرحلة، تم إنشاء عملية تزعزع النظام أحادي القطب الذي يحكم الممرات البحرية، وتؤسس لمرحلة جديدة من الردع متعدد الطبقات على مساحة المياه الدولية.
