تحليل شبهة استراتيجية.. هل كانت عملية طوفان الأقصى حكيمة؟

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، شهد قطاع غزة خلال السنوات الثلاث التي تلت عملية طوفان الأقصى دماراً وخسائر واسعة النطاق، لم يكن يتصورها أحد قبل السابع من أكتوبر. وفي ظل هذه الحقيقة، تروج بعض المنابر الدولية لشبهة مفادها: هل كانت عملية السابع من أكتوبر حكيمة بالنظر إلى التبعات التي أعقبتها؟
تطورات استراتيجية سبقت عملية طوفان الأقصى
كتب المحلل الفلسطيني البارز سامي العريان في مقال له على شبكة الميادين الإخبارية، أنه قبل انطلاق عملية طوفان الأقصى، كانت هناك خمس تطورات استراتيجية ملاحظة على الساحة الفلسطينية الداخلية: الحصار على غزة؛ تسارع الاستيطان في الضفة الغربية؛ الصراع على القدس والمسجد الأقصى؛ الأسرى الفلسطينيون في سجون إسرائيل؛ وتطبيع العلاقات واحتمال بلوغ اتفاق سعودي-إسرائيلي.
هذه التطورات، مجتمعة، أدت إلى استنتاج أساسي مفاده أن الزمن لم يكن في صالح المقاومة الفلسطينية. ففي عام 2023، استمر الحصار على غزة لأكثر من 16 عاماً، حيث كان هناك ما يزيد عن 2.2 مليون فلسطيني محاصرين في شريط ساحلي ضيق، مع قيود صارمة على حركتهم وتجارتهم وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية. حتى قبل الحرب الحالية، بلغت نسبة البطالة حوالي 44%، وتجاوزت بطالة الشباب 60%، وكان حوالي 1.2 مليون شخص بحاجة للمساعدات الغذائية.
واجهت حماس معضلة استراتيجية: إدارة غزة دون القدرة على إنهاء الحصار. أدت المواجهات الدورية إلى فرض تكاليف على النظام الصهيوني، لكنها فشلت في تغيير المعادلة الأساسية. تبع الدمار إعادة إعمار محدودة، وأفضت المفاوضات إلى خفض مؤقت للتوتر، لكن الحصار استمر.
وكان توسع الاستيطان يدمر باستمرار الأساس الجغرافي المتبقي لتشكيل دولة فلسطينية. ففي عام 2023، كان يعيش حوالي 750 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وقد منح الائتلاف الذي شكله بنيامين نتنياهو في أواخر عام 2022، شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش، نفوذاً غير مسبوق على الضفة الغربية. وفي ظل هذه الظروف، كان الصبر الاستراتيجي قد يتحول في نهاية المطاف إلى شلل استراتيجي.
إضافة إلى ذلك، كان هناك قضية القدس والمسجد الأقصى. فقد أظهرت مواجهات “سيف القدس” في مايو 2021، القدرة الفائقة للمسجد الأقصى على حشد الفلسطينيين عبر الحواجز الجغرافية والسياسية، وكذلك المسلمين حول العالم. وعززت تطورات عامي 2022 و 2023 مخاوف حماس. فقد أثارت اقتحامات المسجد الأقصى المتكررة، والاشتباكات مع المصلين، والمطالب المتزايدة من قبل التيارات الفاشية الإسرائيلية بشأن المسجد، قلقاً جدياً.
كان الأسرى ضرورة استراتيجية أخرى. فقبل السابع من أكتوبر، كان هناك أكثر من خمسة آلاف فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، محتجزون في سجون إسرائيل، وأكثر من 1200 منهم كانوا رهن الاعتقال الإداري دون اتهام. وبعد وقت قصير من تعيين إيتمار بن غفير وزيراً للأمن القومي، بدأ بفرض قيود صارمة ومضاعفة على الأسرى الفلسطينيين.
وأخيراً، كان هناك خطر تطبيع العلاقات بين الدول العربية والنظام الصهيوني. ففي عام 2023، كانت حماس تشعر بقلق متزايد من تطور إقليمي من شأنه أن يهمش القضية الفلسطينية تماماً. وقد أثبتت اتفاقيات التطبيع أن الحكومات العربية قادرة على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون حل القضية الفلسطينية.
رؤية نتنياهو للمنطقة بدون فلسطين
قبل أسبوعين فقط من السابع من أكتوبر، قدم بنيامين نتنياهو في منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة رؤيته لـ “شرق أوسط جديد” يدور حول التطبيع وممر اقتصادي يربط آسيا بأوروبا عبر المنطقة. الخريطة التي عرضها، والتي أظهرت فلسطين التاريخية عملياً كـ “إسرائيل”، لم تعترف بوجود فلسطين.
وهكذا، كانت عملية طوفان الأقصى ناتجة عن حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة، ونتيجة واقع استراتيجي هدد القضية الفلسطينية بشدة.
وأشار “سامي عريان”، مؤلف المقال، إلى أن “صحة قرار ما يمكن قياسها بناءً على الأحداث التي سبقته، وليس الأحداث التي تلته”، مضيفاً أن مسؤولية الإبادة الجماعية ودمار غزة تقع على عاتق النظام الصهيوني وأنصاره.
بالتأكيد، كانت حماس تتوقع هجوماً ضخماً من إسرائيل. لكن توقع هجوم عسكري شديد يختلف كثيراً عن التنبؤ بحرب غير مسبوقة تبعتها. فالتطورات في غزة بعد عملية طوفان الأقصى كانت في الواقع إبادة جماعية استمرت لسنوات، وأدت إلى نزوح شعب بأكمله، وتدمير مادي لأجزاء واسعة من غزة، وجوع سكانها أمام أعين العالم.
وكان الدعم الأمريكي للنظام الصهيوني في هذا الهجوم متوقعاً تماماً؛ لكن ما أثبت أنه غير مسبوق هو حجمه ومدته. واصلت واشنطن، على الرغم من زيادة عدد الضحايا الفلسطينيين والموجة غير المسبوقة من الإدانات الدولية، تقديم أحدث الأسلحة، والذخائر المدمرة، والمعلومات الاستخباراتية، والدعم الدبلوماسي للنظام الصهيوني. كما بقيت الحكومات الأوروبية الكبرى إلى حد كبير متماشية مع النظام الصهيوني وأمريكا. وفي الوقت نفسه، ظلت ردود فعل الحكومات العربية والإسلامية ضعيفة بشكل مخجل.
هل كانت لدى حماس بدائل لطوفان الأقصى؟
كان لدى حماس بدائل، وقد جرب يحيى السنوار بالفعل عدداً منها. فبعد توليه قيادة غزة في عام 2017، سعى إلى المصالحة مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، واقترح إعادة السلطة التنفيذية في غزة للسلطة الفلسطينية إذا تم رفع الحصار والعقوبات. فشلت هذه المحاولة في نهاية المطاف بسبب المعارضة الشديدة من إسرائيل والولايات المتحدة.
كما سعت حماس إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار طويل الأمد من خلال وساطة مصرية وقطرية. وفي عامي 2018 و 2019، لجأ الفلسطينيون في غزة إلى حركة جماهيرية وسلمية إلى حد كبير عبر “مسيرات العودة الكبرى”، لكنهم واجهوا رداً إسرائيلياً أدى إلى استشهاد أكثر من 200 فلسطيني وإصابة عشرات الآلاف، منهم حوالي ربعهم من الأطفال.
كان بإمكان حماس أن تختار ضبط النفس، المزيد من الدبلوماسية، التصعيد المحدود، الاستمرار في تعزيز القدرات العسكرية، أو ببساطة البقاء التنظيمي. ولكن بحلول عام 2023، كانت قيادة حماس قد اكتسبت سنوات من الخبرة من هذه المسارات، ولم ينجح أي منها في إنهاء الحصار، أو وقف الاستيطان، أو حماية المسجد الأقصى، أو تحرير آلاف الأسرى، أو عكس اتجاه التطبيع الإقليمي.
المزايا الدولية لعملية طوفان الأقصى
كانت التكلفة البشرية المترتبة على فلسطين بعد عملية طوفان الأقصى مروعة. استشهد ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني وأصيب أكثر من 175 ألفاً. وقد نزح معظم سكان غزة. ودُمرت المنازل والأحياء والجامعات والمدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس، وجزء كبير من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة. لكن النقطة المهمة هي أن مسؤولية سلوك النظام الصهيوني في غزة تقع على عاتق هذا النظام نفسه ومن يدعمه. لا يمكن تحميل المقاومة ضد قوة احتلال مسؤولية جرائم تلك القوة، وإلا فستتمتع القوة الأقوى بحق النقض الفائق.
لقد كسرت عملية السابع من أكتوبر نموذج تطبيع العلاقات مع النظام الصهيوني دون إصلاح القضية الفلسطينية، وعادت فلسطين إلى قلب السياسة الدولية. وتعرض احتلال إسرائيل، والاستيطان، وسلوكها تجاه الفلسطينيين للتدقيق على نطاق عالمي لم يسبق له مثيل في العقود الأخيرة. وبدأ جيل جديد في أجزاء واسعة من العالم في طرح أسئلة لا تتعلق فقط بالسياسات الإسرائيلية، بل بطبيعة ومفهوم الصهيونية، والاستعمار الاستيطاني، والنكبة، والنظام السياسي المفروض على الفلسطينيين.
كما كشفت هذه الحرب عن تناقضات عميقة داخل النظام الدولي بقيادة الغرب. فقد واجهت المؤسسات التي أُنشئت للدفاع عن القانون الدولي اختباراً ستتجاوز نتائجه فلسطين. توقف مسار التطبيع الإقليمي، وتغير الخطاب العالمي بشكل كبير.
النصر النهائي قادم
دفعت غزة ثمناً يكاد يكون فوق التصور. لقد تكبد المجتمع الفلسطيني خسائر فادحة. ولا يزال توازن القوى الإقليمي غير واضح، ونتائجه لحماس، والحركة الوطنية الفلسطينية، والكيان الصهيوني، والشرق الأوسط الأكبر، لا تزال تتكشف.
على الرغم من أنه من السابق لأوانه الإعلان عن السابع من أكتوبر كـ “انتصار استراتيجي تاريخي” للمقاومة أو “هزيمة استراتيجية كارثية” للنظام الصهيوني، إلا أن التاريخ يقدم العديد من الأمثلة لشعوب تحملت الكثير من المعاناة في النضال ضد العدوان والاحتلال والهيمنة الأجنبية. فقد خسر الاتحاد السوفيتي أكثر من 20 مليون شخص في هزيمة ألمانيا النازية. وفقدت فيتنام ملايين الأشخاص خلال عقود من الحرب ضد الاستعمار الفرنسي والتدخل الأمريكي، قبل تحقيق وحدتها واستقلالها. كما تحملت أفغانستان عقدين من الاحتلال الأمريكي بتكاليف بشرية باهظة، قبل الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية في عام 2021.
